هستيريا المخزن بعد زيارة تبون إلى تركيا
مرة أخرى تخرج أبواق المخزن والحركى 2.0 بمعلومة مصدرها المخابرات المغربية، مفادها أن الرئيس عبد المجيد تبون ذهب إلى تركيا لطلب الوساطة من أردوغان في ملف الصحراء الغربية مع الجار المغربي. وهذه ليست المرة الأولى، بل أصبحت هذه الكذبة التافهة تتكرر مع كل تنقل خارجي للرئيس، وسبق أن سمعناها خلال زياراته إلى قطر ودول الخليج وغيرها. لكن المخزن، كالعادة، لا يستحي، ويحاول صناعة بطولات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي عبر ترديد الأكاذيب نفسها لإقناع الرأي العام داخل المملكة بأن حكومته تحقق انتصارات دبلوماسية، بينما الحقيقة قائمة على الدعاية والتضليل.
ولماذا تعتبر هذه الرواية كاذبة؟ ببساطة لأنها استُهلكت عشرات المرات، وفي كل مرة يتم تسويقها دون أن يقدم المخزن أي دليل أو نتيجة فعلية تدعم ادعاءاته. ومع مرور السنوات، أصبح الجزائريون يدركون طبيعة هذه الحرب الإعلامية المبنية على التضليل، ولم تعد هذه الأساليب تنطلي عليهم كما في السابق. ويبقى السؤال مطروحا: هل ما زال جزء من الرأي العام المغربي يصدق هذه الروايات التي تتكرر بلا أي نتائج على أرض الواقع؟
كيف يمكن للرئيس تبون، حسب الرواية التي تسوقها المخابرات المغربية، أن يتنقل من قطر إلى الكويت وسلطنة عمان وتركيا، ثم ألمانيا لاحقا، من أجل “طلب الوساطة” مع المغرب، دون أن يخرج علينا المخزن ولو مرة واحدة بنتيجة ملموسة أو مؤشر سياسي واحد يؤكد صحة هذه المزاعم؟ أليس من المنطقي، إذا كانت هذه الوساطات حقيقية، أن تظهر ولو مؤشرات بسيطة على نجاحها أو حتى وجودها؟
ثم كيف يمكن للمغرب أن يجلس في مفاوضات مباشرة مع جبهة البوليساريو بحضور الجزائر وموريتانيا كمراقبين، ثم يروج في الوقت نفسه لفكرة أن الجزائر تبحث عن وساطة معه؟ أليست المملكة طرفا مباشرا في المفاوضات أصلا؟ المفاوضات جرت بشكل مباشر في مدريد خلال جولتها الأولى، ثم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال جولتها الثانية، وما زال الملف مفتوحا في إطار أممي معروف. لذلك يبدو التناقض واضحا في الخطاب الإعلامي المغربي الذي ينتقل من الاعتراف بالمفاوضات المباشرة إلى محاولة تسويق روايات موازية لا تنسجم حتى مع الوقائع السياسية القائمة.
ثم ما الذي يمكن أن تطلبه الجزائر من تركيا أو من أي دولة أخرى، إذا افترضنا جدلا صحة هذه المزاعم، بينما الجزائر أصلا غير مهتمة بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع المملكة في الظروف الحالية؟ وفي أي ملف تحديدا ستطلب الوساطة، وقضية الصحراء الغربية مطروحة ضمن مسار تفاوضي مباشر بين المغرب وجبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة؟ الحقيقة أن جزءا من الخطاب الإعلامي المغربي أصبح عاجزا عن فهم طبيعة العلاقات الدولية وآليات إدارة الأزمات السياسية.
فالوساطة، في العادة، يطلبها الطرف المتضرر أو الطرف الباحث عن مخرج سياسي. وفي العلاقات الجزائرية المغربية، تبدو المملكة المغربية الطرف الأكثر تضررا من حالة الجمود الحالية، بينما الجزائر ماضية في أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية، سواء عبر تعزيز حضورها الإفريقي أو عبر توسيع شراكاتها الدولية التي تراجعت لسنوات ثم عادت بقوة خلال المرحلة الأخيرة.
كما أن الجزائر تركز بشكل واضح على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع شركائها، ومن بينهم تركيا، التي جاءت زيارة الرئيس تبون إليها في هذا السياق السياسي والاقتصادي الطبيعي، بعيدا عن الروايات الخيالية التي تحاول بعض الجهات تسويقها إعلاميا.
ولم تكن هذه الحملة الإعلامية الأولى من نوعها، فقد سبقتها حملة مشابهة خلال زيارة قائد “أفريكوم” الأمريكي رفقة نائب وزير الخارجية الأمريكي إلى الجزائر، حيث حاولت أبواق المخزن تصوير الزيارة كأنها ضغط أمريكي على الجزائر من أجل فتح الحدود وإعادة تشغيل أنبوب الغاز وتفكيك مخيمات تندوف، وكأن الغاز كان يضخ مجانا لوجه الله، أو كأن الجزائر تدير سياساتها الخارجية وفق الرغبات المغربية.
لكن، وكما يحدث في كل مرة، انتهت الزيارة دون أي نتائج من تلك التي روجت لها الآلة الدعائية المغربية. فالكذب السياسي حبله قصير، خاصة عندما يصطدم بالوقائع. كما أن الحديث المتكرر عن “مخيمات داخل تندوف” يتم توظيفه بطريقة دعائية، بينما الواقع المرتبط بالنزاع معروف ضمن مسار أممي وسياسي قائم منذ اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 بين المغرب وجبهة البوليساريو.
وكالعادة أيضا، اختفى منتجو الأكاذيب والمعلومات المضللة مباشرة بعد انتهاء زيارة الوفد الأمريكي، دون تقديم أي تقييم جدي أو حتى مراجعة للروايات التي تم تسويقها قبل الزيارة. وهنا يبقى السؤال الحقيقي: كيف يمكن الوثوق بخطاب إعلامي وسياسي يعيش باستمرار على التناقض، ويتفاوض علنا مع جبهة البوليساريو أمام العالم، ثم يعود في كل مرة إلى خطاب الإنكار والدعاية وكأن شيئا لم يحدث؟
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
أعلنت روسيا نجاح تجربة جديدة للصاروخ الباليستي العابر للقارات “سارمات”، المعروف لدى حلف شم…





