‫الرئيسية‬ الأولى شكراً رياض محرز..
الأولى - رأي - رياضة - مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

شكراً رياض محرز..

شكراً رياض محرز..
أعلن رسمياً قائد “الخضر”، رياض محرز، اعتزاله اللعب دولياً بعد الخسارة المريرة أمام المنتخب السويسري ومغادرة الجزائر كأس العالم، ليطوي بذلك واحداً من أجمل الفصول في تاريخ الكرة الجزائرية الحديثة. لم يكن الإعلان عادياً، لأن الأمر لا يتعلق بلاعب عابر مرّ على المنتخب الوطني ثم غادر، بل بقائد حمل قميص الجزائر لسنوات طويلة، ورفع علمها في أكبر الملاعب، وصنع صورة اللاعب الجزائري الأنيق، الموهوب، الهادئ، والمتشبع بروح الانتماء.

اعتزال رياض محرز جاء في لحظة مؤثرة، بعد مشوار طويل مع المنتخب الوطني، وبعد حملة تشويه وانتقاص لا مثيل لها تعرض لها خلال السنوات الأخيرة من بعض الأصوات التي نصّبت نفسها وصية على الكرة الجزائرية، دون أن تملك لا الذاكرة الكروية الكافية، ولا الرصيد الفني الذي يسمح لها بمحاكمة واحد من أعظم اللاعبين الذين أنجبتهم الجزائر في العصر الحديث. لقد قيل في محرز ما لا يليق أبداً بما قدمه هذا اللاعب للجزائر، وقيل عنه ما لا يقال حتى في من خذلوا فعلاً الرياضة الوطنية.

رياض محرز ليس مجرد لاعب كرة قدم. إنه قصة جزائرية كاملة، بدأت من أحياء العاصمة الفرنسية، من طفل فقد والده مبكراً، وكبر وسط الصعوبات، ثم شق طريقه بموهبته وصبره وإرادته حتى أصبح واحداً من نجوم الكرة العالمية. مسيرة محرز ليست حكاية لاعب احترف في أوروبا فقط، بل حكاية إصرار استثنائي، من ملاعب الظل إلى أضواء الدوري الإنجليزي، ومن لاعب كان يبحث عن فرصة إلى نجم رفع الألقاب التي لا يحلم كثير من منتقديه حتى بالاقتراب من قيمتها الرمزية.

لقد ألهم محرز عشرات الآلاف من الشباب الجزائريين، داخل الوطن وخارجه. ألهمهم لأنه أثبت أن ابن الأحياء الشعبية يمكنه أن يصل إلى أعلى المستويات، وأن اللاعب الجزائري قادر على فرض نفسه في أقوى البطولات العالمية، ليس بالصراخ ولا بالادعاء، بل بالموهبة، الانضباط، الذكاء الكروي، والعمل الصامت. ولذلك فإن اختزال مسيرته في بعض المباريات أو بعض الفترات الصعبة ظلم كبير للاعب كتب اسمه في سجل الكرة الجزائرية بحروف من ذهب.

التحق رياض محرز بالمنتخب الوطني بعد تألقه في الكرة الإنجليزية، ثم أصبح مع مرور السنوات أحد أهم أعمدة “الخضر”، وواحداً من أكثر اللاعبين تأثيراً في نتائج المنتخب وصورته. ومع الجزائر، عاش لحظات كبيرة، أهمها المساهمة في التتويج التاريخي بكأس إفريقيا للأمم 2019 في القاهرة، وهي الكأس الثانية في تاريخ الجزائر، والتي أعادت المنتخب الوطني إلى قمة القارة بعد سنوات طويلة من الانتظار.

في تلك الدورة، لم يكن محرز مجرد لاعب ضمن المجموعة، بل كان قائداً فنياً وروحياً. هدفه التاريخي أمام نيجيريا في نصف النهائي سيبقى واحداً من أكثر الأهداف رسوخاً في ذاكرة الجزائريين، ليس فقط لأنه جاء في الدقيقة الأخيرة، بل لأنه جسّد شخصية لاعب يعرف كيف يتحمل المسؤولية في اللحظات الحاسمة. كان ذلك الهدف إعلاناً بأن الجزائر تملك قائداً قادراً على تحويل الضغط إلى مجد، والخوف إلى فرحة وطنية عارمة.

رياض محرز حمل اسم الجزائر وعلمها في أوروبا، وفي إفريقيا، وفي آسيا، وقدم صورة مشرّفة للاعب الجزائري في مختلف القارات. لعب في أقوى البطولات، واجه كبار النجوم، رفع الألقاب، وصنع لنفسه مكانة لا يمكن إنكارها في تاريخ كرة القدم الجزائرية والعربية والإفريقية. وفي البطولة الإنجليزية، إحدى أشرس وأصعب البطولات الوطنية في العالم، كان محرز سفيراً فوق العادة للجزائر، لا بالكلام، بل بالقدم اليسرى التي أرهقت المدافعين وصنعت الفارق.

يصعب تعداد فضائل هذا اللاعب على كرة القدم الجزائرية. ويكفي أن نقول إن قدوم العديد من اللاعبين مزدوجي الجنسية واختيارهم تمثيل بلدهم الأصلي لم يكن بعيداً عن تأثير رياض محرز وصورته العالمية. لقد رأى كثير من الشباب في محرز نموذجاً ناجحاً للاعب جزائري يمكنه أن يلمع في أعلى المستويات دون أن يتخلى عن جذوره، ودون أن يساوم على قميص بلده.

اليوم، وبعد رحيل محرز عن المنتخب، يأتي دور الجيل الجديد. هؤلاء اللاعبون الذين يأتون بعده يحتاجون إلى رعاية حقيقية، وإلى مشروع فني واضح، وإلى مدرب كفء يفجر قدراتهم، لا إلى سياسة الارتجال و”البريكولاج” التي أضاعت على الكرة الجزائرية فرصاً كثيرة. المنتخب الوطني لا يمكن أن يُدار بمنطق ردود الفعل، ولا بمنطق المجاملات، ولا بمنطق الحسابات الضيقة. إنه واجهة وطنية، ويجب أن يُعامل كملف استراتيجي في الرياضة والدبلوماسية والقوة الناعمة.

على الدولة الجزائرية أن تضع العناية بالمنتخب الوطني ضمن أولوياتها الرياضية والدبلوماسية. فالمنتخب ليس مجرد فريق يشارك في المنافسات، بل هو صورة الجزائر في الخارج، وامتداد رمزي لهويتها، ووسيلة من وسائل حضورها الناعم في العالم. الدول الكبرى فهمت منذ زمن أن الرياضة ليست ترفاً، وأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل قطاع اقتصادي وسياسي ودبلوماسي وإعلامي متكامل، ومن لا يستثمر فيه بجدية يترك صورته في يد الصدفة والفوضى.

وللجزائر خصوصية لا تشبه كل البلدان. فالمنتخب الوطني الجزائري ليس منتخباً كبقية المنتخبات. قميص “الخضر” له تاريخ خاص، لأنه يرتبط بذاكرة الثورة التحريرية وبفريق جبهة التحرير الوطني، ذلك الفريق الذي أسسه رجال آمنوا بأن الكرة يمكن أن تكون صوتاً للقضية الجزائرية في المحافل الدولية. لقد أسس العقيد عمر بوداود، رحمه الله، ورفاقه، فريقاً لم يكن يلعب من أجل نتيجة رياضية فقط، بل من أجل رفع العلم الجزائري في زمن كانت فيه الجزائر تقاتل من أجل استقلالها، ومن أجل أن يسمع العالم بتضحيات شعب كامل في سبيل حريته.

هذه الخصوصية يجب ألا تُنسى. فمن يشرف على المنتخب الوطني، لاعباً كان أو مدرباً أو مسؤولاً، يجب أن يفهم أن الأمر يتجاوز المستطيل الأخضر. هذا المنتخب خرج من رحم الذاكرة الوطنية، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بوعي، احترام، واحتراف. لا ينبغي أن يتحول قطاع الرياضة إلى فضاء مفتوح لكل من هب ودب، ولا إلى منبر للتهديم المجاني، ولا إلى ساحة يتصدرها من لا يملكون أدوات التحليل ولا الحد الأدنى من الثقافة الرياضية.

نحن من أوائل الدول التي أسست مؤسسات للتكوين الرياضي، وعلى رأسها المعهد العالي للرياضة، ومع ذلك ما زلنا نرى في الفضاء الإعلامي والرياضي أصواتاً تتحدث بثقة مفرطة وهي لا تملك لا تكويناً ولا تجربة ولا رؤية. المشكلة ليست في النقد، فالنقد مطلوب وضروري، بل في الهدم. هناك فرق كبير بين من ينتقد ليبني، ومن يهاجم ليحطم. ورياض محرز كان، للأسف، ضحية هذا النوع الثاني من الخطاب.

لقد حورب محرز في الجزائر بطريقة قاسية. انتُقص من وطنيته، وشُكك في إرادته، وحاول البعض تصويره وكأنه عبء على المنتخب، لا واحد من أعمدة مجده الحديث. وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بمنعه من حضور آخر كأس عالم في مسيرته الدولية، وكأنهم يريدون أن يغلقوا الباب في وجه لاعب أفنى سنوات طويلة في حمل القميص الوطني، وقدم للجزائر ما لم يقدمه كثير ممن يرفعون أصواتهم اليوم باسمه وباسم الوطنية.

قيل في رياض محرز ما لم يقل في أعداء الجزائر الحقيقيين، وكم هم كثر اليوم. أسيء إليه أيما إساءة، وتعرض لحملة لا يتذكر الجمهور الجزائري أن لاعباً آخر تعرض لمثلها بهذا الحجم وبهذه القسوة. ومع ذلك، ظل محرز صامتاً، مبتسماً، هادئاً، لا يرد على الإساءة بالإساءة، ولا يدخل في معارك جانبية، ولا يمنح خصومه شرف إسقاطه إلى مستوى الخطاب الرديء. كان رده دائماً فوق الميدان، وبطريقته الهادئة، الحكيمة، والراقية.

حتى في اللحظات التي كان فيها محرز يحتاج إلى الإنصاف، انشغلت بعض المنابر بفتح المجال لمن ينتقص منه، أو بتكريم وجوه فنية لم تقدم للجزائر ما قدمه قائد “الخضر”. كان المشهد مؤلماً، لأن اللاعب الذي رفع علم الجزائر في أصعب الملاعب وجد نفسه أحياناً مضطراً للدفاع عن وطنيته أمام من لم يقدموا شيئاً لهذا العلم سوى الكلام الجارح.

ومع ذلك، غادر رياض محرز المنتخب الوطني بعد أن ساهم في بلوغ الجزائر الأدوار الإقصائية في كأس العالم، وهو الأمر الذي كان يريده بكل جوارحه. كان يريد أن يخرج من الباب الواسع، وأن يقول كلمته الأخيرة داخل الملعب، لا في استوديوهات الصراخ. ورغم أن الخروج أمام سويسرا كان مؤلماً، فإن محرز غادر وهو يحمل حصيلة لا يمكن محوها، ومسيرة لا يمكن اختزالها في مباراة، ولا في حملة، ولا في لحظة حزن.

لقد سررت حقاً عندما شاهدت انتفاضة حقيقية للدفاع عن رياض محرز، شارك فيها لاعبون قدامى، وختمها موقف رسمي من وزير الشباب والرياضة، في رسالة كان يجب أن تصل منذ زمن: لا يجوز أن نترك رموزنا وحدهم أمام حملات الهدم. الدول التي تحترم نفسها تحمي رموزها، لا تقدسهم ولا تمنع نقدهم، لكنها لا تتركهم فريسة للرداءة الإعلامية ولا للخطاب الشعبوي الذي يحطم كل شيء ثم يتحدث باسم الغيرة على الوطن.

الجزائر، كما كتب عنها المثقف الجزائري الكبير مصطفى لشرف، صاحب كتاب “الجزائر أمة ومجتمع”، عرفت عبر تاريخها صراعاً بين منطق الدولة ومنطق الفوضى، بين البناء والهدم، بين الوعي والانفعال. وما نراه اليوم في بعض قطاعات الحياة العامة، ومنها الرياضة، ليس سوى امتداد لهذا الصراع. هناك ذهنية لا تؤمن بالمؤسسات، ولا بالتكوين، ولا بالخبرة، ولا بالرموز، بل تؤمن فقط بالتحطيم والتشكيك والانتقاص من كل من ينجح.

هذه الذهنية هي الخطر الحقيقي على دولة الشهداء. ليست المشكلة في اختلاف الرأي، ولا في نقد لاعب أو مدرب أو مسؤول، بل في تحويل النقد إلى معول هدم، وفي جعل الرداءة سلطة معنوية تحاكم الكفاءات والرموز. ومن واجب الجزائريين، إذا أرادوا الحفاظ على صورة بلدهم ودولتهم ومؤسساتهم، أن يحذروا من هذا الزحف القاتل الذي يدمّر كل شيء في طريقه، باسم الوطنية أحياناً، وباسم الغيرة أحياناً أخرى.

شكراً رياض محرز على كل ما قدمته للجزائر طوال سنوات وجودك في المنتخب الوطني. شكراً لأنك رفعت علم الجزائر في كل قارة لعبت فيها. شكراً لأنك منحت الشباب الجزائري صورة لاعب يمكنه أن يصل إلى العالمية دون أن يتنكر لأصله. شكراً لأنك قدمت صورة الجزائري المتحضر، الهادئ، الموهوب، والواثق من نفسه أمام العالم.

قد يغادر محرز المنتخب اليوم، لكن أثره لن يغادر الذاكرة. ستبقى أهدافه، تمريراته، لمساته، ابتسامته، وهدوؤه جزءاً من قصة “الخضر” في هذا العصر. وستبقى مسيرته دليلاً على أن العظماء لا تصنعهم الضوضاء، بل تصنعهم الموهبة والعمل والصبر والوفاء.

شكراً رياض. لقد قلت كلمتك فوق الميدان، وهذا هو الرد الذي لا يقدر عليه إلا الكبار.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

هل نتخلى عن الجامعة ونغلق أبوابها؟

من غرائب الأمور في الجزائر، ومن بين الاختلالات التي يصعب على المتابع للسياسة الوطنية أن يف…