التعمير في الجزائر 2026: تعقيد إداري وقوانين متراكمة… وإصلاحات ممكنة
يكشف تحليل مستند إلى دليل الاستثمار في الجزائر لسنة 2026 الصادر عن شركة KPMG أن منظومة التعمير في الجزائر تواجه تحديات هيكلية عميقة، تتعلق أساسًا بتداخل الصلاحيات الإدارية، وتراكم النصوص القانونية غير المنسجمة، إضافة إلى انتشار البناء غير الرسمي نتيجة بطء الإجراءات وتعقيدها. غير أن التقرير يؤكد في الوقت ذاته أن هذه الصعوبات ليست حتمية، وأن إصلاح النظام العمراني في الجزائر ممكن من خلال سلسلة إجراءات تنظيمية وتقنية يمكن تنفيذها تدريجيًا دون الحاجة إلى موارد مالية ضخمة.
فالجزائر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 46 مليون نسمة وتشهد توسعًا حضريًا سريعًا خلال العقدين الأخيرين، تمتلك في الواقع مقومات اقتصادية وسكانية تجعلها سوقًا واعدة للاستثمار العقاري والصناعي. كما أن ارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي وتزايد الطلب على السكن والبنية التحتية يفترض أن يحولا قطاع البناء والتعمير إلى محرك أساسي للنمو الاقتصادي. ومع ذلك، لا يزال المستثمرون المحليون والأجانب يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على التراخيص العمرانية، وفي مقدمتها رخص البناء، التي غالبًا ما تتحول إلى مسار إداري طويل ومعقد.
وترجع هذه الصعوبة، بحسب التحليل الوارد في دليل الاستثمار، إلى عامل رئيسي يتمثل في تعدد السلطات الإدارية المخولة بمنح رخص البناء. فالقانون الجزائري ينص من حيث المبدأ على أن رئيس المجلس الشعبي البلدي هو الجهة المختصة بإصدار رخص البناء، غير أن نصوصًا أخرى تمنح هذه الصلاحية في حالات معينة لوالي الولاية أو للوزارة الوصية. هذا التداخل في الاختصاصات يخلق وضعًا إداريًا ضبابيًا، إذ يجد المستثمر نفسه أمام ثلاث جهات محتملة لاتخاذ القرار دون معايير واضحة تحدد بدقة الحالات التي تنتقل فيها الصلاحية من مستوى إداري إلى آخر.
ويؤدي هذا الغموض إلى ظاهرة شائعة في الإدارة تعرف بـ«تبادل الملفات بين المصالح»، حيث يتم تحويل الملف من جهة إلى أخرى بدافع الحذر الإداري أو بسبب غياب وضوح قانوني حول الجهة المختصة فعليًا بالقرار. وفي كثير من الحالات، تتحول هذه العملية إلى سلسلة من الإحالات البيروقراطية التي قد تستغرق عدة أشهر قبل أن يصل الملف إلى الجهة القادرة فعليًا على اتخاذ القرار. ويقترح التقرير لمعالجة هذه المشكلة إنشاء نظام رقمي لتحديد الاختصاصات يعتمد على معايير واضحة مثل مساحة المشروع وقيمته ونوعه، بحيث يمكن للمستثمر معرفة الجهة المختصة مباشرة دون المرور بسلسلة طويلة من الاستفسارات الإدارية.
إلى جانب مسألة الاختصاصات، يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد الإجراءات العمرانية في الجزائر وهو غياب آليات قانونية ملزمة للإدارة لاحترام آجال معالجة الملفات. فالتشريع الجزائري يحدد بدقة الآجال التي يجب على المواطن أو المستثمر احترامها في مختلف مراحل الإجراءات، مثل آجال إيداع الوثائق أو نشر الإعلانات القانونية، لكنه لا يتضمن في المقابل نظامًا واضحًا لمحاسبة الإدارة في حال تجاوزها للمدة القانونية لدراسة الملف.
ويخلق هذا الوضع نوعًا من الاختلال في العلاقة بين الإدارة والمستثمر، حيث يصبح المواطن ملزمًا باحترام آجال صارمة بينما يمكن للإدارة أن تتأخر في الرد دون أن يترتب على ذلك أي أثر قانوني مباشر. وفي العديد من الأنظمة الإدارية الحديثة، تم اعتماد مبدأ يعرف باسم «الصمت الإداري يعني الموافقة»، والذي يقضي باعتبار عدم رد الإدارة خلال فترة محددة بمثابة موافقة ضمنية على الطلب. ويرى التقرير أن إدخال هذا المبدأ في مجال رخص البناء في الجزائر، مع تحديد أجل أقصى لدراسة الملفات لا يتجاوز ستين يومًا، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليص مدة الإجراءات وتعزيز الثقة في النظام الإداري.
ومن أبرز التحديات الأخرى التي تواجه قطاع التعمير في الجزائر تراكم النصوص القانونية عبر أكثر من ثلاثة عقود دون توحيدها في إطار تشريعي واحد. فقد صدر القانون الأساسي المتعلق بالتهيئة والتعمير سنة 1990، قبل أن يتم تعديله عدة مرات من خلال قوانين ومراسيم لاحقة، من بينها تعديلات سنة 2004 و2008، إضافة إلى المرسوم التنفيذي الصادر سنة 2015، ثم الإصلاحات التشريعية الأخيرة التي تم اعتمادها في سنة 2023.
هذا التراكم التشريعي أدى إلى نشوء منظومة قانونية معقدة تعتمد في كثير من الأحيان على تعديلات جزئية للنصوص السابقة دون إعادة صياغة شاملة للإطار القانوني. ونتيجة لذلك، أصبح فهم القواعد العمرانية في الجزائر يتطلب في كثير من الأحيان تحليل شبكة من النصوص القانونية المتداخلة، وهو ما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام المستثمرين الذين يسعون إلى تقييم البيئة القانونية للمشاريع العقارية أو الصناعية.
ويرى الخبراء أن الحل الأكثر فعالية في هذا المجال يتمثل في إعداد مدونة موحدة للتعمير والتهيئة العمرانية تجمع مختلف القوانين والمراسيم ذات الصلة في نص قانوني واحد واضح ومتكامل، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتوسطية مثل تونس والمغرب. ومن شأن مثل هذه المدونة أن تسهل فهم القواعد التنظيمية وتمنح المستثمرين رؤية أوضح للاستقرار القانوني في هذا القطاع.
أما فيما يتعلق بظاهرة البناء بدون ترخيص، فيشير التقرير إلى أنها تمثل أحد أبرز التحديات العمرانية في الجزائر، حيث تعكس في جزء كبير منها صعوبة المسار القانوني للحصول على التراخيص. فالقوانين الحالية تسمح بتسوية بعض حالات البناء غير المطابق مقابل دفع غرامة مالية قد تصل إلى نصف قيمة العقار، وهو ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود واقع عمراني غير رسمي واسع الانتشار.
غير أن الإصلاحات التشريعية الأخيرة شددت العقوبات على التعدي على الأراضي العمومية، إذ قد تصل العقوبات في بعض الحالات إلى السجن لمدة تصل إلى خمس عشرة سنة. ورغم أهمية الردع القانوني، إلا أن التجارب الدولية تشير إلى أن مكافحة البناء غير الشرعي لا يمكن أن تعتمد على العقوبات فقط، بل يجب أن تقترن بإجراءات تسهل الوصول إلى المسار القانوني للبناء.
وفي هذا السياق، يقترح التقرير إطلاق برنامج خاص يعرف باسم «الرخصة السريعة للبناء» يهدف إلى تسهيل الإجراءات بالنسبة للمشاريع الصغيرة، خصوصًا تلك التي تقل مساحتها عن 200 متر مربع. ويقوم هذا النظام على اعتماد ملف مبسط يتم دراسته في آجال قصيرة لا تتجاوز ثلاثين يومًا، مع إمكانية تقديم الطلبات عبر منصة رقمية.
كما يلفت التقرير الانتباه إلى التحديات التي تواجهها البلديات الجزائرية في إدارة ملفات التعمير، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية، حيث تعاني العديد من البلديات من نقص في الكفاءات التقنية والموارد البشرية المتخصصة في مجالات الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني. ويؤدي هذا النقص إلى بطء دراسة الملفات وإلى تفاوت كبير في تطبيق القوانين بين ولاية وأخرى.
ورغم إنشاء النظام الوطني لأعمال التعمير منذ سنة 2009 بهدف رقمنة الإجراءات العمرانية، فإن تطبيق هذا النظام لا يزال متفاوتًا بين مختلف المناطق. ويؤكد التقرير أن الرقمنة وحدها لا تكفي لتحقيق الإصلاح المطلوب، إذ يجب أن ترافقها برامج وطنية لتكوين الموظفين المحليين وتعزيز القدرات التقنية للإدارات البلدية.
وفي إطار الحلول المقترحة، يشير الخبراء إلى إمكانية إنشاء مراكز تقنية مشتركة لدراسة ملفات التعمير تخدم عدة بلديات في آن واحد، بحيث تضم هذه المراكز فرقًا متخصصة من المهندسين والخبراء يمكنهم معالجة الملفات بكفاءة أكبر.
يخلص التحليل إلى أن إصلاح منظومة التعمير في الجزائر لا يتطلب بالضرورة استثمارات مالية ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إعادة تنظيم الإجراءات الإدارية وتبسيط الإطار القانوني واعتماد أدوات رقمية فعالة. وإذا تمكنت الجزائر من تنفيذ هذه الإصلاحات، فإن قطاع التعمير يمكن أن يتحول من مصدر تعقيد بيروقراطي إلى رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية الاقتصادية، بما يتماشى مع الطموحات المعلنة لجعل البلاد قطبًا إقليميًا للاستثمار خلال السنوات القادمة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قطاع المناجم: ثروة نائمة… آن أوان استغلالها
صادق البرلمان الجزائري على القانون الجديد المتعلق بالمناجم، والذي يُعدّ من أبرز النصوص الت…



