مسدور.. بين يوشع بن نون و”صحابة” تبسة
تثير خرجات الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي الجزائري فارس مسدور، إمام مسجد علي بن أبي طالب بمدينة بوفاريك، الكثير من الجدل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات تاريخية ودينية شديدة الحساسية. فالرجل، الذي انتقل من التحليل الاقتصادي إلى الخطاب الديني، لا يكتفي بطرح اجتهادات أو قراءات فكرية، بل يذهب أحيانًا إلى تقديم روايات تاريخية مثيرة للجدل تفتقر إلى الحد الأدنى من التوثيق العلمي، وتفتح الباب أمام بروباغندا غريبة قد تخدم، بوعي أو بدونه، سرديات لا تبدو منسجمة مع مصلحة الجزائر وتاريخها الحقيقي.
فبعد حديثه عن أن النبي يوشع بن نون مدفون في منطقة الغزوات غرب الجزائر، دون تقديم أي دليل تاريخي أو أثري موثق، تحول النقاش من مجرد اجتهاد ديني إلى قضية تتعلق بطريقة التعامل مع التاريخ والذاكرة الجماعية. لأن الفرق كبير بين وجود “مزار” شعبي وبين وجود قبر تاريخي مثبت علميًا. ثم إن الروايات الدينية والتاريخية المتداولة تربط يوشع بن نون أساسًا بمنطقة فلسطين وأريحا وما حولها، حيث توجد مقامات وأضرحة منسوبة إليه منذ قرون، بينما لا توجد دراسات تاريخية معروفة تثبت وجود قبره في الجزائر.
وواصل حديثه عن يوشع بن نون باعتباره ذلك الغلام الذي رافق النبي موسى عليه السلام، ثم أصبح نبيًا لاحقًا، وهي مسألة موجودة فعلًا في بعض كتب التفسير والتاريخ الإسلامي. غير أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بهذه الجزئية الدينية، بل بمحاولة تقديم روايات تاريخية غير موثقة حول وجود قبره في الجزائر، دون الاستناد إلى أبحاث أثرية أو مصادر تاريخية معروفة.
وتُعتبر شخصية يوشع بن نون من الشخصيات الدينية المعروفة في التراثين اليهودي والإسلامي، إذ تذكره الروايات الدينية باعتباره الغلام الذي رافق النبي موسى عليه السلام خلال فترة التيه، ثم تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاته ودخل بهم إلى فلسطين. وبالتالي فإن محاولة ربط هذه الشخصية بتاريخ الجزائر تحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية دقيقة، وليس إلى مجرد روايات شفوية أو اعتقادات شعبية متداولة.
والأغرب أن هذا الكلام يصدر عن أستاذ جامعي يفترض فيه التحري والدقة، خصوصًا في ملفات لها امتدادات سياسية وإيديولوجية معقدة. صحيح أن هناك ضريحًا في منطقة تلمسان يعرفه العامة باسم “سيدي يوشع”، لكن لا توجد دراسات تاريخية دقيقة تؤكد هوية صاحب الضريح أو تربطه بيوشع بن نون المذكور في الروايات الدينية.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، وهي الانتقال من الرواية الشعبية إلى محاولة تقديمها كحقيقة تاريخية مطلقة. فالتاريخ لا يُكتب بالاعتقاد الشعبي وحده، بل بالوثائق والتحقيق العلمي والدراسات الأثرية. وقد كشفت تجارب كثيرة في المنطقة المغاربية أن بعض الأضرحة التي ارتبطت بأساطير شعبية لم يكن لها أي أساس تاريخي حقيقي.
وفي المروك مثلًا، أثار أحد الباحثين جدلًا واسعًا بعد حديثه عن ضريح ظل الناس يزورونه لعقود باعتباره مقامًا لولي صالح، قبل أن يقال لاحقًا إن المدفون فيه مجرد كلب، ومع ذلك استمرت الروايات والأساطير الشعبية المرتبطة بالمكان. سواء صحت تلك القصة بالكامل أو بقيت محل جدل، فهي تكشف حجم الخلط الذي قد يقع عندما تتحول الرواية الشعبية إلى “حقيقة مقدسة” دون أي تحقيق علمي أو تاريخي.
أما التصريح الآخر المتعلق بما سماه شبكات تستقدم نساء من إفريقيا تحت غطاء “ملك اليمين”، فهو أخطر من مجرد زلة لسان أو اجتهاد فقهي معزول، لأنه يقدم صورة شديدة السلبية عن المجتمع الجزائري، ويفتح الباب أمام ربط الجزائر بخطابات العبودية والاتجار بالبشر، وهي ممارسات يرفضها القانون الدولي والقوانين الحديثة بشكل صريح.
والأخطر أن هذا النوع من الخطاب يُطرح أحيانًا من فوق المنابر، بما يمنحه شرعية رمزية لدى بعض الفئات، رغم ما يحمله من تناقض مع تطور الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة وحقوق الإنسان.
أما حديثه عن وجود صحابة مدفونين في منطقة بئر العاتر بولاية تبسة، فهو يدخل أيضًا ضمن الروايات التي تحتاج إلى تدقيق علمي صارم قبل تقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق تاريخية. لأن وجود شخصيات بحجم الصحابة في الجزائر، لو كان ثابتًا تاريخيًا، لكان معروفًا منذ قرون في كتب المؤرخين والرحالة وعلماء الآثار، وليس مجرد روايات تظهر فجأة دون سند علمي موثق.
كما أن اختيار منطقة الشرق الجزائري تحديدًا لإطلاق مثل هذه الروايات لا يبدو منفصلًا تمامًا عن الصراع الرمزي حول تاريخ المنطقة وهويتها الحضارية، خاصة في فضاء عرف شخصيات تاريخية ودينية معروفة عالميًا، مثل القديس أوغسطين المولود في سوق أهراس القريبة من تبسة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتشار المعلومات غير الدقيقة، بل في تحويل التاريخ إلى مادة دعائية تخضع للأهواء الإيديولوجية والانفعالات الشعبوية. فالأمم التي تفقد علاقتها العلمية بتاريخها تصبح أكثر قابلية لإعادة تشكيل وعيها الجماعي وفق روايات مختلقة أو موجهة.
ولهذا فإن حماية تاريخ الجزائر لا تكون بالشعارات ولا بالمزايدات الدينية، بل بالبحث العلمي الرصين، وباحترام عقل المجتمع، وبالتمييز الواضح بين الرواية الشعبية والحقيقة التاريخية.
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مسدور.. بين يوشع بن نون و”صحابة” تبسة
مسدور.. بين يوشع بن نون و”صحابة” تبسة
بن قرينة والعلاج في الخارج.. سقوط خطاب الشعبوية الدينية
تجار الدين يحاولون المتاجرة بمواقف الجزائر
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
بومدين.. “الجاهل” الذي غيّر وجه الجزائر!
الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ
بن قرينة والعلاج في الخارج.. سقوط خطاب الشعبوية الدينية
صرح رئيس حزب البناء بأنه سيغادر الوطن من أجل فترة علاج في الخارج تتطلب طبيبًا مختصًا غير م…
أحوال الناس
وزير المجاهدين وذوي الحقوق يقف على الاستعدادات الأخيرة للملحمة الفنية التاريخية “روح الجزائر”
وقف وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، مساء الثلاثاء بالمركب الأولمبي محمد بوضياف بالجزائر …





