‫الرئيسية‬ الأولى تكالب مروكي وحموشيات بلا سقف
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

تكالب مروكي وحموشيات بلا سقف

تكالب مروكي وحموشيات بلا سقف
منذ أن طبّعت مملكة ما بين الوادين مع الكيان الصهيوني، راحت توهم رعيتها بأن لها كلمة مسموعة في عالم متقلب، بل دفعت بإعلامها الرسمي والشعبوي إلى التحدث نيابة عن الولايات المتحدة تارة، وعن أوروبا تارة أخرى، دون أدنى حرج. وأصبح هذا السلوك يتكرر مع كل زيارة لشخصية أجنبية إلى الجزائر، في مشهد يثير الكثير من الاستغراب.

عندما زار بابا الفاتيكان الجزائر، اشتعلت حملة إعلامية هدفت إلى تشويه الزيارة، وبلغت حدّ افتعال روايات عن “عمليات إرهابية” باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع محاولة إضفاء مصداقية عليها عبر منابر إعلامية محسوبة على اليمين المتطرف في فرنسا. وفي المقابل، أصبح جزء واسع من الرأي العام الجزائري يتعامل بحذر شديد مع أي معلومة مصدرها إعلام المروك، في ظل ما يراه تراكمًا من التضليل والتوظيف السياسي للأخبار.

هذا التوتر الإعلامي يتجلى مجددًا مع زيارة جنرال “أفريكوم” إلى الجزائر، رفقة نائب وزير الخارجية الأمريكي، حيث عادت أبواق الحموشي إلى النشاط، ولكن هذه المرة تحت عنوان جديد يتمثل في تأويل أهداف الزيارة. وذهبت بعض المنابر إلى الادعاء بأن الزيارة تهدف إلى طرح “مهلة” لتفكيك ما تسميه، زعمًا، مخيمات تندوف، وهو طرح يتجاهل السياق التاريخي والسياسي المرتبط بنشأة هذه المخيمات بعد وقف إطلاق النار بين المروك وجبهة البوليساريو سنة 1991.

في هذا السياق، يلاحظ أن الخطاب الإعلامي المروكي يميل إلى خلط الوقائع الجغرافية والسياسية، إذ يتم تقديم معطيات غير دقيقة حول موقع المخيمات وطبيعتها، في وقت تؤكد فيه القراءات القانونية أن النزاع في الصحراء الغربية تحكمه مسارات تفاوضية دولية، وأن أي حل يظل مرتبطًا بإرادة السكان المعنيين، وفق ما تنص عليه المرجعيات الأممية.

الكذب الإعلامي، كما يصفه منتقدوه، تجاوز حدوده ليطال حتى علاقات دولية حساسة، حيث باتت بعض المنابر في المروك تتحدث منذ سنوات بلسان الدبلوماسية الأمريكية، في محاولة للتأثير على الرأي العام الداخلي، غير أن هذا الأسلوب، بحسب متابعين، يفتقر إلى الحد الأدنى من الانضباط الدبلوماسي.

وقد وصل الأمر إلى الترويج لوجود موقف أمريكي “صارم” سيُقدَّم للجزائر على شكل أوامر لحل قضية الصحراء الغربية لصالح المروك، وهو طرح يتناقض مع المسار التفاوضي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ومع تصريحات مسؤولين دوليين أكدوا أن أي تسوية لا يمكن أن تتم دون قبول الصحراويين أنفسهم.

ومن بين الروايات التي تم تداولها أيضًا، الحديث عن “أوامر” أمريكية محتملة للجزائر بإعادة فتح أنبوب الغاز العابر للمروك نحو إسبانيا، رغم أن هذا الأنبوب كان جزءًا من اتفاق تجاري محدد المدة انتهى بعد ثلاثين سنة. ويغفل هذا الطرح، في نظر كثيرين، أبسط قواعد التعامل في مجال الطاقة، حيث تخضع مثل هذه المشاريع لعقود واضحة ومصالح اقتصادية متبادلة، لا لقرارات ظرفية أو ضغوط إعلامية.

وفي هذا الإطار، يرى بعض المحللين أن إعادة تشغيل الأنبوب، إن طُرحت أصلًا، تبقى مسألة تجارية بحتة، ترتبط بشروط تعاقدية وتمويل واضح، وليس بقرارات سياسية أحادية. فالعلاقات الطاقوية، كما هو معروف، تقوم على مبدأ الالتزام المتبادل، وهو ما يتم تجاهله في كثير من السرديات المتداولة.

التصعيد الإعلامي لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى ترويج سيناريوهات غير واقعية، من بينها مزاعم حول نقل مواد حساسة إلى الجزائر، في سياق ربطها بتوترات دولية مثل حرب الخليج، وهي ادعاءات يراها متابعون بعيدة عن المنطق وتعكس مستوى متدنٍ من صناعة الخطاب الإعلامي.

كما أن بعض هذه الروايات لا تتصور أي دور للمروك في هذه السيناريوهات سوى كطرف ثانوي، في مقابل تضخيم أدوار قوى دولية كفرنسا أو الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تناقضًا واضحًا في الخطاب ذاته.

وتتواصل هذه الحرب الإعلامية، التي انطلقت منذ أكثر من ست سنوات، وفق ما يراه مراقبون، في ظل غياب أفق واضح لنهايتها، خاصة مع استمرار إنتاج سرديات متضاربة لا تستند إلى وقائع دقيقة. ويُستحضر في هذا السياق ما ورد في مذكرات جون بولتون حول تصورات توسعية لا تنسجم مع الحدود الدولية المعترف بها.

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن العلاقات الجزائرية–الأمريكية تسير وفق مسار مستقر، خاصة في المجال الأمني، حيث سبق لـ جون كيري أن أشاد بالتعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب، معتبرًا أنه ساهم في إنقاذ آلاف الأرواح. كما أعاد قادة “أفريكوم” التأكيد على أهمية هذا التعاون في أكثر من مناسبة.

هذه المعطيات تبدو بعيدة عن الخطاب الإعلامي المروكي، الذي يواصل إنتاج روايات موازية لا تجد صدى في الواقع الدبلوماسي. وفي الوقت الذي تواصل فيه الجزائر تعزيز شراكاتها وفق منطق المصالح المتبادلة، يبقى الخطاب الشعبوي، سواء في المروك أو غيره، عاجزًا عن مواكبة تعقيدات العلاقات الدولية.

تعكس هذه الظاهرة حالة من الانفلات الإعلامي، حيث تختلط الحسابات السياسية بالدعاية، وتُستبدل الوقائع بالسيناريوهات، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصداقية الخطاب الإعلامي وحدود تأثيره.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

بوعلام صنصال.. من “فرنسي مضطهد” إلى “جزائري منبوذ”؟

فجأة، صارت بعض وسائل الإعلام الفرنسية تنعت بوعلام صنصال بالجزائري، بعدما كانت تصفه بالكاتب…