‫الرئيسية‬ الأولى أنبوب الغاز المغاربي.. خطاب الضحية يعود من الرباط
الأولى - اقتصاد - رأي - مال واعمال - مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

أنبوب الغاز المغاربي.. خطاب الضحية يعود من الرباط

أنبوب الغاز المغاربي.. خطاب الضحية يعود من الرباط
صرحت وزيرة الاقتصاد والمالية المروكية نادية فتاح، خلال مقابلة مع قناة فرنسية متخصصة في الاقتصاد (BFM Business)، بأن بلادها تواجه أزمة طاقة حادة نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية المرتبط بتصعيد التوترات في الشرق الأوسط، مطالبة الدول الأوروبية بدعم المروك لمواجهة هذه الأزمة. غير أن الوزيرة، كما جرت العادة في الخطاب الرسمي المروكي، لم تفوت الفرصة للإشارة إلى الجزائر، متهمة إياها بـ«وقف إمدادات الغاز منذ سنة 2021»، وكأن الأمر قرار سياسي تعسفي، دون تقديم السياق القانوني الكامل الذي يفسر هذا الوضع.

فالواقع التاريخي والقانوني يؤكد أن أنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي (GME)، الذي يعبر الأراضي المروكية نحو إسبانيا، كان يعمل بموجب اتفاقية محددة بين شركة سوناطراك الجزائرية والمكتب الوطني المروكي للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)، وقد انتهت مدة هذه الاتفاقية في 31 أكتوبر 2021 دون تجديد. وبالتالي فإن توقف ضخ الغاز عبر هذا الأنبوب لم يكن «قطعًا أحاديًا» كما يحاول الخطاب المروكي تصويره، بل تطبيقًا طبيعيًا لقواعد العقود الدولية في قطاع الطاقة، حيث لا يمكن تشغيل أنبوب دولي خارج إطار تعاقدي واضح يحدد شروط التسيير والاستغلال وتقاسم العائدات، إضافة إلى ما يعرف ببنود الوجهة التي تمنع إعادة بيع الغاز دون موافقة المصدر.

وفي الجزائر، يخضع تصدير الغاز الطبيعي – باعتباره ثروة وطنية مملوكة للشعب الجزائري – لإطار قانوني ومؤسساتي صارم يحدد بدقة شروط التصدير والعقود المرتبطة به. لذلك فإن استمرار تدفق الغاز عبر أي أنبوب دولي يستلزم وجود اتفاق رسمي ينظم العلاقة بين الأطراف المعنية. وبغياب اتفاق جديد بعد سنة 2021، يصبح استمرار تشغيل الأنبوب أمرًا غير ممكن من الناحية القانونية. أما محاولة تقديم الأمر وكأنه «قرار سياسي عقابي» فهي قراءة إعلامية يحاول المروك تسويقها أمام الرأي العام الأوروبي.

في المقابل، يواصل الخطاب الرسمي في الرباط تحميل الجزائر مسؤولية الأزمة الطاقوية التي يواجهها المروك، في حين أن جذور هذه الأزمة تعود في جزء كبير منها إلى الاعتماد الطويل على الغاز الجزائري بأسعار تفضيلية، إضافة إلى الرسوم التي كان يحصل عليها المروك مقابل عبور الأنبوب عبر أراضيه. وقد كان المروك يستفيد من نحو مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى جانب عائدات العبور، وهو ما شكل عنصرًا مهمًا في توازن منظومته الطاقوية لسنوات طويلة.

ومع توقف العمل بالاتفاقية، اضطر المروك إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة، من بينها استيراد الغاز المسال وإعادة ضخه عبر التدفق العكسي في نفس الأنبوب، وهي عملية معقدة ومكلفة مقارنة بالوضع السابق. ويعكس هذا التحول التحديات التي يواجهها المروك في مجال تنويع مصادر الطاقة، أكثر مما يعكس «قرارًا جزائريًا» كما يحاول الخطاب الرسمي المروكي تصويره.

كما تثير هذه التصريحات تساؤلات حول محاولة توظيف ملف الطاقة في الخطاب السياسي الموجه إلى أوروبا، في وقت تخضع فيه تجارة الغاز الدولية لقواعد تعاقدية دقيقة تمنع إعادة بيع الإمدادات أو تغيير وجهتها دون موافقة الدولة المصدرة. وفي هذا السياق، حافظت الجزائر على التزاماتها التعاقدية تجاه شركائها الأوروبيين، خاصة إسبانيا، عبر أنبوب «ميدغاز» البحري الذي يربط مباشرة بين الجزائر والساحل الإسباني.

في النهاية، وبين الخطاب السياسي المروكي ومحاولة الظهور في موقع الضحية، يبقى الواقع القانوني واضحًا: إدارة مشاريع الطاقة العابرة للحدود لا تقوم على الاتهامات الإعلامية، بل على اتفاقيات واضحة ومصالح متبادلة تحكمها قواعد الاقتصاد الدولي. الجزائر لم «تقطع» الغاز، بل طبقت ببساطة ما تنص عليه القواعد التعاقدية المعروفة في سوق الطاقة العالمية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

حرب ترامب لإسقاط الصين وروسيا!

يتزايد النقاش في الأوساط السياسية والاستراتيجية حول طبيعة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، و…