لماذا يصمت علي المعشني عن تطبيع عُمان مع “إسرائيل”؟
يخرج علينا الصحفي العُماني عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مواقف عروبية قومية تعود إلى خطاب القرن الماضي، يحث فيها العرب ضد التطبيع وضد “إسرائيل”، ويشرح المشروع التوسعي الصهيوني الذي بات اليوم معروفاً لدى العام والخاص، بعد انتشار وسائل الإعلام المختلفة التي تخصص مساحات واسعة لشرح هذا المشروع ومناقشة أبعاده.
الصحفي العُماني علي المعشني، وهو يتحدث عن المشروع الصهيوني القديم المتجدد، يفسر أموراً يعرفها الجميع، الصغير قبل الكبير. ولا شك أنه مشكور على جهده في التذكير بهذه الحقائق. غير أن ما يلفت الانتباه هو أن الشجاعة التي يتحدث بها غالباً ما تتجه نحو بلدان أخرى، السعودية، مصر، الجزائر، وبقية الدول العربية، بينما لا نكاد نسمعه يتحدث عن بلده سلطنة عُمان.
وعندما يقدم شخص دروساً للآخرين في المقاومة ومعاداة المشروع الصهيوني، فمن المنطقي أن يبدأ من عتبة بيته أولاً، وأن يوضح موقفه من التطبيع الذي قامت به سلطنة عُمان، وهي الدولة الخليجية التي استقبلت رسمياً رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو سنة 2018، في زيارة جرت وفق كامل البروتوكول الرسمي المخصص لرؤساء الدول، وكان في استقباله آنذاك السلطان الراحل قابوس بن سعيد في قصره. ولا شك أن مثل هذا الاستقبال يُعد في نظر كثيرين خطوة واضحة في مسار التطبيع مع “إسرائيل”، في الوقت الذي تُقدم فيه دروساً للآخرين حول المشروع التوسعي الإسرائيلي وضرورة مواجهته.
بطبيعة الحال، هذا التناقض في الخطاب ليس جديداً في الساحة العربية. فالصحفي العُماني يتحدث عن المقاومة وينصح بها الآخرين، ولو بشكل غير مباشر، لكن المنطق يقتضي أن تبدأ هذه المقاومة ـ إن كانت فعلاً قناعة راسخة ـ من مسقط نفسها، أي من موقف واضح ضد التطبيع مع “إسرائيل”، قبل أن تُقدَّم النصائح للآخرين.
أخي علي المعشني، نحن في مهنة المتاعب، ونتقبل النقاش والاختلاف. لكن الخطاب القومي الذي تستحضره اليوم يعود إلى زمن مضى، زمن الأحزاب البعثية التي ارتبط اسمها بميشيل عفلق قبل أن تتفكك مشاريعها السياسية تحت ضربات التحولات الإقليمية التي شاركت فيها دول الخليج نفسها.
ولو كنت قد سجلت موقفاً واضحاً ضد تطبيع بلدك سلطنة عُمان مع “إسرائيل”، وضد زيارة نتنياهو لمسقط في أكتوبر 2018، لكان كلامك اليوم أكثر تأثيراً وأقرب إلى الإقناع. فالمواقف المبدئية تكتسب قيمتها من انسجامها، لا من انتقائيتها.
أين موقفك من تطبيع بلدك واستقباله لنتنياهو الذي تتهمه اليوم بالعمل على تفكيك المنطقة العربية؟ وإذا كنت قد أعلنت موقفاً رافضاً لذلك في وقت سابق، فأفدنا به عبر إطلالاتك الإعلامية أو عبر قناتك على “يوتيوب”، حتى نعرف أن ما تقوله للآخرين ينسجم أيضاً مع موقفك من سياسات بلدك.
لقد مللنا خطاباً عربياً يحرض الآخرين على المواجهة بينما يتجنب أصحابه مواجهة الأسئلة داخل بلدانهم. فالتحريض القومي لا يكتسب مصداقيته إلا عندما يكون صاحبه في الصفوف الأولى، ومواقفه متطابقة مع تصريحاته، ومنسجمة مع نفسه قبل أن تكون موجهة للآخرين.
لذلك، إن أردت أن تقنع الناس بضرورة مواجهة “إسرائيل” وسياساتها، فابدأ أولاً بموقف واضح داخل بلدك، وندد بسياسات التطبيع في وطنك قبل أن تقدم دروساً في المقاومة لبقية الأوطان. فالمصداقية تبدأ من الداخل، ومن يطالب الآخرين بالمواجهة عليه أن يكون أول من يرفع صوته في بلده.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من غون إلى بلاكنبيرغ.. جولة رمضانية لـ”المؤشر” وسط الجالية الجزائرية ببلجيكا
رافقت جريدة “المؤشر” نائب الجالية في المجلس الشعبي الوطني السيد إبراهيم دخينات…






