بين موسيقى DJ Snake وخطاب التحريم.. أي جزائر يريدها المتطرفون؟
الحادثة بدأت عندما حلّ DJ Snake، واسمه الحقيقي ويليام سامي إتيان غريغاسين، بالجزائر من أجل تصوير إعلان تجاري لصالح متعامل الهاتف النقال “أوريدو”، الذي اختاره سفيراً لعلامته التجارية منذ نهاية السنة الماضية. لكن الأمور خرجت سريعاً عن الإطار الإشهاري التقليدي بعدما نشر الفنان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو من قلب العاصمة، ليكتشف آلاف الشباب الجزائريين مكان وجوده ويتوافدوا بشكل عفوي نحو ساحة البريد المركزي، أحد أبرز رموز العاصمة الجزائرية.
وخلال ساعات فقط، تحولت الساحة والشوارع المحيطة بها إلى تجمع جماهيري ضخم وغير مسبوق، حضره آلاف الشباب والعائلات في أجواء احتفالية وسلمية، وسط تفاعل كبير مع الفنان الذي سبق أن عبّر مراراً عن تعلقه بجذوره الجزائرية، خصوصاً من خلال أغنيته الشهيرة “Disco Maghreb”، التي أهداها للموسيقى الجزائرية ولموروث الراي في وهران، واعتبرها “رسالة حب للشعب الجزائري”.
وأمام هذا الحضور الجماهيري الكبير، اضطر DJ Snake إلى الصعود خلف منصته الموسيقية وتقديم عرض مرتجل في الهواء الطلق أمام مبنى البريد المركزي ذي الطابع النيو-مورسكي، في مشهد وصفه كثيرون بأنه من أكبر التجمعات الفنية التي شهدتها العاصمة منذ سنوات. وانتشرت مقاطع الفيديو بسرعة عبر مختلف المنصات الرقمية، وأظهرت آلاف الجزائريين وهم يرددون الأغاني ويرقصون في أجواء احتفالية نادرة في الفضاء العام الجزائري.
لكن وسط هذا المشهد، ظهر شاب متطرف وسط الحشود وهو يذكّر الشباب بأننا في “العشر الأواخر”، في محاولة واضحة لإفساد الحدث وتحويله من فضاء احتفالي إلى ساحة خطاب ديني متشدد. وقد اعتبر كثيرون هذا التدخل مجرد تصرف فردي، غير أن القراءة الأعمق تكشف أنه يعكس ذهنية كاملة تحاول منذ سنوات فرض رؤية متطرفة للدين على المجتمع الجزائري، انطلاقاً من أفكار سلفية ووهابية ومدخلية تعتبر الموسيقى والغناء والفنون مظاهر محرمة يجب محاربتها.
وهنا تكمن خطورة الحادثة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بموقف ديني محافظ، بل بمحاولة مستمرة لاحتلال المجال العام وفرض الرقابة الأخلاقية على المجتمع. فالتيارات المتشددة التي تسببت سابقاً في إدخال الجزائر في دوامة الإرهاب خلال التسعينيات، عادت اليوم بأشكال مختلفة، مستفيدة من مواقع التواصل الاجتماعي ومن ضعف المواجهة الفكرية والسياسية والدينية.
والحقيقة أن تحريم الموسيقى الذي يروج له هذا التيار يتناقض حتى مع التاريخ الإسلامي نفسه. فالعصر العباسي، الذي يمثل أحد أبرز عصور الحضارة الإسلامية، عرف ازدهاراً كبيراً للموسيقى والغناء، وكان الخليفة هارون الرشيد يحتضن الشعراء والمغنين والموسيقيين داخل قصره، كما اشتهرت زوجته زبيدة بحب الفن والغناء. بل إن بغداد ودمشق وقرطبة كانت مراكز كبرى للفنون والموسيقى، ولم يُنظر إلى ذلك باعتباره خروجاً عن الإسلام.
كما أن عدداً من رجال الدين والباحثين المعاصرين أشاروا إلى أن مسألة تحريم الموسيقى ليست محل إجماع ديني، وأن التاريخ الإسلامي عرف أشكالاً متعددة من الغناء والإنشاد واستعمال الآلات الموسيقية. لكن التيار المتطرف الذي يحاول فرض نفسه اليوم في الجزائر يتبنى قراءة مغلقة للدين، تقوم على تحريم كل ما لا يتوافق مع نمط الحياة الصحراوي القديم، حتى ولو تعلق الأمر بأمور حديثة لا علاقة لها بجوهر الدين.
والمشكلة أن هذا الخطاب لم يعد محصوراً في بعض المساجد أو الدروس الدينية، بل أصبح يتمدد داخل المجتمع بشكل واضح. ففي عدة ولايات جزائرية، تعرضت قاعات حفلات للإغلاق أو التضييق، كما أصبحت الأعراس والحفلات الفنية تواجه ضغوطاً اجتماعية ودينية متزايدة. وفي المقابل، يواصل بعض الأئمة والدعاة نشر خطاب تحريضي ضد النساء والفنون والحريات الفردية دون ردع حقيقي.
ويكفي التذكير بما يقدمه بعض الأئمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خطابات تدعو إلى فرض “المحرم” على المرأة حتى أثناء تنقلها داخل الوطن، رغم أن المملكة العربية السعودية نفسها، التي كانت مرجعاً لهذا الفكر لعقود، تخلت رسمياً عن هذه الشروط حتى في الحج والعمرة. لكن المتطرف الجزائري ما زال يحاول تصدير نموذج ديني متشدد فقد حتى حاضنته الأصلية.
إن ما حدث في العاصمة خلال حفل DJ Snake لم يكن إذاً مجرد اعتراض ديني على الموسيقى، بل اختبار حقيقي لقدرة هذا التيار على التدخل داخل الفضاء العام ومحاولة فرض منطقه على المجتمع. فهذه الجماعات تدرك أن السيطرة على الثقافة والفنون والحياة اليومية تمثل خطوة أساسية لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها المغلقة.
كما أن الهجوم المستمر على التيار الصوفي في الجزائر يدخل في السياق نفسه. فالطرق الصوفية الجزائرية لعبت تاريخياً دوراً محورياً في مقاومة الاستعمار الفرنسي ونشر الإسلام المتسامح داخل إفريقيا، وقادت شخصياتها الكبرى المقاومة الشعبية، بدءاً من الأمير عبد القادر وصولاً إلى الشيخ الحداد والمقراني وبوعمامة. ومع ذلك، يواصل التيار الوهابي والتيمي مهاجمة هذا الإرث ووصفه بأوصاف تكفيرية غريبة عن الثقافة الجزائرية.
وفي المقابل، تبدو المؤسسات الدينية والسياسية عاجزة عن مواجهة هذا التغلغل الفكري. فقد شهد البرلمان الجزائري في الفترة الأخيرة أسئلة واستفزازات موجهة ضد التيار الصوفي، بينما اكتفى المسؤولون بخطابات دفاعية باهتة، بدل التذكير الصريح بأن الدستور الجزائري يكفل حرية المعتقد ويحمي المرجعية الدينية الوطنية من الاختراقات الفكرية المتطرفة.
والمفارقة أن فناناً عالمياً مثل DJ Snake، الذي يفتخر بأصوله الجزائرية ويحاول تقديم صورة إيجابية عن البلد أمام العالم، اصطدم سابقاً بعراقيل تنظيمية وإدارية حالت دون إقامة حفله الكبير الذي كان مقرراً في ملعب نيلسون مانديلا بالعاصمة سنة 2025، بعدما تم تأجيله ثم إلغاؤه بسبب ما قيل إنها “أسباب لوجستية وإدارية”. في حين يتحرك الخطاب المتطرف بحرية داخل المجتمع، ويجد أحياناً من يبرره أو يدافع عنه باسم “الدين” أو “الأخلاق”.
إن الجزائر التي دفعت ثمناً باهظاً للخروج من الإرهاب، لا تحتاج اليوم إلى إعادة “أسلمتها”، لأنها بلد مسلم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. ما تحتاجه فعلاً هو حماية فضائها المدني والثقافي من خطاب الكراهية والانغلاق، ومن محاولات فرض نموذج ديني متطرف أثبتت التجربة أنه لا يقود إلا إلى العنف والانقسام.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل كانت بغداد العباسية، التي ازدهرت فيها الموسيقى والفنون والشعر، مدينة خارجة عن الإسلام؟ وهل كان الخلفاء الذين احتضنوا الموسيقى والغناء كفاراً؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في القراءة المتشددة للدين التي تحاول اليوم إعادة إنتاج مناخ التطرف داخل المجتمع الجزائري تحت شعارات أخلاقية ودينية؟
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
بين موسيقى DJ Snake وخطاب التحريم.. أي جزائر يريدها المتطرفون؟
مسدور.. بين يوشع بن نون و”صحابة” تبسة
بن قرينة والعلاج في الخارج.. سقوط خطاب الشعبوية الدينية
تجار الدين يحاولون المتاجرة بمواقف الجزائر
شي وبوتين يؤسسان لنظام جديد متعدد الأقطاب
زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين تُوّجت بالتوقيع على 40 اتفاقية بين روسيا والص…
أحوال الناس
انخفاض ملحوظ في أسعار الأدوات المدرسية وسط قلق الأولياء
مع اقتراب الدخول المدرسي (2024-2025)، تشهد أسعار الأدوات المدرسية انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بالموسم الدراسي …





