“راديو الطروطوار” والتهويل السياسي
شهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة موجة تهويل واسعة رافقت بعض التغييرات السياسية والعسكرية التي قام بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في إطار صلاحياته الدستورية، سواء تعلق الأمر بإنهاء مهام أو تعيينات جديدة داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. هذا التفاعل المبالغ فيه كشف مرة أخرى حجم الأزمة السياسية والإعلامية التي يعيشها المجتمع الجزائري، حيث تتحول أي حركة داخل مؤسسات الدولة إلى مادة للإشاعات والتأويلات والقراءات غير الدقيقة التي تفتقر غالباً إلى المعلومات الموثوقة.
في الواقع، فإن من يعرف التاريخ السياسي الجزائري يدرك أن التغييرات داخل مؤسسات الدولة، سواء على مستوى الحكومات أو المؤسسة العسكرية، ليست حدثاً استثنائياً ولا مؤشراً بالضرورة على أزمة أو صراع داخلي كما يحاول البعض تصويره. فمنذ الاستقلال، شهدت الجزائر عشرات التغييرات في المناصب السياسية والعسكرية، شملت وزراء وقادة نواحٍ عسكرية ورؤساء حكومات وقادة أركان وقيادات أمنية، وكان بعضها يتم في ظروف حساسة، خاصة خلال مرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.
بل إن بعض تلك التغييرات قادت في مراحل معينة إلى توترات داخل المؤسسة العسكرية، كما حدث خلال محاولة التمرد التي قادها الراحل العقيد الطاهر زبيري سنة 1967 ضد الرئيس هواري بومدين، احتجاجاً على تغييرات وإعادة هيكلة أرادها بومدين داخل الجيش والدولة. ورغم حساسية تلك المرحلة، استطاعت الجزائر تجاوز الأزمة ومواصلة بناء مؤسساتها.
أما اليوم، وبعد ترسخ مؤسسات الدولة واستقرار آليات عمل النظام السياسي، فإن التغييرات التي تطال المسؤولين المدنيين والعسكريين أصبحت تدخل في إطار السير العادي لمؤسسات الدولة، مثلما يحدث في مختلف دول العالم. فرئيس الجمهورية، وفق الصلاحيات التي يحددها الدستور، يملك حق التعيين وإنهاء المهام في المناصب العليا، تبعاً لتقديراته السياسية والإدارية ومتطلبات المرحلة. كما أن تولي المسؤولية العمومية يبقى مرتبطاً بطبيعة المهام والظروف والمتغيرات التي قد تستدعي أحياناً إجراء تعديلات أو تجديداً في التسيير داخل مؤسسات الدولة.
في كثير من الدول، يواصل المسؤول الذي يغادر منصبه حضوره في النقاش العام، سواء من خلال العمل السياسي أو الإعلامي، حيث يقدم قراءته للتجربة التي عاشها أو يشرح للرأي العام بعض خلفيات خروجه من المسؤولية، في إطار حيوية سياسية ومؤسساتية طبيعية. أما في الجزائر، فإن محدودية النقاش السياسي المنظم وضعف التأطير الحزبي والإعلامي يجعلان الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي فضاءً أساسياً للتحليل والتفسير، فيما يُعرف شعبياً بـ”راديو الطروطوار”، حيث تختلط المعلومات بالتأويلات والإشاعات حول مختلف التعيينات والإقالات.
ولهذا تتحول أي إقالة أو تعيين في الجزائر سريعاً إلى موضوع للنقاش داخل المقاهي ووسائل النقل والأحياء ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يبدأ الجميع في تداول “معلومات مؤكدة” وتحليلات لا تستند في الحقيقة إلى مصادر موثوقة. وتتحول الإقالة في ظرف ساعات إلى “مؤامرة” أو “صراع أجنحة” أو حتى “انقلاب ناعم”، بينما قد تكون في الواقع مجرد قرار إداري أو سياسي عادي يدخل ضمن صلاحيات مؤسسات الدولة.
وفي ظل غياب مؤسسات سياسية قوية تقدم للرأي العام قراءات هادئة ومتوازنة، تبقى الساحة مفتوحة أمام الإشاعة والتهويل والتفسيرات المبالغ فيها. فالمجتمع الجزائري، بسبب ضعف التأطير السياسي، يعيش حالة فراغ تجعل أي تغيير إداري يتحول إلى قضية رأي عام مشحونة بالعاطفة والانفعالات.
ومن بين الأسباب التي تغذي هذا التهويل أيضاً، غياب ثقافة الاستقالة داخل النظام السياسي الجزائري، سواء لدى المسؤولين في السلطة أو حتى داخل المعارضة. فكثير من المسؤولين يتمسكون بمناصبهم إلى آخر لحظة، ولا يغادرونها إلا بقرار إنهاء المهام أو بسبب المرض أو التقدم في السن. ونفس الظاهرة نجدها داخل الأحزاب السياسية، حيث يرفض كثير من رؤساء الأحزاب مغادرة مواقعهم رغم تراجع حضورهم السياسي، بل إن بعضهم يواصل انتقاد السلطة بسبب “غياب التجديد”، بينما هو نفسه أصبح جزءاً من حالة الجمود التي ينتقدها.
النظام السياسي الجزائري يواجه بالفعل تحديات في تنشيط المجال السياسي والإعلامي وتأطير النقاش العام، وهو ما يجعل بعض التغييرات داخل مؤسسات الدولة تُستقبل أحياناً بكم كبير من التأويلات والتفسيرات المتباينة، في ظل ضعف الثقافة السياسية وغياب التأطير الحزبي والإعلامي القادر على تقديم قراءات هادئة ومتوازنة للرأي العام.
وقد وصل الأمر أحياناً إلى توظيف أحداث تاريخية قديمة في صراعات الحاضر بشكل مبالغ فيه. فخلال الفترة الأخيرة، خرجت شخصيات سياسية وإعلامية لإعادة فتح ملفات تعود إلى ستينيات القرن الماضي، بل إن شخصية سياسية سابقة ذهبت إلى حد مهاجمة الرئيس الراحل هواري بومدين بعد مرور عقود على وفاته، بسبب خلافه التاريخي مع فرحات عباس رحمه الله. والمفارقة أن بعض الخطابات الحالية تتعامل مع تلك الأحداث وكأنها صراعات قائمة اليوم، في محاولة لتصفية حسابات سياسية ورمزية مرتبطة بالماضي أكثر من ارتباطها بالحاضر.
الأخطر من ذلك هو وجود تيار عدمي داخل جزء من النخبة والمجتمع، يعتبر أن الجزائر مطالبة بإعادة فتح كل جراحها التاريخية، من قضية عبان رمضان رحمه الله إلى مختلف الخلافات التي عرفتها الثورة الجزائرية وبدايات الاستقلال، وكأن المطلوب إعادة بناء البلاد من الصفر عبر إعادة إنتاج صراعات الماضي.
هذا النوع من التفكير لا يساهم في بناء دولة أو صناعة مستقبل، بل يحول التاريخ الوطني إلى ساحة مواجهة دائمة لحل أزمات الحاضر. فبدل البحث عن حلول اقتصادية وسياسية حقيقية، يتم استدعاء شخصيات وأحداث تاريخية وتحويلها إلى أدوات للتجاذب السياسي والإعلامي.
أما فيما يتعلق بالتغييرات التي يقوم بها رئيس الجمهورية، فمن الطبيعي دستورياً وسياسياً أن يعين الرئيس من يراه مناسباً، وأن ينهي مهام من يرى أن المرحلة تتطلب استبداله. وهذا يحدث في مختلف الأنظمة السياسية في العالم. بل إن بعض الوزراء والمسؤولين الذين مروا على مناصب حساسة في الجزائر لم تكن لديهم، في الواقع، الخبرة أو الكفاءة الكافية لتولي تلك المسؤوليات، ومع ذلك تم تعيينهم ثم غادروا مناصبهم لاحقاً بشكل عادي.
كما أن تولي المناصب العليا في الدولة يبقى مرتبطاً بثقة المؤسسات وبمتطلبات المرحلة، في حين تبقى الاستقالة حالة مختلفة سياسياً وإدارياً، لأنها تعبر غالباً عن موقف أو اعتراض أو عدم انسجام مع توجه معين، لكنها تبقى نادرة في الحياة السياسية الجزائرية.
ويروى في هذا السياق أن مجاهداً كبيراً ـ أتحفظ هنا عن ذكر اسمه ـ التقى بالرئيس الراحل هواري بومدين، فطلب منه هذا الأخير تولي وزارة الصناعة. وبعد اللقاء مباشرة، غادر الرجل الجزائر سراً نحو دولة أوروبية واختفى لفترة. ولما سُئل لاحقاً عن سبب مغادرته، قال لمن حدثه: “أنت لا تعرف الرئيس هواري بومدين، فمن الصعب أن ترفض له طلباً”، ثم التزم الصمت.
هذه الحادثة، سواء اتفقنا مع تفاصيلها أو اختلفنا، تعكس طبيعة العلاقة القديمة بين السلطة والمسؤولية السياسية في الجزائر، كما تكشف كيف تغيرت الأمور اليوم، حيث أصبحت التغييرات في المناصب جزءاً من السير العادي لمؤسسات الدولة، حتى وإن بقي جزء من الرأي العام يتعامل معها بمنطق الإثارة والتهويل.
فالجزائر اليوم ليست جزائر الستينيات ولا السبعينيات، وهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى لإصلاح مؤسساتها، وبناء حياة حزبية وإعلامية أكثر نضجاً، قادرة على تأطير الرأي العام وتقديم قراءة عقلانية للأحداث، بدل ترك المجال للإشاعات و”راديو الطروطوار” الذي تحول، في كثير من الأحيان، إلى المصدر الرئيسي للتحليلات السياسية عند جزء واسع من الجزائريين.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أحمد مراني يفجرها: الحركة الإسلامية في الجزائر صُنعت لإسقاط الدولة
أثار تصريح أحمد مراني، أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، ووزير الشؤون الدينية الأ…






