‫الرئيسية‬ الأولى قانون الانتخابات الجديد في أول امتحان حقيقي: هل اصطدمت فلسفة “تمكين الشباب” بحدود الواقع السياسي؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

قانون الانتخابات الجديد في أول امتحان حقيقي: هل اصطدمت فلسفة “تمكين الشباب” بحدود الواقع السياسي؟

قانون الانتخابات الجديد في أول امتحان حقيقي: هل اصطدمت فلسفة “تمكين الشباب” بحدود الواقع السياسي؟
انتهت رسميًا، عند منتصف ليلة 18 ماي، آجال إيداع ملفات الترشح الخاصة بانتخابات المجلس الشعبي الوطني المقررة يوم 2 جويلية 2026، لتنتهي معها مرحلة وُصفت داخل الأوساط السياسية والحزبية بأنها واحدة من أكثر مراحل التحضير الانتخابي تعقيدًا منذ سنوات. فمع اقتراب غلق باب الترشحات، لم يعد السؤال الأساسي داخل الأحزاب والقوائم المستقلة يتعلق بالبرامج السياسية أو التحالفات أو الخطاب الانتخابي، بل تحول إلى سؤال أكثر تعقيدًا وإلحاحًا، كيف يمكن استكمال الشروط الجديدة التي فرضها قانون الانتخابات المعدل؟

هذا التحول في طبيعة النقاش السياسي يكشف بوضوح أن أول امتحان فعلي لقانون الانتخابات الجديد لم يكن امتحانًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل كان امتحانًا تنظيميًا وإداريًا وقانونيًا في آن واحد. فالقانون الذي قُدم باعتباره خطوة نحو “تجديد الطبقة السياسية” و”تمكين الشباب” و”تعزيز تمثيل المرأة” وضع الأحزاب والقوائم المستقلة أمام معادلة معقدة جمعت بين عدد كبير من المترشحين ونسب إلزامية صارمة مرتبطة بالسن والجنس والمستوى الجامعي، في وقت تعاني فيه الحياة السياسية أصلًا من ضعف الانخراط الحزبي وعزوف واضح عن العمل السياسي، خاصة وسط فئة الشباب التي يفترض أن تكون المستفيد الأول من هذه التعديلات.

المادة 191 من قانون الانتخابات كانت في قلب هذا النقاش منذ الأيام الأولى للتحضير للتشريعيات، بعدما نصت بشكل واضح على أن قوائم الترشح للمجلس الشعبي الوطني يجب أن تضم عددًا من المترشحين يفوق عدد المقاعد المطلوب شغلها بسبعة مترشحين في الدوائر ذات المقاعد الفردية، وستة مترشحين في الدوائر ذات المقاعد الزوجية. وعمليًا، يعني ذلك أن دائرة انتخابية تضم مقعدًا واحدًا فقط تصبح مطالبة بتقديم قائمة من ثمانية مترشحين، بينما تصبح الدائرة ذات المقعدين مطالبة هي الأخرى بقائمة من ثمانية أسماء.

هذه الصيغة القانونية أثارت منذ البداية تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية، ليس فقط بسبب العدد المرتفع المطلوب من المترشحين مقارنة بعدد المقاعد، بل بسبب فلسفة النص نفسها. فكيف يمكن منطقيًا مطالبة دائرة يمثلها نائب واحد فقط في البرلمان بتشكيل قائمة تضم ثمانية مترشحين؟ وكيف يمكن تفسير هذا التضخم العددي في القوائم داخل دوائر صغيرة من حيث التمثيل الانتخابي؟ فالقانون هنا لا يفرض فقط شروطًا تنظيمية، بل يعيد عمليًا تعريف معنى القائمة الانتخابية نفسها، بحيث تتحول من أداة لتمثيل سياسي مباشر إلى بنية عددية معقدة تفرض على الأحزاب والقوائم المستقلة البحث عن أسماء إضافية تفوق بكثير عدد المقاعد الحقيقية المعروضة للتنافس.

غير أن الإشكال الأكبر لم يكن متعلقًا بعدد المترشحين وحده، بل بالشروط المرافقة لهذا العدد. فالقانون نفسه يفرض أن يكون نصف المترشحين على الأقل أقل من أربعين سنة، وأن تضم القائمة ثلثًا من النساء على الأقل، إضافة إلى اشتراط مستوى جامعي لثلث المترشحين. وفي قائمة من ثمانية مترشحين، يصبح المطلوب عمليًا توفير أربعة مترشحين شباب، وثلاث نساء، وثلاثة جامعيين على الأقل، وهي معايير قد تبدو نظريًا منسجمة مع خطاب “التجديد السياسي”، لكنها اصطدمت سريعًا بواقع ميداني مختلف تمامًا.

فالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات نفسها قدمت في بيانها الرسمي الخاص بالمراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية أرقامًا تكشف حجم المفارقة بين النص القانوني والتركيبة الديمغرافية الحقيقية للهيئة الناخبة الجزائرية. فبحسب البيان الرسمي، بلغ عدد الهيئة الناخبة 24.727.041 ناخبًا، من بينهم 23.872.756 ناخبًا داخل الوطن و854.285 ناخبًا من الجالية الوطنية بالخارج. لكن المعطى الأكثر أهمية في هذه الأرقام يتعلق بالتوزيع العمري للناخبين، حيث أظهرت الإحصائيات أن فئة ما فوق الأربعين سنة تمثل الأغلبية الساحقة داخل الهيئة الناخبة بـ16.356.251 ناخبًا، مقابل حوالي 7.094.108 ناخبين فقط لفئة ما بين 25 و40 سنة، بينما لا تتجاوز فئة 18 إلى أقل من 25 سنة حوالي 1.276.683 ناخبًا.

هذه الأرقام تطرح سؤالًا جوهريًا حول فلسفة “تمكين الشباب” كما صاغها القانون الجديد. فبينما يشترط النص أن يكون نصف المترشحين أقل من أربعين سنة، تؤكد الإحصائيات الرسمية للدولة أن أغلبية المجتمع الانتخابي الجزائري تتجاوز أصلًا سن الأربعين. أي أن القانون يفرض داخل القوائم الانتخابية تمثيلًا شبابيًا يفوق بشكل واضح الوزن الديمغرافي الحقيقي لهذه الفئة داخل الهيئة الناخبة نفسها.

ولا يتعلق الأمر هنا برفض فكرة تجديد النخب السياسية أو التقليل من أهمية إشراك الشباب في المؤسسات المنتخبة، بل بالطريقة التي اختار بها القانون تحقيق هذا الهدف. فالتجديد السياسي لا يتحقق فقط عبر فرض نسب رقمية داخل القوائم، لأن المشاركة السياسية ليست معادلة حسابية يمكن فرضها إداريًا. فالشباب الذين يُفترض أن يمثلوا هذا “التجديد” يعيشون منذ سنوات حالة عزوف واضحة عن العمل الحزبي والسياسي، وهي ظاهرة ترتبط بعوامل أعمق بكثير من مجرد غياب النصوص القانونية، مثل ضعف الثقة في المؤسسات، وغياب فضاءات حقيقية لصناعة النخب الجديدة، والتحولات الاجتماعية والثقافية التي جعلت كثيرًا من الشباب ينظرون إلى السياسة باعتبارها مجالًا مغلقًا أو محدود التأثير.

ولهذا، فإن أول امتحان لقانون الانتخابات الجديد كشف أن فرض نسب مرتفعة للشباب داخل القوائم لم يؤدِ بالضرورة إلى تجديد طبيعي للحياة السياسية، بل دفع كثيرًا من الأحزاب والقوائم المستقلة إلى البحث المستعجل عن أسماء تستوفي الشروط القانونية أكثر من البحث عن كفاءات سياسية فعلية. وفي كثير من الحالات، تحولت عملية تشكيل القوائم إلى سباق مع الزمن هدفه الأساسي “استكمال النسب” قبل غلق الآجال، بدل التركيز على بناء مشاريع سياسية متماسكة أو تقديم برامج انتخابية واضحة.

وقد ظهر هذا الوضع بشكل أكثر تعقيدًا داخل الجالية الوطنية بالخارج، حيث تواجه الأحزاب والقوائم المستقلة تحديات إضافية مرتبطة بالتسجيل القنصلي، وبعد المسافات بين المدن، وصعوبة استخراج الوثائق الإدارية، وضعف الانخراط الحزبي، وضيق الآجال القانونية. ومع ذلك، فُرضت على دوائر الخارج نفس الشروط العددية والنسب المفروضة داخل الوطن، رغم الاختلاف الواضح في الظروف السياسية والتنظيمية والاجتماعية بين الداخل والخارج.

ومع انتهاء آجال إيداع الملفات منتصف ليلة 18 ماي، يبدأ الآن الامتحان الحقيقي الثاني للقانون الجديد. فبعد مرحلة تشكيل القوائم، ستتجه الأنظار إلى كيفية تعامل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مع الملفات المودعة، وإلى طبيعة القراءة التي ستعتمدها للنصوص القانونية، خاصة في ظل الصعوبات التي واجهتها الأحزاب والقوائم خلال مرحلة التحضير. فالقانون الانتخابي لا يُقاس فقط بصرامة مواده، بل أيضًا بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين احترام النصوص وضمان سير العملية الانتخابية بشكل واقعي وعملي.

يبدو أن أول اختبار فعلي لقانون الانتخابات الجديد أعاد طرح سؤال سياسي قديم بصيغة جديدة، هل يمكن فعلًا صناعة تجديد سياسي حقيقي عبر فرض نسب إلزامية داخل القوائم الانتخابية؟ أم أن بناء مشاركة شبابية فعلية يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء الثقة في العمل السياسي والحزبي، وخلق بيئة تسمح بظهور نخب جديدة بشكل طبيعي، بدل الاكتفاء بمعالجة المسألة من زاوية حسابية وتنظيمية فقط؟

فالأرقام الرسمية نفسها تكشف أن المجتمع الانتخابي الجزائري لا يزال مجتمعًا يغلب عليه من تجاوزوا الأربعين سنة، بينما أظهر الواقع الميداني أن فرض خمسين بالمائة من الشباب داخل القوائم تحول في كثير من الحالات إلى تحدٍ تنظيمي معقد حتى بالنسبة للأحزاب التقليدية. وبين النصوص القانونية والطموحات السياسية والواقع العملي، يبدو أن قانون الانتخابات الجديد وجد نفسه منذ أول امتحان أمام مفارقة حقيقية، فالرغبة في تجديد الحياة السياسية اصطدمت مباشرة بحدود الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يُفترض أن يُطبق فيه هذا التجديد.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

بالذخيرة الحية والتنسيق المحكم.. الفريق شنقريحة يقود أكبر المناورات التكتيكية بالناحية الثالثة

شهدت الناحية العسكرية الثالثة، اليوم الأربعاء، تنفيذ تمرين تكتيكي واسع النطاق بالذخيرة الح…