هل نتخلى عن الجامعة ونغلق أبوابها؟
من غرائب الأمور في الجزائر، ومن بين الاختلالات التي يصعب على المتابع للسياسة الوطنية أن يفهمها، ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الداعي إلى ترقية الجامعة الجزائرية، وتحسين أدائها العلمي، وربطها بالمستوى المتعارف عليه دولياً، وبين بعض الممارسات السياسية والاجتماعية التي تبعث رسائل معاكسة تماماً لقيمة العلم، والشهادة، والكفاءة، والتأهيل.
فالسلطات الجزائرية تقوم، في السنوات الأخيرة، بعمل واضح من أجل تحسين أداء الجامعات الجزائرية، والرفع من مكانتها، وتشجيع البحث العلمي، وربط الجامعة بالتنمية، والعمل على استقطاب الكفاءات الجزائرية المقيمة في الخارج، ممن يمتلكون مؤهلات علمية كبرى وتجارب دولية معتبرة، مثل المخترع بلقاسم حبة، والدكتور إلياس زرهوني، وغيرهما من الجزائريين الذين يمثلون صورة مشرّفة للعقل الجزائري في الخارج.
هذا التوجه السياسي يشرف بلدنا، لأنه يعبر عن احترام العلم، وعن الرغبة في إعادة الاعتبار للجامعة والبحث والمعرفة. كما أنه ينسجم مع الحاجة الحقيقية إلى بناء دولة حديثة لا يمكن أن تقوم إلا على الكفاءة، والتكوين، والعلم، والتخصص، واحترام أصحاب الشهادات والخبرة. غير أن الإشكال يبدأ عندما ننتقل من هذا الخطاب الجميل إلى بعض القرارات أو الظواهر السياسية والاجتماعية التي يندى لها الجبين، وتبعث برسائل خطيرة إلى المجتمع.
كيف يمكن، في بلد يسعى إلى ترقية الجامعة واستقطاب الكفاءات العلمية، أن تُثار في الوقت نفسه أسئلة محرجة حول تعيين مسؤولين في مناصب عليا لا يملكون، حسب ما يتم تداوله، الحد الأدنى من المسار الدراسي أو التأهيل العلمي؟ وكيف يمكن أن نطالب الشباب الجزائري بالاجتهاد، والتحصيل، ودخول الجامعة، والبحث عن الشهادة، ثم يرى هذا الشباب أن الوصول إلى بعض المناصب العليا قد لا يحتاج، في بعض الحالات، لا إلى جامعة، ولا إلى بكالوريا، ولا حتى إلى مسار علمي واضح؟
هنا يكمن الخلل الحقيقي. لأن القضية ليست قضية شخص بعينه، ولا تصفية حسابات مع وزير أو مسؤول سابق أو حالي، بل هي قضية رسالة موجهة إلى المجتمع بأكمله. عندما يُنظر إلى منصب وزاري، وهو من أعلى المناصب التنفيذية في أي دولة، على أنه منصب يمكن أن يشغله شخص بلا تأهيل علمي كافٍ، فإن الرسالة التي تصل إلى التلاميذ والطلبة خطيرة جداً: لماذا نتعب؟ لماذا ندرس؟ لماذا نذهب إلى الجامعة؟ لماذا نسهر وننافس ونجتهد، إذا كانت أبواب المسؤولية يمكن أن تُفتح أحياناً بغير معيار الكفاءة والشهادة والتكوين؟
تعيين وزير سابق للشباب والرياضة، قيل إن مستواه الدراسي محدود جداً، إن صحت هذه المعلومة، لا يمكن اعتباره تفصيلاً عادياً. فالأمر، في حقيقته، يعطي للمجتمع الجزائري رسائل تتنافى كلياً مع التوجهات العلمية ومع عملية التأهيل التي تقوم بها الدولة لفائدة الجامعة والتعليم العالي. الأخطر من ذلك أن الوزير الذي لا يمتلك الحد الأدنى من التكوين العلمي والإداري قد لا تكون لديه القدرة الكافية على فهم توجيهات رئيس الجمهورية نفسها، ولا على تحويلها إلى برنامج عملي واضح داخل قطاعه.
وهنا يطرح السؤال المحير نفسه: كيف يمكن أن نرى هذا التناقض الصارخ بين سياستين متعاكستين؟ من جهة، خطاب رسمي يقدّر الجامعة، ويستقطب العلماء، ويرفع شعار الكفاءة، ويدعو إلى تطوير التعليم العالي. ومن جهة أخرى، ممارسات أو تعيينات أو ظواهر توحي بأن الشهادة ليست مهمة، وأن التحصيل ليس ضرورياً، وأن العلم يمكن تجاوزه في مواقع القرار. أليست هذه رسالة متناقضة للجامعة نفسها؟ أليست إهانة ضمنية للطالب والأستاذ والباحث والطبيب والمهندس وكل من أفنى سنوات من عمره في الدراسة والتكوين؟
نحن نعرف أن الرئيس عبد المجيد تبون يعطي أهمية خاصة للجامعة والتعليم، وأن خطابه الرسمي كثيراً ما يتضمن إشارات واضحة إلى قيمة العلم، ودور النخب، وضرورة تطوير البحث والابتكار. وهذا أمر إيجابي لا يمكن إنكاره. لكن المشكلة أن بعض الممارسات على الأرض تبدو أحياناً وكأنها تسير في اتجاه معاكس، أو على الأقل لا تنسجم مع هذا التوجه العام. ولذلك يصبح من حق المواطن أن يسأل: أين يكمن الخلل؟ ومن يبعث هذه الرسائل المتناقضة إلى المجتمع؟ ومن يتحمل مسؤولية ضرب قيمة الجامعة في الوعي الجماعي؟
إن الجزائر لا يمكن أن تنهض من دون علم. ولا يمكن لأي بلد أن يخرج من التخلف إذا جعل الشهادة مجرد ورقة، والكفاءة مجرد شعار، والجامعة مجرد ديكور اجتماعي. الدول لا تُبنى بالعشوائية، ولا بالمحاباة، ولا بالشعبوية، بل تُبنى بالعقل، والمؤسسات، والمعرفة، والتخصص، واحترام السلم الطبيعي للكفاءة. ومن دون ذلك، سنبقى ندور في الحلقة نفسها: نرفع شعارات كبرى عن التنمية، ثم نصطدم بواقع يضعف قيمة العلم ويشجع الرداءة.
والأمر لا يتوقف عند السياسة وحدها. فالتناقض نفسه نراه في المجتمع، عندما يصبح الطبيب، الذي درس وتكوّن وتحمل مسؤولية حياة الناس، في منافسة غير عادلة مع الراقي الجاهل أو الدجال الذي يبيع الوهم للناس، ويأخذ أموالاً طائلة، وقد يتسبب في تدهور حالات مرضية أو حتى في وفاة مواطنين، دون أن يواجه العقوبة نفسها التي قد يواجهها طبيب إذا ارتكب خطأ مهنياً. الطبيب قد تنهار حياته المهنية كلها بسبب خطأ طبي، بينما يواصل بعض المشعوذين تسويق الجهل باسم الدين أو الرقية أو العلاج الشعبي.
هذا التناقض خطير، لأنه لا يضرب فقط قطاع الصحة، بل يضرب فكرة العلم نفسها. عندما يساوي المجتمع بين الطبيب والدجال، وبين الأستاذ والجاهل، وبين الباحث والمهرج، وبين صاحب الشهادة والمتسرب، فإننا نكون أمام أزمة عميقة في الوعي. الجامعة هنا لا تُغلق أبوابها بقرار إداري، بل تُغلق رمزياً عندما يفقد المجتمع احترامه لمنطق العلم والتكوين.
صدمت بالأمس، وأنا أستمع إلى فيديو لشخص يؤكد أن وزير الرياضة لا يملك شهادة البكالوريا. لا أستطيع أن أجزم بصحة هذه المعلومة دون وثيقة رسمية، لكن مجرد تداولها بهذا الشكل يطرح مشكلة سياسية وأخلاقية وإعلامية. فإن كانت المعلومة غير صحيحة، فيجب توضيحها بوضوح حماية لسمعة المؤسسات. وإن كانت صحيحة، فهذه كارثة حقيقية ورسالة سلبية للمجتمع وللجامعة، لأنها تتناقض مع المجهود المشهود وطنياً ودولياً للرئيس عبد المجيد تبون في إعادة الاعتبار للعلم والتعليم والجامعة.
فماذا يحدث إذن؟ ولماذا هذا الخلل الذي نشاهده حتى على مستوى الخطاب الرياضي والإعلامي؟ كيف أصبحنا نرى متسربين مدرسياً أو أشخاصاً بلا تكوين حقيقي يقدمون أنفسهم كمحللين وخبراء، ويتحدثون عن مصير الرياضة في الجزائر، بل ويهينون لاعبين كباراً صنعوا المجد للكرة الوطنية، مثل رياض محرز، الذي يعتبره كثيرون أعظم لاعب كرة قدم في تاريخ الجزائر الحديثة؟
رياض محرز، وغيره من الأسماء الكبيرة، لم يصنعوا مسارهم بالصدفة. النجاح في الرياضة أيضاً علم، وانضباط، وتكوين، واحتراف، وذكاء تكتيكي، وقدرة على فهم منظومة كاملة. لذلك، عندما يخرج أشخاص بلا تكوين ولا تجربة عميقة ليهينوا هذه الأسماء، فإن المشكلة لا تكون في النقد الرياضي، بل في انحطاط مستوى النقاش العام، وفي صعود الرداءة إلى مواقع التأثير.
هذه الظواهر الاجتماعية تشكل خطراً حقيقياً على دور الجامعة والتحصيل العلمي، تماماً كما يشكل الكهنوت الديني والشعوذة خطراً على العلم والمجتمع، من خلال ترويج الأكاذيب والمغالطات العلمية وحتى المنطقية البسيطة. فالمشكلة ليست في وجود أشخاص لم يكملوا تعليمهم ونجحوا في مجالات معينة، فهذا أمر يحدث في كل المجتمعات، ولا يجوز احتقار أي مواطن بسبب مساره الدراسي. المشكلة تبدأ عندما يتحول ضعف التكوين إلى معيار عادي في مواقع القرار، وعندما تصبح الرداءة صوتاً أعلى من الكفاءة، وعندما يُطلب من الجامعة أن تنتج النخب، بينما تُهمَّش هذه النخب في الواقع.
لذلك، السؤال ليس ساخراً فقط، هل نتخلى عن الجامعة ونغلق أبوابها؟ بل هو سؤال جوهري عن معنى الدولة التي نريد بناءها. إذا كنا نؤمن فعلاً بالعلم، فعلينا أن نحترم أهله. وإذا كنا نريد جامعة قوية، فعلينا أن نجعل الكفاءة معياراً في التعيين، والخبرة شرطاً في المسؤولية، والشهادة قيمة لا ديكوراً. أما أن نطلب من الشباب أن يدرس ويتعب ويتفوق، ثم يرى أن الطريق إلى القرار قد يمر أحياناً من خارج العلم والكفاءة، فذلك تناقض لا يخدم الجزائر، ولا يخدم الجامعة، ولا يخدم مستقبل الدولة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل الأحزاب مسؤولة وحدها عن ضعف المشاركة؟
سجلت الانتخابات التشريعية الأخيرة نسبة مشاركة منخفضة، أرجعها البعض إلى فشل الأحزاب السياسي…






