لماذا تخاف الجزائر من النقاش الديني؟
رغم أن الجزائر عاشت واحدة من أسوأ التجارب التي كادت أن تدمر كيان الدولة، خلال أكثر من عشر سنوات من الإرهاب الذي ارتبط بصعود تيارات دينية متطرفة ودخيلة على المرجعية الدينية الوطنية، فإن التردد الذي نلاحظه اليوم في فضح هذه التيارات ومناقشة أفكارها يبقى أمرًا محيرًا، بل ومخيفًا في بعض الأحيان.
لقد ظهرت هذه التيارات منذ سبعينيات القرن الماضي في سياق صراع مع التيار الوطني الذي تبنته الدولة آنذاك، غير أن استمرار تأثيرها إلى اليوم، رغم ما خلفته من مآسٍ، يطرح أكثر من علامة استفهام. فبدل أن تكون تلك المرحلة منطلقًا لنقاش فكري عميق يقطع مع التطرف، نجد نوعًا من التخاذل أو الصمت تجاه خطاب لا يزال يسيء إلى تاريخ نضال الشعب الجزائري.
لا يختلف كثيرون على أن هذه التيارات، بخطابها المتشدد والمتنكر للخصوصية الدينية الجزائرية، تسعى إلى تقويض أسس الدولة، بدءًا من التشكيك في تاريخها، مرورًا بتكفير رموزها، وصولًا إلى الطعن في الثورة التحريرية نفسها، التي شكلت أساس الاستقلال الذي تستفيد منه هذه التيارات اليوم.
المثير للقلق أن النخب الثقافية لا تتحرك بالقدر الكافي لفضح هذا التيار، تاركة المجال أمامه للتوسع داخل أوساط الشباب، الذين أصبح بعضهم يجهل حتى أبسط المحطات في تاريخ بلاده، نتيجة تأثير خطاب ديني معولم يعيد تشكيل وعيه. وهنا تظهر حالة من الانفصال بين الشاب وتاريخه الوطني، بل وحتى مع التدين الذي عرفه أجداده، والذي كان مرتبطًا بالمقاومة والهوية.
المثقف الجزائري، خاصة في بعض توجهاته، يبدو مترددًا، إن لم نقل عاجزًا، عن خوض هذا النقاش، إما بسبب حساسية الموضوع، أو الخوف من التبعات، أو نتيجة غياب الحماية الكافية له. ورغم وجود استثناءات، إلا أنها تبقى محدودة التأثير في ظل بيئة لا تشجع على المواجهة الفكرية المفتوحة.
كما أن العلاقة المعقدة بين السلطة والمثقف، والتي تعود جذورها إلى مراحل تاريخية حساسة، ما زالت تلقي بظلالها على واقع النقاش اليوم، وتساهم في كبح أي محاولة جادة لفتح ملف التيارات الدينية المتشددة بشكل صريح.
ورغم سنوات الرعب التي عاشتها الجزائر بسبب التطرف، لا يزال نقد هذه التيارات وفضح خطابها يُعتبر في كثير من الأحيان من المحظورات غير المعلنة، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك والتوسع، خاصة داخل فئات غير محصنة فكريًا ودينيًا، تقبل هذا الخطاب دون تمحيص، رغم ما يحمله من تهديد لهويتها وتاريخها.
إن التماهي مع تيارات وافدة، سواء كانت وهابية أو سلفية أو غيرها، يُعد في نظر كثير من المتابعين طعنًا في تاريخ التدين الجزائري، الذي تشكل عبر قرون من التفاعل مع الواقع المحلي. هذه التيارات لا تكتفي بمخالفة هذا الإرث، بل تعمل على إلغائه، عبر خطاب إقصائي يكفر كل ما لا ينسجم معها.
ورغم بعض المبادرات الفردية التي حاولت تفكيك هذا الخطاب، إلا أنها لم تحظ بالدعم الإعلامي الكافي، في ظل هيمنة خطاب ديني آخر أكثر انتشارًا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، إلى جانب ضعف الوعي الديني لدى جزء من المجتمع، والخوف من مواجهة هذا التيار بشكل مباشر.
في المقابل، تبدو المؤسسات الرسمية، في نظر كثيرين، وكأنها تكتفي بالمراقبة دون تدخل فعال، رغم خطورة ما يحدث. فالهجوم على الهوية الدينية لا يتم فقط في المساجد، بل أيضًا عبر الفضاء الرقمي، حيث تنتشر خطابات متشددة تستهدف إعادة تشكيل وعي الأفراد.
والمفارقة أن بعض الدول التي كانت تُعد حاضنة لهذه التيارات، بدأت في السنوات الأخيرة تقليص نفوذها داخل مجتمعاتها، في إطار مراجعات داخلية، بينما تواصل هذه الأفكار التغلغل في مجتمعات أخرى، من بينها الجزائر، مستفيدة من غياب المواجهة الفكرية المنظمة.
كما أن هذه التيارات تعتمد على مظاهر التدين الخارجي لنشر أفكارها، مع تجنب أي نقاش عقائدي عميق، رغم أن مواقفها في هذا المجال تبقى محل جدل واسع داخل العالم الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بنظرتها إلى بقية المذاهب والتيارات.
في ظل كل ذلك، تبدو الجزائر وكأنها ترى الخطر أمامها، وتدركه، لكنها لم تطور بعد الأدوات الكفيلة بمواجهته بفعالية. فالتحدي اليوم لا يقتصر على الأمني، بل يمتد إلى الثقافي والفكري، وهو ما يتطلب مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للنقاش الديني الرصين.
إن استمرار هذا الوضع، دون فتح نقاش جاد ومسؤول، قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين المجتمع وتاريخه، ويترك المجال مفتوحًا أمام خطاب متشدد يعيد إنتاج الأزمات. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، ليس في وجود هذه التيارات فقط، بل في العجز عن مواجهتها فكريًا.
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
لماذا تخاف الجزائر من النقاش الديني؟
لماذا تخاف الجزائر من النقاش الديني؟
بوعلام صنصال.. من “فرنسي مضطهد” إلى “جزائري منبوذ”؟
فرنسا أكبر الخاسرين من زيارة البابا ليون الرابع عشر
تكالب مروكي وحموشيات بلا سقف
منذ أن طبّعت مملكة ما بين الوادين مع الكيان الصهيوني، راحت توهم رعيتها بأن لها كلمة مسموعة…
أحوال الناس
وهران: 12 جريحًا في حادث انقلاب شاحنة على الطريق الولائي رقم 75
أُصيب 12 شخصًا في حادث مرور وقع مساء الجمعة بين منطقتي عين فرانين وكريستال، …






