من مرائب إيطاليا إلى موانئ فرنسا.. كيف عبرت السيارات المسروقة نحو الجزائر؟
كشفت محاكمة جرت أمام القضاء الفرنسي أن السوق الجزائرية كانت إحدى الوجهات النهائية لسيارات ودراجات نارية مسروقة أو مستولى عليها من شركات كراء وتمويل في إيطاليا، جرى نقلها عبر فرنسا قبل إعادة بيعها داخل الجزائر بأسعار تقل بصورة لافتة عن قيمتها الحقيقية.
وهذه هي المعلومة الأخطر في القضية بالنسبة إلى الرأي العام الجزائري، لأن الملف لا يتعلق بسيارات بقيت داخل الأراضي الأوروبية، وإنما بمركبات تمكنت شبكة منظمة من إخراجها من إيطاليا، ومعالجة أوضاع بعضها إدارياً في فرنسا، ثم عرضها وتصريفها في الجزائر، بما يفتح تساؤلات جدية حول كيفية عبورها الحدود، والوثائق التي استعملت في استيرادها، والجهات التي تكفلت بتسجيلها، ومصير المشترين الجزائريين الذين قد يكونون اقتنوها من دون معرفة أصلها الإجرامي.
القضية، التي تعود وقائعها إلى الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2017، عُرضت أمام محكمة مرسيليا في الثامن من جوان 2026، بعد تحقيق قضائي استمر قرابة عشر سنوات. وأظهرت جلسة المحاكمة وجود مسار منظم لنقل المركبات يبدأ من إيطاليا، ويمر عبر فرنسا، وينتهي ببيع عدد منها في الجزائر.
ووفق الوقائع التي نوقشت أمام المحكمة، لم تكن كل المركبات محل سرقة تقليدية من الشوارع أو المرائب، بل كان بعضها يعود إلى شركات كراء أو تمويل إيطالية، قبل أن يتم تحويل وجهته والتصرف فيه خلافاً للعقد. وهذا الأسلوب يسمح للمتورطين بالحصول على السيارة ومفاتيحها ووثائقها بصورة قانونية في البداية، ثم إخراجها من البلد وبيعها كما لو كانت مملوكة لهم.
وتضمنت قائمة المركبات محل القضية سيارات من علامات وطرازات مطلوبة في السوق، من بينها «فيات 500» و«بي أم دبليو» و«مرسيدس» و«رانج روفر» و«فولكسفاغن توران»، إلى جانب دراجة نارية من طراز «ياماها تي ماكس». وتحولت قاعة المحكمة إلى ما يشبه معرضاً لأسماء السيارات، لكن خلف كل مركبة منها عقد ملكية أو كراء جرى خرقه، وضحية فقدت سيارتها أو أموالها، ومشترٍ جديد قد يكون وقع في الفخ.
وبحسب الملف، كان بعض هذه السيارات يباع في فرنسا، بينما وُجّه بعضها الآخر إلى الجزائر. ولم تكشف المعطيات المنشورة العدد الدقيق للمركبات التي دخلت الأراضي الجزائرية، ولا الموانئ التي مرت عبرها، ولا الولايات التي أعيد بيعها فيها، كما لم تُعلن أسماء المشترين أو الوسطاء الموجودين داخل الجزائر. غير أن المحكمة تحدثت بوضوح عن تصريف سيارات في السوق الجزائرية، وعن دور أحد المتهمين في هذا المسار.
ويطرح غياب هذه التفاصيل إشكالية إضافية، لأن القضية قد لا تكون قد انتهت عند حدود الأحكام الصادرة في مرسيليا. فإذا كانت مركبات محل سرقة أو استيلاء غير مشروع قد دخلت الجزائر وسجلت باسم ملاك جدد، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول وضعيتها الحالية: هل ما تزال تسير في الطرقات الجزائرية؟ هل حُجزت أو أعيدت إلى أصحابها الأصليين؟ وهل كان مشتروها يعلمون بمصدرها أم أنهم دفعوا أموالهم بحسن نية؟
وشهدت الجلسة حضور عدد كبير من محامي الأطراف المدنية الذين يمثلون نحو 70 ضحية، من أفراد وشركات، ظلوا ينتظرون التعويض منذ نحو عقد كامل. ومن بين المتضررين أشخاص اشتروا سيارات يعتقدون أنها سليمة، قبل أن تحجزها السلطات خلال التحقيق بعدما تبين أنها مسروقة أو مملوكة لشركات تأجير إيطالية.
وهكذا وجد بعض المشترين أنفسهم في وضع مزدوج القسوة: فقد خسروا الأموال التي دفعوها، ثم حُرموا من السيارات التي اشتروها، لأن حيازة السيارة والبطاقة الرمادية لا تكفيان وحدهما لإثبات ملكية سليمة عندما يكون البائع الأصلي لا يملك حق التصرف فيها.
وحتى تاريخ المحاكمة، لم تكن مسألة تعويض جميع الضحايا قد حُسمت. واحتج المحامي سيرج ميمران داخل قاعة المحكمة على استمرار معاناة المتضررين، مشيراً إلى أن أحد المتهمين الإيطاليين، جوزيبي «إ.»، ظهر بحذاء أنيق وساعة فاخرة، بينما بقي الضحايا، بحسب تعبيره، «من دون وسيلة نقل».
واعتبرت التحقيقات أن جوزيبي «إ.» وماركو «إ.» كانا من أبرز مدبري الشبكة. وكان الرجلان يديران في السابق شركة تحمل اسم «فيورانو موتورز»، واعترفا أمام المحكمة بالمشاركة في إعادة بيع سيارات مسروقة أو محوّلة عن وجهتها الأصلية في إيطاليا.
وقضت المحكمة بإدانتهما بعقوبة سنتين حبسا نافذاً لكل واحد منهما. غير أن العملية لم تكن لتنجح من دون شبكة من الوسطاء والمنفذين الذين تولوا نقل السيارات، والبحث عن وسائل لتسجيلها في فرنسا، وإيجاد المشترين، ثم إرسال جزء منها باتجاه الجزائر.
وفي قلب المسار الجزائري للقضية برز اسم عيسى «ب.»، وهو رجل يبلغ من العمر 48 سنة وكان مقيماً في مرسيليا خلال فترة الوقائع. وقد قدمته المحاكمة بوصفه حلقة مهمة في تصريف السيارات، ولاسيما المركبات التي كانت تباع في الجزائر أو تُعد للتوجه نحوها.
ومثل عيسى «ب.» أمام المحكمة من دون محام، ونفى أن يكون قد عرف بأن السيارات مسروقة أو مستولى عليها من شركات كراء وتمويل. وقال إنه تعامل مع جوزيبي «إ.» على أساس أنه رجل موثوق، وإن مظهره وطريقة لباسه وحضوره على مواقع التواصل الاجتماعي أوحت له بأنه تاجر سيارات محترم.
غير أن رئيسة المحكمة أزاني جوليان-راما واجهته بخبرته الطويلة في مجال السيارات، مشيرة إلى أنه يعمل في هذا القطاع «منذ ولادته»، بما يعني أن المؤشرات التي كانت تحيط بالصفقات لا يمكن أن تمر عليه بالطريقة نفسها التي قد تمر بها على مشترٍ عادي لا يملك أي خبرة.
وأول هذه المؤشرات كان الأسعار المنخفضة بصورة يصعب تفسيرها تجارياً. فقد ناقشت المحكمة حالة سيارة «فولكسفاغن توران» كانت قيمتها السوقية تقدر بنحو 27 ألف يورو، لكنها بيعت مقابل 12 ألف يورو فقط.
كما عرضت المحكمة حالة سيارة «بي أم دبليو X4» بيعت مقابل 25 ألف يورو، في حين كانت قيمتها الحقيقية تقترب من 45 ألف يورو. أي أن الفارق بلغ نحو 20 ألف يورو في سيارة واحدة.
وتكتسب هذه الأسعار أهمية خاصة عند الحديث عن بيع المركبات في الجزائر، حيث يمكن للفارق الكبير بين السعر الأوروبي وقيمة السيارة في السوق الجزائرية أن يمنح الشبكات هامش ربح واسعاً، حتى عندما تبيع السيارة بسعر يبدو مغرياً للمشتري المحلي.
وقد يعتقد الزبون الجزائري أنه عثر على فرصة نادرة لاقتناء سيارة أوروبية بسعر منخفض، بينما يكون السعر في الحقيقة جزءاً من آلية تصريف سريعة هدفها التخلص من المركبة قبل ظهور بلاغ السرقة في قواعد البيانات أو قبل اكتشاف ملكيتها الأصلية.
ولم يكن انخفاض الأسعار المؤشر الوحيد. فقد كانت عمليات التسديد تتم بصورة متكررة نقداً، وهو أسلوب يقلل من الآثار المصرفية ويصعب على المحققين لاحقاً تحديد مسار الأموال والمستفيدين الفعليين منها.
كما أظهرت التحقيقات أن بعض المركبات واجهت صعوبات في التسجيل، وأن رسائل متبادلة بين جوزيبي «إ.» وعيسى «ب.» تناولت هذه المشاكل. وهذا يعني أن عراقيل الترقيم والوثائق لم تكن خفية تماماً عن الأطراف المتدخلة في عمليات البيع والتصدير.
ومن أخطر الوقائع التي طرحت أمام المحكمة حالة دراجة «ياماها تي ماكس» كان رقم هيكلها ممسوحاً، بينما ظهر محركها في قواعد البيانات بوصفه محركاً مبلغاً عن سرقته.
ويمثل رقم الهيكل أو رقم تعريف المركبة، المعروف اختصاراً بـ«VIN»، الهوية التقنية والقانونية للسيارة أو الدراجة. ولا يعد محوه أو تغييره عيباً عادياً أو أثراً ناتجاً عن الاستعمال، بل مؤشراً قوياً على محاولة إخفاء الأصل الحقيقي للمركبة أو منحها هوية جديدة.
كما تبين أن سيارة «بي أم دبليو X4» لم تكن مرفقة بالمفتاح الثاني، وهو تفصيل قد يتجاهله المشتري العادي، لكنه يثير الشك لدى المتخصصين، خصوصاً في سيارة فاخرة يفترض أن تكون مصحوبة بمفتاحين ووثائق صيانة وملكية متكاملة.
أما سيارة «فيات 500»، فكانت بطاقتها الرمادية لا تزال تحمل اسم شركة تأجير إيطالية، رغم عرض السيارة للبيع كما لو كانت ملكاً خالصاً للبائع. ويعني ذلك أن الوثيقة نفسها كانت تحمل علامة واضحة على أن من يتصرف في السيارة قد لا يكون مالكها القانوني.
وواجهت رئيسة المحكمة المتهم بهذه الوقائع مجتمعة: السعر المنخفض، الدفع النقدي، رقم الهيكل الممسوح، المحرك المبلغ عن سرقته، غياب المفتاح الثاني، البطاقة الرمادية المحررة باسم شركة كراء، والصعوبات المتكررة في التسجيل.
وتساءلت كيف يمكن لمتعامل محترف في سوق السيارات ألا تثير كل هذه العناصر شكوكه، خصوصاً عندما لا يتعلق الأمر بصفقة منفردة، بل بعدة مركبات يجري نقل بعضها إلى دولة أخرى وعرضها للبيع في السوق الجزائرية.
ورد عيسى «ب.» بأن جوزيبي «إ.» كان يظهر بمظهر رجل ثقة، غير أن المحكمة لم تعتبر المظهر الشخصي أو الحضور على مواقع التواصل سبباً كافياً لتجاهل المؤشرات المادية والقانونية.
وفي نهاية الجلسة، قضت المحكمة بإدانة عيسى «ب.» بعقوبة سنتين حبسا مع وقف التنفيذ، وهي عقوبة أقل من السنتين حبسا نافذاً الصادرتين بحق المتهمين الإيطاليين، بالنظر إلى اختلاف الدور ودرجة المسؤولية المنسوبة إلى كل طرف.
غير أن الحكم يضع السوق الجزائرية في صلب القضية، وليس على هامشها. فالمركبات لم تكن متجهة فقط إلى دولة أجنبية مجهولة، بل كانت تعرض وتباع داخل الجزائر، وهو ما يعني أن الحلقة الأخيرة من عملية التبييض كانت تتحقق عندما يقتنيها مشترٍ جزائري ويدفع ثمنها ثم يسجلها باسمه.
وكلما تم تسجيل السيارة وإعادة بيعها بين عدة أشخاص، يصبح اكتشاف أصلها أكثر تعقيداً، وقد يبدو ملفها الإداري سليماً ظاهرياً، رغم أن السلسلة الأولى للملكية قامت على السرقة أو تحويل عقد الكراء.
كما أن البطاقة الرمادية الأوروبية ليست ضماناً مطلقاً لسلامة السيارة. فقد تكون أصلية لكنها محررة باسم شركة تأجير، وقد تكون مزورة، أو تخص مركبة أخرى تعرضت لحادث وتم استنساخ بياناتها، أو تكون السيارة قد غادرت بلد السرقة قبل إدراجها في قواعد البيانات الدولية.
ولا تكشف القضية المنشورة عما إذا كانت المركبات الموجهة إلى الجزائر قد دخلت عبر الاستيراد الفردي، أو باسم مغتربين، أو بواسطة وثائق مؤقتة، أو عبر وسطاء تجاريين. ولذلك لا يجوز الجزم بالطريقة التي استعملتها الشبكة في العبور الجمركي.
لكن مجرد تمكنها من عرض سيارات مسروقة في الجزائر يعني أن الرقابة لا ينبغي أن تقتصر على فحص شكل الوثائق أو مطابقة رقم الهيكل الظاهر فقط، بل يجب أن تشمل الرجوع إلى قواعد البيانات الدولية والتحقق من المالك الأصلي وعقود الكراء والتمويل وسجل التنقل والتسجيل في الدول الأوروبية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع السماح للمواطنين المقيمين باستيراد سيارات سياحية مستعملة يقل عمرها عن ثلاث سنوات وفق الضوابط القانونية الجزائرية. ففتح قنوات الاستيراد الفردي يوفر للمواطنين فرصاً لاقتناء السيارات، لكنه قد يستغل أيضاً من شبكات تعرف كيفية إعداد ملفات تبدو قانونية وإقناع المشترين بأن السعر المنخفض سببه الرغبة في البيع السريع أو اختلاف الأسعار بين الدول.
ولم تثبت قضية مرسيليا وجود تورط لموظفين أو مصالح جزائرية، كما لم تكشف عن أسماء مستوردين أو تجار داخل البلاد. ومن الضروري عدم توجيه اتهامات لا تدعمها التحقيقات. لكن الملف يفرض تساؤلات مشروعة حول عدد المركبات التي دخلت الجزائر، وما إذا كانت لا تزال متداولة، والكيفية التي تم بها التأكد من وثائقها عند التسجيل.
كما يفرض سؤالاً حول حماية المشتري الجزائري حسن النية. فإذا اشترى مواطن سيارة ودفع قيمتها كاملة ثم تبين أنها مسروقة في إيطاليا، فقد يخسر السيارة حتى لو لم يكن يعلم بالجريمة، لأن الملكية الأصلية قد تعود إلى الشركة المؤجرة أو إلى صاحب المركبة الذي سُرقت منه.
وفي هذه الحالة، لا يبقى أمام المشتري إلا الرجوع على البائع لاستعادة أمواله. وإذا كان البائع جزءاً من شبكة دولية أو اختفى بعد الصفقة أو استعمل اسماً وشركة واجهة، فقد يدخل المشتري في مسار قضائي طويل من دون ضمان استرجاع كامل المبلغ.
ولا تبدو الجزائر وجهة استثنائية في هذا النشاط، إذ سبق لعمليات أوروبية رسمية أن كشفت أن دول شمال أفريقيا تمثل إحدى الوجهات الرئيسية للسيارات المسروقة داخل الاتحاد الأوروبي.
ففي عملية قادتها الشرطة الإيطالية بالتعاون مع «يوروبول»، جرى تفكيك شبكة كانت تستهدف سيارات «بورش» و«بي أم دبليو» و«رانج روفر» و«مرسيدس»، وكان بعض أصحاب السيارات يتواطؤون مع الشبكة بعد الحصول عليها عن طريق التمويل أو الإيجار. وحددت السلطات 70 سيارة مسروقة واسترجعت 38 منها بقيمة تقارب مليوني يورو، وأكدت أن جزءاً من المركبات كان يعاد تسجيله بوثائق ملكية مزورة في دول من شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية.
وفي عملية أخرى شاركت فيها السلطات البلجيكية والإيطالية والإسبانية، استهدفت الأجهزة الأمنية شبكة تتاجر بسيارات فاخرة مسروقة داخل الاتحاد الأوروبي وموجهة إلى شمال أوروبا وشمال أفريقيا. واعتمدت الشبكة على سرقة هوية سيارات قانونية مشابهة من حيث الطراز واللون، ثم صناعة وثائق ولوحات تسجيل وتأمينات مزورة للسيارات المسروقة.
كما نفذت السلطات الإسبانية عمليات تفتيش واسعة في ميناءي الجزيرة الخضراء وطريفة، باعتبارهما ممراً رئيسياً تستعمله الشبكات لنقل السيارات المسروقة من أوروبا إلى شمال أفريقيا. وجرى فحص نحو ثلاثة آلاف مركبة بالاعتماد على قاعدة بيانات الإنتربول للمركبات المسروقة.
وأظهرت عمليات أمنية أوروبية أخرى أن السيارات لا تنقل دائماً عبر المسارات البرية والبحرية الظاهرة فقط، بل قد توضع داخل حاويات شحن، أو تُمنح أوراق سيارات محطمة، أو تُفكك إلى قطع غيار لتقليل احتمال اكتشافها.
وفي عملية أوروبية واسعة، حجزت الأجهزة الأمنية مئات السيارات المسروقة بعد عمليات مراقبة في الموانئ والمعابر ومحلات بيع المركبات. وكان الهدف الأساسي هو وقف السيارات المسروقة داخل الاتحاد الأوروبي قبل تهريبها إلى وسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط ودول أخرى.
وتؤكد قاعدة بيانات الإنتربول الخاصة بالمركبات المسروقة أن التحقق الدولي ليس مسألة شكلية. فالشرطة في الدول الأعضاء تستطيع إدخال رقم تعريف السيارة والحصول فوراً على نتيجة تبين ما إذا كانت مبلغاً عن سرقتها في دولة أخرى.
وقد أعلن الإنتربول أنه جرى في سنة 2023 وحدها التعرف على 248976 مركبة آلية مسروقة بواسطة هذه القاعدة، وهو رقم يبين حجم السوق الدولية التي تستفيد منها شبكات التهريب وتزوير الوثائق.
أما داخل الجزائر، فقد أعلنت الأجهزة الأمنية في قضايا منفصلة عن تفكيك شبكات محلية لسرقة السيارات واسترجاع مركبات مسروقة، من بينها عملية للشرطة في الجزائر العاصمة أسفرت عن توقيف 11 شخصاً واسترجاع 23 مركبة خلال سنة 2025.
لكن قضية مرسيليا تختلف في بعدها، لأنها تكشف انتقال السيارات من بلد أوروبي إلى آخر، ثم وصولها إلى السوق الجزائرية، بما يجعل مواجهتها مرتبطة بالتعاون الدولي وليس فقط بالتحقيقات المحلية.
والأخطر أن السيارة قد تصل إلى المشتري الجزائري بعد مرورها على عدة وسطاء وشركات ووثائق، فيصعب عليه اكتشاف أن أصلها يعود إلى شركة كراء إيطالية أو إلى بلاغ سرقة مسجل على بعد آلاف الكيلومترات.
ولهذا ينبغي للمشتري ألا يكتفي بالبطاقة الرمادية أو بالفحص التقني المعتاد، خصوصاً عندما يكون السعر أقل بكثير من قيمة السيارة. وينبغي التحقق من هوية البائع، وتسلسل الملكية، وعقد الشراء الأصلي، ووضعية السيارة لدى شركات التمويل والكراء، وعدد مفاتيحها، ورقم هيكلها في مختلف المواضع والوحدات الإلكترونية.
كما يجب الانتباه إلى السيارات التي تباع نقداً بصورة مستعجلة، أو التي يقدم البائع بشأنها تفسيرات غير واضحة حول غياب المفتاح الثاني، أو تغيير لوحة التسجيل، أو تأخر الوثائق، أو اختلاف اسم المالك المسجل عن اسم الشخص الذي يعرض المركبة.
وبعد مرور نحو عشر سنوات على الوقائع، أصدرت محكمة مرسيليا أحكامها ضد ثلاثة متهمين، لكنها لم تجب عن جميع الأسئلة التي تهم الجانب الجزائري من القضية.
فما يزال عدد السيارات التي وصلت إلى الجزائر غير معلن، كما لا يعرف مصيرها الحالي، ولا ما إذا كانت السلطات الجزائرية قد تلقت طلبات لاسترجاعها أو حجزها، ولا عدد المواطنين الذين اشتروها ودفعوا ثمنها.
والمؤكد فقط، وفق ما عُرض أمام القضاء الفرنسي، أن الجزائر كانت سوقاً استُعملت لتصريف مركبات مصدرها السرقة أو تحويل عقود الكراء في إيطاليا، وأن الشبكة استفادت من مرورها عبر فرنسا ومن وسطاء لديهم خبرة في السيارات والتسجيل والتصدير.
وبذلك لا تبقى قضية مرسيليا شأناً قضائياً فرنسياً أو إيطالياً فقط، بل تتحول إلى قضية تمس السوق الجزائرية مباشرة، لأنها تكشف أن سيارة أوروبية معروضة بسعر مغر قد لا تكون مجرد صفقة رابحة، وإنما الحلقة الأخيرة في مسار إجرامي بدأ بعقد كراء في إيطاليا، ومر بوثائق وتسجيلات في فرنسا، وانتهى بمشترٍ داخل الجزائر قد يجد نفسه لاحقاً من دون السيارة ومن دون الأموال.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
زيارة ثقيلة بالملفات واختبار جديد للعلاقات الجزائرية الفرنسية.. ماذا ينتظر سعيد سعيود في باريس؟
يحلّ وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، بالعاصمة الفرنسية باريس في زيارة …






