الصندوق الذي حرّر الجزائر لا يجوز أن نهجره
في ذكرى الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، لا تقف الجزائر أمام مناسبة احتفالية عابرة، بل أمام لحظة ضمير وطني تستدعي التأمل في معنى الحرية، ومعنى السيادة، ومعنى أن يكون للشعب صوت يقرر به مصيره.
فالخامس من جويلية لم يكن هدية من أحد، ولم يكن نتيجة مساومة باردة في دهاليز السياسة، بل كان تتويجاً لمسار طويل من الدماء والتضحيات والمقاومة. غير أن لحظة الحسم الأخيرة، بعد ثورة عظيمة أنهكت الاستعمار وكسرت مشروعه الاستيطاني، جاءت عبر استفتاء تقرير المصير، حين توجه الجزائريون إلى الصندوق ليقولوا للعالم إن الجزائر تريد الاستقلال.
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً.
تخيلوا لو أن الجزائريين يومها تعاملوا مع التصويت كما يتعامل معه كثيرون اليوم. تخيلوا لو غابت الأغلبية، أو قالت إن الصندوق لا يغيّر شيئاً، أو تركت غيرها يقرر مكانها. تخيلوا لو لم يصوّت الجزائريون لصالح استقلالهم. هل كنا اليوم نحتفل بعيد الاستقلال؟ هل كانت الراية الوطنية ترفرف فوق مؤسسات الدولة؟ هل كنا نملك جيشاً وطنياً، وحدوداً، ودبلوماسية، وقراراً سيادياً؟
لقد كان التصويت يومها فعلاً تاريخياً بامتياز. ورقة في الصندوق، لكنها كانت امتداداً لدماء الشهداء، وخاتمة سياسية لمسيرة الكفاح المسلح، وإعلاناً نهائياً بأن الشعب الجزائري لا يقبل أن يبقى تحت أقدام الكولون، ولا تحت نير الاستعمار الغاشم.
لذلك، فإن العزوف الانتخابي اليوم لا يمكن أن يُقرأ كرقم عادي في نشرات النتائج. إنه رسالة سياسية يجب الإصغاء إليها، لكنه أيضاً خلل في الوعي المواطني ينبغي التنبيه إليه. صحيح أن المواطن قد يكون غاضباً من الأحزاب، محبطاً من الخطاب السياسي، غير مقتنع بالوجوه المعروضة عليه، أو فاقداً للثقة في جزء من المشهد العام. لكن الصحيح أيضاً أن الغياب لا يصنع بديلاً، والصمت لا يغيّر القوانين، وترك الصندوق فارغاً لا ينتج برلماناً أفضل.
لقد دفع جيل الثورة حياته ثمناً حتى يكون للجزائري حق الاختيار. أما اليوم، فإن بعض الجزائريين يتخلون طوعاً عن هذا الحق، ثم يعودون بعد ذلك للاحتجاج على النتائج، وعلى القوانين، وعلى أداء المنتخبين. وهذه مفارقة مؤلمة. فلا يمكن لمن يغيب يوم القرار أن يطالب دائماً بأن تشبهه النتائج، ولا يمكن لمن يترك غيره يختار أن يندهش حين لا يجد نفسه ممثلاً في المؤسسات.
إن الوفاء للشهداء لا يكون فقط برفع الراية الوطنية في المناسبات، ولا بترديد الشعارات، ولا باستحضار صور الثورة في الخطب الرسمية. الوفاء الحقيقي هو أن نحمي المعنى الذي استشهدوا من أجله: أن يكون الجزائري سيداً في وطنه، صاحب صوت، صاحب قرار، وشريكاً في بناء الدولة، لا مجرد متفرج غاضب على هامشها.
ومن أخطر ما يروج أحياناً في بعض النقاشات السطحية ذلك الوهم القائل إن الجزائر لو بقيت فرنسية لكان حالها أفضل. وهذه مغالطة تاريخية وسياسية وأخلاقية. فالاستعمار لم يكن مشروع رفاه، بل كان مشروع قهر ونهب وطمس هوية. لم يكن الجزائري في وطنه مواطناً كاملاً، بل كان خاضعاً لنظام تمييز وإقصاء واستغلال.
ومن يعتقد أن البقاء تحت الراية الفرنسية كان سيجعل الجزائر نسخة من فرنسا الأوروبية، فما عليه إلا أن ينظر إلى واقع كثير من أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، التي تحمل الصفة الفرنسية، لكنها لا تعيش بالضرورة مستوى فرنسا المتروبولية، وتعاني من اختلالات اجتماعية وتنموية عميقة.
الاستعمار لا يصنع الكرامة. والتبعية لا تصنع السيادة. والمواطنة المنقوصة لا تعوض امتلاك شعب لقراره الوطني. لذلك اختار الجزائريون سنة 1962 الطريق الأصعب، لكنه الطريق الأشرف: طريق الدولة الوطنية المستقلة.
غير أن الاستقلال لا يعني نهاية المسؤولية، بل بدايتها. فبناء الدولة أصعب من تحرير الأرض، وصيانة السيادة لا تكون فقط بحماية الحدود، بل أيضاً ببناء مؤسسات قوية، وحياة سياسية نظيفة، ومواطن واعٍ لا يكتفي بالنقد من بعيد.
السياسة لا تعترف بالفراغ. من لا يصوّت، يصوّت غيره مكانه. ومن لا يشارك، يشارك غيره في صناعة القانون. ومن لا يحضر في لحظة الاختيار، سيحضر لاحقاً فقط كمتضرر من نتائج لم يساهم في تغييرها.
إن ذكرى الاستقلال تضعنا جميعاً أمام سؤال واضح: ماذا فعلنا بالحرية التي انتزعها الشهداء؟ هل حولناها إلى وعي ومشاركة ومسؤولية، أم تركناها تتحول إلى ذكرى احتفالية منفصلة عن واقعنا السياسي؟
لقد صوّت الجزائريون ذات يوم ليخرجوا من الاستعمار. واليوم، على الجزائري أن يصوّت حتى لا يخرج من دائرة التأثير. الفرق كبير بين استفتاء تقرير المصير والانتخابات التشريعية، لكن القاعدة واحدة: الشعوب التي تهجر الصندوق تترك مصيرها لغيرها.
في الخامس من جويلية، ننحني إجلالاً للشهداء، لكن الوفاء لهم لا يكتمل إلا حين نرفع رؤوسنا كمواطنين فاعلين، لا كأغلبية صامتة. فالجزائر لم تتحرر بالصمت، ولم تسترجع سيادتها بالغياب، ولم تسقط أقدام الكولون عن أرضها لأن الناس تركوا غيرهم يقررون مكانهم.
الصندوق الذي كان يوماً طريقاً إلى الحرية لا يجوز أن يتحول اليوم إلى مقعد فارغ. والصوت الذي افتداه الشهداء بالدم لا يجوز أن يموت في الصمت. فالاستقلال مسؤولية، والسيادة مسؤولية، والمواطنة مسؤولية، ومن لا يشارك في صناعة مستقبل وطنه يترك غيره يصنعه له.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ضعف نسبة المشاركة لا يسقط البرلمان: الأغلبية الصامتة.. الخاسر الأكبر في التشريعيات
لم تكن النتيجة الأهم في تشريعيات 2 جويلية 2026 هي فقط معرفة الأحزاب الفائزة، أو توزيع المق…






