هل الاتحاد الأوروبي في طريقه إلى التفكك؟
يقوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس بزيارة إلى الولايات المتحدة في ظرف دولي شديد التوتر، يتسم بتصعيد عسكري خطير في الحرب ضد إيران، وسط تشكيك واسع في مدى التزام هذا التصعيد بأطر القانون الدولي التقليدية. هذا التصعيد قد يقود، وفق مؤشرات متعددة، إلى مرحلة شديدة الخطورة في النظام الدولي، خاصة في ظل الضربات التي تنفذها “اسرائيل” بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية، والتي يُنظر إليها على أنها محاولة لإضعاف مراكز القرار السياسي والعسكري في طهران ومنع إعادة تشكيل قيادة قادرة على ضبط الوضع الداخلي.
في هذا السياق، تبدو ألمانيا وكأنها تسعى إلى الاستفادة من علاقتها مع واشنطن ومن التقارب مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وربما محاولة ركوب القطار الأمريكي لتحقيق مصالحها الخاصة ضمن التوازنات الدولية الجديدة. غير أن الملاحظة اللافتة خلال هذه الزيارة كانت غياب أي موقف ألماني أو أوروبي واضح عندما أعلن ترامب تهديده بإنهاء التعاملات التجارية مع إسبانيا، احتجاجًا على رفض مدريد السماح باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة في الهجمات ضد إيران. إسبانيا، وهي دولة عضو مهمة في الاتحاد الأوروبي، لم تحظ بأي دعم علني واضح من جانب برلين، رغم أن ألمانيا تعد إحدى القوى المؤثرة داخل الاتحاد.
هذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية موحدة. فكيف يمكن الحفاظ على تماسك الاتحاد بينما تتصرف كل دولة وفق حساباتها الخاصة، حتى عندما تتعرض دولة عضو لضغوط أو تهديدات مباشرة من قوة دولية كبرى مثل الولايات المتحدة؟
وفي هذا الإطار، عبّر الرئيس السلوفاكي روبرت فيتسو عن هذه الإشكالية حين اعتبر أن الحرب ضد إيران كشفت واقعًا دوليًا جديدًا يقوم على منطق القوة، حيث تجد الدول الصغيرة نفسها مضطرة إلى التكيف مع إرادة القوى الكبرى التي لم تعد، في رأيه، تعطي الاعتبار نفسه للقانون الدولي. هذا الخطاب يعكس شعور عدد من الدول الأوروبية بأن ميزان القوة يميل أكثر فأكثر لصالح القرارات الأحادية التي تتخذها العواصم الكبرى، مع تراجع فعلي لوزن المؤسسات متعددة الأطراف.
الملاحظ أيضًا أن مظاهر التضامن داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت أقل وضوحًا حتى في شكلها الرمزي. فانتقادات ترامب لإسبانيا صدرت بحضور المستشار الألماني، من دون صدور رد أوروبي موحد أو حتى إشارة سياسية قوية تعكس دعمًا علنيًا لمدريد في موقفها القائم على احترام القانون الدولي. هذا التباين في طريقة التعامل مع الولايات المتحدة يثير تساؤلات حول قدرة الأوروبيين على الحفاظ على موقعهم ككتلة سياسية مؤثرة في العلاقات الدولية.
من جهة أخرى، تبدو العلاقة بين الإدارة الأمريكية الحالية والمؤسسات الأوروبية متوترة. فترامب لا يخفي تحفظاته تجاه الاتحاد الأوروبي كمؤسسة موحدة، ويميل إلى التعامل المباشر مع الحكومات الوطنية بدل مؤسسات بروكسل، وهو ما يعكس تفضيل الإدارة الأمريكية للتفاوض الثنائي مع الدول الأوروبية الفردية بدل التعامل مع الاتحاد كفاعل سياسي موحد. كما لا تظهر مؤشرات قوية على منح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دورًا محوريًا في قنوات التواصل السياسي مع البيت الأبيض، مقارنة بما يُفترض أن تمثله من قيادة لمؤسسة تشرف على واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم.
في المقابل، عبّر ترامب بوضوح عن تقديره للأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الذي أشاد بالضربات الأمريكية و**”الإسرائيلية”** ضد إيران مع التأكيد في الوقت نفسه أن الحلف كمنظمة لن يشارك مباشرة في العمليات العسكرية. هذا الموقف يعكس رؤية أمريكية تقوم على تصنيف الحلفاء وفق مدى انسجامهم مع السياسات الأمريكية، في معادلة تبدو أقرب إلى منطق «من معنا ومن ضدنا».
كما أن موقف الإدارة الأمريكية من حلف شمال الأطلسي يعكس رغبة في توجيه أولوياته بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية للأمن الدولي، في وقت يفضّل فيه ترامب التعامل مع الدول الأوروبية بشكل منفرد بدل التعامل مع الاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة، وهو ما يتقاطع مع مواقفه السابقة التي اعتبر فيها أن الاتحاد الأوروبي يمثل منافسًا اقتصاديًا للولايات المتحدة.
في ضوء هذه التطورات، يطرح غياب موقف أوروبي موحد في مواجهة الضغوط الأمريكية تساؤلات جدية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي. فاستمرار هذا النهج، حيث تُترك الدول الأعضاء لمواجهة الضغوط الدولية بشكل منفرد، قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف التكتل الأوروبي، وربما فتح الباب أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الاتحاد كقوة سياسية موحدة على الساحة الدولية، حتى وإن ظل الإطار الاقتصادي والمؤسساتي قائمًا.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
صراع صامت لتزييف الإسلام الجزائري
ما يجري اليوم داخل المجال الديني في الجزائر لا يمكن قراءته باعتباره اختلافًا فقهيًا عاديًا…






