‫الرئيسية‬ الأولى ضعف نسبة المشاركة لا يسقط البرلمان: الأغلبية الصامتة.. الخاسر الأكبر في التشريعيات
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

ضعف نسبة المشاركة لا يسقط البرلمان: الأغلبية الصامتة.. الخاسر الأكبر في التشريعيات

ضعف نسبة المشاركة لا يسقط البرلمان: الأغلبية الصامتة.. الخاسر الأكبر في التشريعيات
لم تكن النتيجة الأهم في تشريعيات 2 جويلية 2026 هي فقط معرفة الأحزاب الفائزة، أو توزيع المقاعد داخل المجلس الشعبي الوطني، بل كانت النتيجة السياسية الأعمق هي انكشاف حقيقة “الأغلبية الصامتة” التي اعتقد البعض أنها فازت بالمقاطعة، بينما هي في الواقع الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات.

لقد اختارت هذه الأغلبية الغياب، وتركت البرلمان يتشكل بعيداً عنها، ثم ستعود لاحقاً لتشتكي من القوانين، ومن المنتخبين، ومن السياسات العمومية، ومن ضعف الأداء السياسي. وهذه هي المفارقة القاسية، من يغيب في لحظة الاختيار لا يستطيع بعد ذلك أن يطلب من النتائج أن تشبهه.

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن نسبة المشاركة الأولية بلغت 20.79 بالمائة داخل الوطن، و10.67 بالمائة في الخارج. وبلغة الأرقام، صوّت داخل الوطن 4,962,433 ناخباً من أصل 23,872,756 ناخباً مسجلاً، بينما صوّت في الخارج 91,170 ناخباً فقط من أصل 854,285 ناخباً مسجلاً. وهذا يعني أن ما يقارب 19.67 مليون ناخب، داخل الوطن وخارجه، لم يشاركوا في اختيار البرلمان القادم.

هذا الرقم ضخم، ولا يمكن التعامل معه كتفصيل انتخابي عابر، لأنه يكشف أزمة عميقة في علاقة المواطن بالسياسة، وبالأحزاب، وبفكرة التمثيل، وبالمؤسسات عموماً. غير أن قراءة هذه الأزمة من زاوية واحدة، أي تحميل الأحزاب والسلطة والمسؤولين كامل المسؤولية، تبقى قراءة ناقصة. نعم، الأحزاب مسؤولة. نعم، الخطاب السياسي ضعيف. نعم، كثير من الوجوه لم تعد تقنع. نعم، هناك أزمة ثقة حقيقية. لكن الأغلبية الصامتة نفسها تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأنها اختارت الصمت في اللحظة الوحيدة التي كان يمكن أن يتحول فيها هذا الصمت إلى قوة سياسية مؤثرة.

الأغلبية الصامتة تحب أن تقدم نفسها وكأنها أكثر وعياً من الجميع، وأكثر غضباً من الجميع، وأكثر فهماً لرداءة المشهد. لكنها في النهاية لا تترجم هذا الوعي المفترض إلى فعل سياسي. تنتقد الأحزاب، لكنها لا تبني بديلاً. تسخر من البرلمان، لكنها لا تساهم في اختيار نوابه. تهاجم القوائم، لكنها لا تدعم قوائم أفضل. ترفض الوجوه القديمة، لكنها لا تدفع بوجوه جديدة. تشتكي من السياسة، لكنها تترك السياسة لمن يملكون التنظيم والحضور والقدرة على الحشد.

وهنا تكمن الخسارة الكبرى. فالأغلبية الصامتة قوية عددياً، لكنها ضعيفة سياسياً. هي أغلبية في الشارع، لكنها أقلية داخل المؤسسات. تملك الغضب، لكنها لا تملك التنظيم. تملك الشكوى، لكنها لا تملك المشروع. تملك التعليق في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لا تملك قوة التصويت يوم الاقتراع.

في السياسة، لا قيمة للعدد إذا لم يتحول إلى فعل. عشرون مليون صامت لا يصنعون أغلبية برلمانية. ملايين التعليقات لا تسقط قانوناً. آلاف المنشورات الغاضبة لا تمنع نائباً من الفوز. السياسة لا تكافئ من يراقب من بعيد، بل تكافئ من يحضر، وينظم، ويترشح، ويصوت، ويراقب، ويحاسب.

فالبرلمان القادم، مهما كانت نسبة المشاركة، سيشرّع للجميع. سيشرّع لمن صوّت ولمن قاطع. سيصادق على قوانين تمس الضرائب، والأسعار، والعمل، والسكن، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والعقوبات، والحريات، والإدارة، والبلديات، وحياة الجالية في الخارج. المواطن الذي لم يصوّت لن يكون خارج أثر هذه القوانين. سيخضع لها كما يخضع لها غيره، لكنه يكون قد غاب عن لحظة اختيار من يناقشها ويصوت عليها.

حين يناقش البرلمان قانون المالية، فإن الأمر لا يتعلق بوثيقة تقنية بعيدة عن الناس، بل يتعلق بالقدرة الشرائية، والضرائب، والرسوم، والدعم، والميزانية المخصصة للصحة والتعليم والسكن والتشغيل. وحين يناقش قوانين العمل، فإنها تمس العامل والموظف والبطال وصاحب المؤسسة. وحين يناقش قوانين العقار والسكن والاستثمار، فإنها تمس العائلة، والمقاول، والشباب، والطبقة الوسطى، والفئات الهشة.

ومع ذلك، يختار جزء واسع من المواطنين الغياب، ثم يعود بعد ذلك ليشتكي من القوانين، ومن الإدارة، ومن المنتخبين، ومن نوعية النقاش داخل البرلمان. وهذا سلوك سياسي متناقض. لا يمكن أن نترك المؤسسة تتشكل بغير أصواتنا، ثم نطالبها بأن تشبهنا. لا يمكن أن نهجر الصندوق، ثم نغضب من نتائجه. لا يمكن أن نغيب يوم القرار، ثم نحتج على من قرر مكاننا.

صحيح أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبيرة في ضعف المشاركة. فقد تحولت كثير من الأحزاب إلى هياكل انتخابية موسمية تظهر في الحملات وتختفي بعدها. بعضها فقد القدرة على إنتاج الأفكار والبرامج، وبعضها اكتفى بشعارات عامة لا تقنع أحداً، وبعضها لم يعد يملك خطاباً واضحاً يميز بين مشروعه ومشروع غيره. المواطن أصبح يجد نفسه أمام أحزاب كثيرة، لكنها في نظره متشابهة في الخطاب، ضعيفة في البرامج، ومحدودة في القدرة على الإقناع.

والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات السياسية كانت تستثمر في العدمية بدل أن تبحث عن بدائل التغيير. لا تبني حزباً حقيقياً، ولا تقدم قائمة، ولا تكتب برنامجاً، ولا تقنع ناخباً، ولا تخوض معركة انتخابية، لكنها تتقن فقط خطاب الهدم والتشكيك والتيئيس واحتقار كل محاولة للمشاركة.

وهنا يُحسب لقانون الانتخابات أنه وضع حداً لهذا النوع من البزنسة السياسية بالعزوف الانتخابي. فقد وضع الأحزاب التي اعتادت اتخاذ المقاطعة مهنة سياسية دائمة أمام امتحان واضح: إما المشاركة في الانتخابات، والتنافس على أصوات المواطنين، وتقديم قوائم وبرامج، وإما التراجع التدريجي نحو الهامش والزوال من المشهد السياسي.

فالحزب الذي لا يشارك، ولا يترشح، ولا يقنع، ولا يقبل اختبار الصندوق، لا يمكنه أن يستمر إلى ما لا نهاية في احتكار صفة المعارضة من خارج المؤسسات. المعارضة الحقيقية لا تعيش على الفراغ، بل على التنظيم، والبرنامج، والحضور، والقدرة على مخاطبة الشعب وإقناعه.

لقد نقل قانون الانتخابات النقاش من منطق الشعارات إلى منطق الاختبار العملي. فمن يملك قاعدة شعبية فليظهرها في الصندوق. ومن يملك برنامجاً فليعرضه على الناخبين. ومن يملك بديلاً فليخض به المنافسة. أما الاكتفاء بالدعوة إلى المقاطعة، ثم الحديث باسم الشعب بعد نهاية الاقتراع، فلم يعد كافياً سياسياً ولا مقنعاً شعبياً.

لكن هذا لا يعفي المواطن من مسؤوليته. لم يعد مقبولاً أن يقال إن الناخب قاطع فقط لأن الأحزاب لم تقدم قوائم مقبولة. هذا التبرير ناقص ومريح. فقانون الانتخابات يسمح بالترشح خارج الإطار الحزبي، ويفتح المجال أمام القوائم الحرة والمبادرات المستقلة. فإذا كانت الأحزاب ضعيفة، فأين الأحرار؟ وإذا كانت القوائم غير مقنعة، فأين الكفاءات التي تملأ الفراغ؟ وإذا كان الخطاب الحزبي سطحياً، فأين الجامعيون، وأين النقابيون، وأين الفاعلون المحليون، وأين الشباب الذين يملكون خطاباً جديداً؟

الدولة تستطيع أن تفتح المسار القانوني، وأن تنظم الاقتراع، وأن تضع قواعد للترشح، وأن تسمح للأحزاب والأحرار بالمنافسة. لكنها لا تستطيع أن تنتج الوعي السياسي مكان المجتمع، ولا أن تخلق البدائل مكان المواطنين، ولا أن تجبر الكفاءات على الخروج من موقع النقد إلى موقع الفعل.

من يرفض الأحزاب كلها، ثم لا يبني بديلاً، يترك الساحة للأحزاب نفسها التي يرفضها. ومن يشتكي من ضعف المرشحين، ثم لا يدعم مرشحين أفضل، يساهم في استمرار الضعف. ومن يلعن البرلمان قبل أن يولد، ثم لا يصوت ولا يترشح ولا يقنع غيره بالمشاركة، لا يمارس السياسة، بل يمارس الانسحاب.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح: المقاطعة، عندما لا تكون مرتبطة بمشروع سياسي واضح، ولا بقيادة معلنة، ولا بخطة بديلة بعد يوم الاقتراع، فهي عدمية. لا تؤثر في البرلمان، ولا تمنع صدور القوانين، ولا توقف المؤسسات، ولا تفتح طريقاً جديداً للتغيير. كل ما تفعله هو أنها تفرغ الساحة من أصوات كان يمكن أن تؤثر، وتترك المجال لمن يملك التنظيم والحضور والقدرة على الحشد.

أما تحويل المقاطعة إلى شعار دائم، وتقديمها كحل سحري لكل أزمة سياسية، فهو نوع من الهروب من المسؤولية. لأن السياسة لا تعترف بالفراغ. ومن لا يدخل إلى المعركة بالصوت أو بالترشح أو بالتنظيم، يترك مكانه لغيره. لذلك، فإن المقاطعة التي لا تنتج بديلاً ليست موقفاً سياسياً ناضجاً، بل استثمار في العدمية وتعطيل للوعي المواطناتي.

الأغلبية الصامتة تحتاج اليوم إلى نقد صريح. فقد تعودت على لعب دور الضحية المطلقة، بينما هي في كثير من الأحيان شريك في إنتاج الواقع الذي ترفضه. تصمت يوم الانتخابات، ثم تتكلم بعد ظهور النتائج. تغيب عن الصندوق، ثم تحضر في مواقع التواصل. تترك الآخرين يختارون، ثم تشتكي من اختيارهم. وهذا ليس وعياً سياسياً، بل تناقض يجب التوقف عنده.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تعطي وهماً خطيراً بالقوة. منشور غاضب قد يحصد آلاف الإعجابات. مقطع فيديو ساخر قد ينتشر في ساعات. تعليق حاد قد يجعل صاحبه يشعر أنه غيّر العالم. لكن في النهاية، المقاعد لا توزع حسب الإعجابات، والقوانين لا تسقط بالتعليقات، والبرلمان لا يتشكل من الذين كتبوا أكثر، بل من الذين صوت لهم الناس فعلاً.

إن البرلمان القادم، رغم ضعف نسبة المشاركة، يملك شرعية قانونية ما دام الاقتراع جرى وفق الإطار المنظم له، ولم يرتبط قانوناً بعتبة مشاركة دنيا لإلغائه. لكن الشرعية السياسية تحتاج إلى ما هو أكثر من القانون. تحتاج إلى أداء، وإلى جدية، وإلى رقابة، وإلى قوانين يشعر المواطن بأنها تمس حياته فعلاً وتحسنها.

ولهذا فإن المسؤولية الآن مضاعفة. النواب القادمون لا يمثلون فقط من صوت لهم، بل سيشرعون أيضاً لمن لم يصوت لهم. وعليهم أن يدركوا أن البرلمان الذي يولد في ظل عزوف واسع لا يملك ترف الخطاب الفارغ. عليه أن يثبت، بالقوانين والمساءلة والعمل الميداني، أن صوته داخل المؤسسة يمكن أن يغير شيئاً في حياة المواطن.

لكن المواطن أيضاً مطالب بأن يخرج من دور المتفرج. لم يعد يكفي أن نقول إن الأحزاب فشلت، أو إن القوائم ضعيفة، أو إن الخطاب رديء، أو إن الوجوه لا تقنع. كل هذا قد يكون صحيحاً جزئياً، لكنه لا يكفي لبناء المستقبل. من يريد برلماناً أفضل عليه أن يشارك في صناعته. من يريد وجوهاً جديدة عليه أن يدعم ظهورها. من يريد برامج حقيقية عليه أن يساهم في كتابتها ومناقشتها ونشرها. ومن يريد إسقاط الرداءة عليه أن يواجهها بالصندوق لا بالصمت فقط.

العزوف الانتخابي لا يعاقب الأحزاب وحدها، بل يعاقب المواطن أيضاً. لأنه يترك القوانين تكتب بغير صوته، والميزانيات تناقش بغير ضغطه، والسياسات تمر بغير رقابته. وقد يكتشف بعد سنوات أن موقفه الصامت لم يغير شيئاً، بل ساعد فقط على استمرار ما كان يرفضه.

الأغلبية الصامتة إذن لم تفز. لقد خسرت. خسرت لحظة التأثير، وخسرت القدرة على التمثيل، وخسرت فرصة فرض وجوه جديدة أو برامج مختلفة. تركت البرلمان يتشكل بمن حضر، ثم ستعيش تحت قوانين مؤسسة لم تشارك في صناعتها. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تقال دون مجاملة: السياسة لا تكافئ الغائبين.

لقد جاءت تشريعيات 2 جويلية لتطرح سؤالاً أكبر من نتائج المقاعد، هل نريد مواطناً فاعلاً أم مواطناً غاضباً فقط؟ هل نريد أحزاباً تنتج برامج أم دكاكين انتخابية؟ هل نريد معارضة تقدم البديل أم خطاباً يستثمر في العدمية؟ وهل نريد دولة مؤسسات يشارك فيها المواطن، أم دولة يتركها المواطنون ثم يشتكون من قراراتها؟

الدول لا تبنى بالصمت، ولا تصلح البرلمانات بالغياب، ولا تتغير القوانين بمن يرفض أن يضع ورقة في الصندوق. من لا يصوت لا يختفي من أثر القانون، بل يختفي فقط من لحظة صناعة القانون.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

عناق سويسري بعد الإقصاء قُرئ كإهانة لـ«الخضر».. بيتكوفيتش يشعل غضب الجزائريين عشية ذكرى الاستقلال

لم يكن خروج المنتخب الوطني الجزائري من كأس العالم 2026، عقب الهزيمة أمام سويسرا بهدفين دون…