الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ
الزيارات المتعددة من وإلى الجزائر أعادت للبلد دوره المحوري إقليمياً ودولياً بعد سنوات طويلة من الانكماش والعزلة التي فرضتها ظروف داخلية وإقليمية معقدة. فالزيارة التي قام بها قداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، واختلاطه بالجزائريين مشياً على الأقدام في شوارع العاصمة، أعادت تلك الصورة البراقة التي غيبتها سنوات السواد، وبعثت برسالة قوية إلى العالم مفادها أن الجزائر بلد تسامح وتعايش، وأرض ساهمت عبر تاريخها في بناء الحضارات المتوسطية والديانات الكبرى، من خلال شخصيات فكرية ودينية بارزة مثل القديس أوغسطين، وقبله القديس دونات الموحد.
الزيارات السياسية والاقتصادية أصبحت اليوم تملأ مطار هواري بومدين الدولي، الذي لم يعد يخلو أسبوعياً من استقبال شخصية دولية أو رئيس دولة أو وفود اقتصادية وأمنية رفيعة المستوى، وهو ما يعكس عودة الجزائر التدريجية إلى لعب دورها الإقليمي والدولي كلاعب محوري في المنطقة.
الوفود تأتي من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بعضها للاستثمار وعقد الشراكات الاقتصادية، وبعضها الآخر للتشاور السياسي في عالم متقلب يزداد خطورة يوماً بعد يوم بسبب الحروب والصراعات الدولية التي تهدد مصائر الدول والشعوب، كما يحدث اليوم في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. وفي عالم فقد الكثير من توازنه وأصبح يؤمن أكثر بمنطق القوة والعنف، تبدو الجزائر كواحة استقرار وأمن وهدوء، يقصدها الجميع بحثاً عن شريك موثوق أو وسيط متزن أو حتى للاستفادة من تجربتها السياسية والدبلوماسية.
فرنسا، من جهتها، بدأت تعيد حساباتها بعد فترة من التوتر والتشنج خسرت خلالها الكثير من مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في الجزائر. وقد اعترف عدد من السياسيين والاقتصاديين الفرنسيين بأن العلاقات مع الجزائر أصبحت أكثر تنافسية، ولم تعد كما كانت في السابق، حين كانت بعض الشركات الفرنسية تحصل على الصفقات بفضل النفوذ السياسي والتاريخ الاستعماري. واليوم تبدو باريس مجبرة على مراجعة سياستها تجاه الجزائر، خاصة مع تراجع تأثير التيار المتطرف والعنصري المرتبط بأحفاد الكولون، الذين ظلوا لسنوات يدفعون نحو تأزيم العلاقات ويحلمون بنوع من الانتقام التاريخي من الجزائر المستقلة.
سنوات الرئيس عبد المجيد تبون حولت الجزائر إلى محطة دولية مهمة، تتنافس الدول الكبرى على زيارتها واستضافة رئيسها وعقد الشراكات معها، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الاستراتيجية. وقد ظهر ذلك بوضوح في العلاقات المتنامية مع تركيا والصين وروسيا وإيطاليا وقطر ودول إفريقية عديدة، إلى جانب الاهتمام الأمريكي المتزايد بالجزائر باعتبارها قوة إقليمية مستقرة وفاعلاً أساسياً في قضايا الطاقة والأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب.
ومع مرور الوقت أصبحت صورة الجزائر أكثر وضوحاً لدى القوى الدولية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى روسيا مروراً بالصين وتركيا وأوروبا. الجميع بات يدرك طبيعة السياسة الخارجية الجزائرية القائمة على عدم التدخل في شؤون الدول، واحترام سيادة الشعوب، والدفاع عن القانون الدولي، ورفض منطق الأحلاف والهيمنة. والجميع يعرف أيضاً أن الجزائر من الدول القليلة التي ما تزال تدعو إلى الحلول السلمية والحوار في عالم تسوده الفوضى والتصعيد العسكري.
الجزائر قدمت خلال السنوات الأخيرة صورة مختلفة عن نفسها، وصححت الكثير من الصور النمطية التي حاولت أطراف داخلية وخارجية ترسيخها لعقود طويلة. فقد استطاعت أن تقدم نفسها كدولة مستقرة ومؤثرة، قادرة على حماية مؤسساتها، وجذب الاستثمارات، والعودة بقوة إلى الساحة الدولية، بعدما حاولت جهات عديدة تشويه صورتها والإساءة إلى تاريخها وشعبها.
ولم تكن كل هذه التحولات لتتحقق لولا إيمان الجزائريين بتاريخهم الوطني ووعيهم بأهمية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها. فالجزائر ليست دولة طارئة في التاريخ، بل بلد ساهم في صناعة الحضارة المتوسطية، واحتضن شخصيات فكرية ودينية مؤثرة، كما لعبت ثورته التحريرية دوراً محورياً في تحرير إفريقيا وإلهام حركات التحرر في العالم. ولذلك فإن عودة الجزائر اليوم إلى الواجهة الدولية ليست مجرد ظرف عابر، بل تعبير عن استعادة بلد كبير لمكانته الطبيعية بين الأمم.
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
بومدين.. “الجاهل” الذي غيّر وجه الجزائر!
الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ
الجزائر تتنقل من مافيا إلى أخرى؟!
من يقود “المراركة”؟
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
أعلنت روسيا نجاح تجربة جديدة للصاروخ الباليستي العابر للقارات “سارمات”، المعروف لدى حلف شم…
أحوال الناس
تسليم أولى تراخيص تنظيم العمرة لهذا الموسم لوكالات السياحة والأسفار المؤهلة
تم اليوم الاثنين تسليم أولى تراخيص تنظيم العمرة لموسم 1446 هجري لوكالات السياحة والأسفار …





