‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر في حروب إعلامية بلا سلاح!
الأولى - الافتتاحية - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫17 دقيقة مضت‬

الجزائر في حروب إعلامية بلا سلاح!

الجزائر في حروب إعلامية بلا سلاح!
يُحسب لوزير الاتصال، الدكتور زهير بوعمامة أنه قال ما كان يجب قوله منذ سنوات، الجزائر مستهدفة بحملات تضليل، والتحولات الرقمية فرضت واقعًا إعلاميًا جديدًا، والدولة مطالبة بتعزيز فضاءاتها الإعلامية لحماية مصالحها وصورتها. هذا التشخيص ليس تفصيلًا، بل اعتراف متأخر بحقيقة أصبحت بديهية في عالم تتحول فيه المعلومة إلى أداة قوة، والرواية إلى عنصر من عناصر السيادة.

تثمين هذا الخطاب ضروري حتى لا يُفهم النقاش خارج سياقه، لأن المشكلة لم تعد في إنكار الأزمة، بل في ما يأتي بعدها. فالوزير وصف التحدي بدقة، لكنه لم يقدم ما ينتظره الفاعلون في القطاع، برنامجًا واضحًا، إجراءات قابلة للتطبيق، أو جدولًا زمنيًا يحدد كيف ستنتقل الدولة من الوعي بالمشكلة إلى حلها.

في البرلمانات الحديثة، لا يُقاس تدخل الوزير بمدى صحة التشخيص، بل بقدرته على تحويله إلى سياسة عمومية. البرلمان ليس فضاءً لشرح الواقع، بل لعرض القرارات. وما حدث في النقاش الأخير كشف مفارقة واضحة، السلطة تتحدث بلغة استراتيجية، بينما الأدوات التنفيذية ما تزال غائبة أو غير معلنة.

الوزير دعا إلى تعزيز الفضاءات الإعلامية الوطنية، لكن التعزيز مفهوم سياسي واسع يحتاج ترجمة عملية. هل المقصود إصلاح الاقتصاد الإعلامي؟ تنظيم سوق الإشهار؟ دعم استقلالية المؤسسات؟ تحديث نماذج التمويل؟ هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة، رغم أنها تمثل جوهر الأزمة. فالإعلام لا ينهض بالخطاب بل بالموارد، ولا يمكن الحديث عن احترافية في قطاع يعيش هشاشة مالية مزمنة.

ملف الإشهار تحديدًا ظل الغائب الأكبر عن النقاش، رغم أنه العمود الفقري لأي منظومة إعلامية في العالم. لا إعلام قوي دون سوق إشهاري شفاف ومستقر، ولا استقلالية تحريرية دون استقلال اقتصادي. مطالبة المؤسسات الإعلامية بمواجهة التضليل بينما تعاني من ضعف التمويل تشبه مطالبة جيش بخوض معركة دون تجهيزات.

الوزير تحدث أيضًا عن إعداد استراتيجية شاملة لمواجهة التضليل. لكن الاستراتيجيات لا تُقاس بعناوينها بل بآلياتها. من المسؤول عن التنفيذ؟ ما هي الأدوات الرقمية؟ كيف سيتم قياس النجاح؟ وما هي الإصلاحات التشريعية أو الاقتصادية المرافقة؟ غياب هذه التفاصيل يجعل الاستراتيجية أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى سياسة عامة.

أما مشروع المدينة الإعلامية، فرغم أهميته الرمزية، فإنه يعكس استمرار الخلط بين البنية التحتية والقوة الإعلامية. التاريخ الحديث للإعلام يثبت أن النفوذ لا يُبنى بالاستوديوهات، بل بالتحرير المستقل، والتمويل المستقر، والقدرة على إنتاج محتوى تنافسي عالميًا. المباني قد تُنشئ قطاعًا، لكنها لا تصنع تأثيرًا.

وفي ما يتعلق بالمؤثرين وصناع المحتوى، كان الوزير محقًا حين أشار إلى أنهم خارج الإطار الإعلامي المنظم، لكن الظاهرة نفسها نتيجة وليست سببًا. صعودهم يعكس فراغًا إعلاميًا ملأته المنصات الرقمية، بعدما فقد الإعلام التقليدي جزءًا من قدرته على جذب الجمهور. معالجة الظاهرة تنظيميًا دون معالجة أسبابها البنيوية لن تغيّر التوازن القائم.

الوزير ذكّر كذلك بضرورة احترام المرجعية الدينية والثوابت الوطنية داخل الإعلام السمعي البصري، وهو طرح مفهوم في سياق الهوية الوطنية، لكنه لا يجيب عن سؤال التنافسية الإعلامية. فالجمهور لا يعود إلى القنوات الوطنية بسبب الضبط القانوني، بل بسبب جودة المحتوى وسرعة المعلومة وعمق التحليل.

في البعد الخارجي، تبدو المفارقة أوضح. الجزائر أطلقت قناة “الجزائر الدولية”، وهي خطوة مهمة تعكس وعيًا متأخرًا بأهمية الإعلام الدولي. غير أن وجود القناة لا يكفي بحد ذاته. في العالم المعاصر، لا تدافع الدول عن صورتها عبر البيانات الرسمية، بل عبر مؤسسات إعلامية عابرة للحدود. فرنسا تمتلك France 24، بريطانيا BBC World، روسيا RT، قطر الجزيرة، تركيا TRT World، والصين CGTN. هذه المنصات أدوات نفوذ قبل أن تكون وسائل إعلام. السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا أُنشئت القناة، بل كيف ستتحول إلى فاعل دولي قادر على التأثير، الوصول، وصناعة الرواية بدل الاكتفاء بردّ الفعل.

تصريحات الوزير حملت إدراكًا سياسيًا واضحًا لطبيعة المرحلة، وهذا في حد ذاته تطور مهم. لكن الإدراك لا يساوي القرار. الجزائر تقول إنها تواجه حربًا إعلامية، غير أن الحرب تُدار بخطط وتمويل واستراتيجيات تنفيذ، لا بالوعي بها فقط.

المشكلة إذن ليست في ما قيل، بل في المسافة بين القول والفعل. فالإعلام الوطني لا يحتاج إلى تشخيص جديد، بل إلى لحظة سياسية تُعلن فيها الدولة بوضوح كيف ستعيد بناء قطاع إعلامي قادر على المنافسة داخليًا والتأثير خارجيًا.

حتى يحدث ذلك، سيبقى الخطاب متقدمًا على الواقع، وستظل الجزائر تدرك المعركة الإعلامية التي تواجهها دون أن تمتلك بعد كل أدوات خوضها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إمام عظيم بالمسجد الأعظم

لم تكن الكلمة التي ألقاها إمام المسجد الأعظم مجرد تفسير لقصيدة شعبية، بل كانت موقفًا فكريً…