‫الرئيسية‬ الأولى عناق سويسري بعد الإقصاء قُرئ كإهانة لـ«الخضر».. بيتكوفيتش يشعل غضب الجزائريين عشية ذكرى الاستقلال
الأولى - الحدث - الوطني - رياضة - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

عناق سويسري بعد الإقصاء قُرئ كإهانة لـ«الخضر».. بيتكوفيتش يشعل غضب الجزائريين عشية ذكرى الاستقلال

عناق سويسري بعد الإقصاء قُرئ كإهانة لـ«الخضر».. بيتكوفيتش يشعل غضب الجزائريين عشية ذكرى الاستقلال
لم يكن خروج المنتخب الوطني الجزائري من كأس العالم 2026، عقب الهزيمة أمام سويسرا بهدفين دون رد في دور الـ32، مجرد نهاية رياضية لمغامرة مونديالية كان الجزائريون يأملون أن تمتد إلى أبعد من ذلك. ما حدث في فانكوفر تحوّل سريعاً إلى ملف غضب مفتوح، ليس فقط بسبب الخسارة، بل بسبب الطريقة التي خسر بها «الخضر»، ثم بسبب اللقطات المتداولة بعد صافرة النهاية، والتي ظهر فيها الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش وهو يعانق لاعبي المنتخب السويسري ويبادلهم التهاني بعد إقصاء الجزائر من البطولة.

اللقطة، التي قد يراها البعض تحية رياضية عادية من مدرب يحمل الجنسية السويسرية وسبق له قيادة منتخب سويسرا، تحولت لدى قطاع واسع من الجماهير الجزائرية إلى مشهد جارح وغير موفق في توقيته. فالجزائر لم تكن قد خسرت مباراة ودية أو مواجهة عابرة، بل ودّعت كأس العالم، وفي أجواء وطنية شديدة الحساسية، على مقربة من ذكرى الاستقلال المصادفة للخامس من جويلية. لذلك رأى كثيرون أن بيتكوفيتش لم يقدّر حجم اللحظة، ولم يتعامل مع صدمة الإقصاء بما يليق بقميص المنتخب الوطني الجزائري.

في الجزائر، المنتخب الوطني ليس فريقاً كبقية الفرق. قميص «الخضر» لا يحمل معنى رياضياً فقط، بل يحمل ذاكرة سياسية وتاريخية تشكلت في قلب معركة التحرر الوطني. فالكرة الجزائرية لم تولد كواجهة رياضية عادية، بل خرجت من رحم الثورة، عندما تأسس فريق جبهة التحرير الوطني سنة 1958، حاملاً القضية الجزائرية إلى الملاعب الدولية، ومحوّلاً كرة القدم إلى أداة دبلوماسية وسياسية في مواجهة القوة الاستعمارية الفرنسية.

ومن هنا، فإن أي مدرب يتولى الإشراف على المنتخب الوطني الجزائري لا يقود مجرد مجموعة لاعبين، ولا يدير فقط مشروعاً تقنياً، بل يتحمل مسؤولية التعامل مع مؤسسة رياضية ذات خصوصية وطنية نادرة. فالمنتخب بالنسبة إلى الجزائريين امتداد لذاكرة الشهداء، ولرمزية فريق جبهة التحرير الوطني، ولتاريخ طويل ارتبطت فيه الكرة بالهوية والكرامة والسيادة. ولذلك فإن أي تصرف يصدر عن المدرب، خصوصاً في لحظات الانكسار أو الإقصاء، لا يُقرأ بمعزل عن هذه الخلفية الثقيلة.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الجدل الذي أثارته لقطات بيتكوفيتش بعد صافرة النهاية في مجرد عناق عابر. المدرب الذي يشرف على الجزائر مطالب بأن يفهم أن هذا المنتخب له حساسية خاصة، وأن الخسارة أمام منتخب بلده السابق، ثم الظهور في مشاهد ودية مع لاعبي الخصم مباشرة بعد إقصاء «الخضر»، كان لا بد أن يفتح باب الغضب. ليس لأن الجزائريين يرفضون الروح الرياضية، بل لأنهم يرفضون أن تبدو لحظة سقوط منتخبهم الوطني وكأنها لحظة باردة لا تستحق الحزن والتحفظ والاحترام الرمزي.

لكن أزمة بيتكوفيتش لا تبدأ من لقطة العناق، بل من أرضية الملعب. فالمنتخب الوطني دخل مواجهة سويسرا بنوايا هجومية واضحة، لكنه افتقد التوازن، وترك مساحات خطيرة، ودفع ثمن سوء التمركز في وقت مبكر. الهدف الأول الذي سجله بريل إمبولو في الدقيقة العاشرة لم يكن مجرد خطأ فردي، بل نتيجة خلل جماعي في الحماية الدفاعية وفي قراءة التحولات السريعة للمنافس.

على هذا المستوى من المنافسة، لا يمكن تبرير مثل هذه الأخطاء بسهولة. مباريات الأدوار الإقصائية في كأس العالم تُحسم بالتفاصيل، والمدرب الكبير هو من يغلق نقاط الضعف قبل أن يستغلها المنافس. بيتكوفيتش كان يعرف المنتخب السويسري أكثر من أي مدرب آخر تقريباً، بحكم تجربته الطويلة السابقة معه، ولذلك كان من المفترض أن يكون أكثر استعداداً لمفاتيحه التكتيكية، وأكثر قدرة على تعطيل خطورته. لكن ما ظهر على أرضية الملعب كان عكس ذلك: منتخب جزائري يحاول بلا نجاعة، ومنتخب سويسري ينتظر، يضرب، ثم يدافع ببرودة وواقعية.

الأخطر أن «الخضر» لم ينجحوا في الرد بشكل منظم بعد الهدف الأول. ظهرت بعض المحاولات الفردية من حسام عوار، فارس شايبي، إبراهيم مازة ورياض محرز، لكن دون بناء هجومي واضح، ودون خطة جماعية قادرة على تفكيك دفاع سويسري منظم. الجزائر امتلكت أسماء قادرة على صناعة الفارق، لكنها لم تمتلك منظومة هجومية تمنح هذه الأسماء المساحات والأدوار المناسبة. وهنا تظهر مسؤولية المدرب، لأن اللاعب، مهما امتلك من موهبة، يبقى محتاجاً إلى إطار تكتيكي يحرره، لا إلى فوضى تجعله يبحث عن الحل منفرداً.

ومع بداية الشوط الثاني، تلقى المنتخب الوطني ضربة قاسية بهدف ثان حمل توقيع دان ندوي. هذا الهدف يختصر جانباً كبيراً من فشل بيتكوفيتش في إدارة المباراة. فريق يعود من غرف الملابس وهو متأخر بهدف واحد، في مباراة إقصائية، كان يجب أن يدخل الشوط الثاني بأعلى درجات التركيز والصرامة. لكن الجزائر استقبلت هدفاً مبكراً قتل المباراة عملياً، وكأن خطاب ما بين الشوطين لم ينجح في إعادة الانضباط، ولم يصحح الأخطاء، ولم يمنح اللاعبين وضوحاً ذهنياً وتكتيكياً.

بعد الهدف الثاني، لجأ بيتكوفيتش إلى التغييرات، فأقحم عدة أسماء هجومية بحثاً عن العودة، غير أن هذه التغييرات لم تغير وجه المباراة. لم يظهر تحول تكتيكي حقيقي، ولم تنكسر الكتلة الدفاعية السويسرية، ولم ينجح المنتخب الوطني في خلق ضغط متواصل داخل منطقة الجزاء. كانت التغييرات أقرب إلى محاولة إنقاذ متأخرة منها إلى قراءة تقنية دقيقة. والفرق كبير بين مدرب يغير الأسماء ومدرب يغير المباراة.

ما حدث أمام سويسرا أعاد إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول السيرة التدريبية لبيتكوفيتش، خاصة محطته القاتمة مع بوردو الفرنسي. فقد وصل المدرب إلى النادي في صيف 2021 وسط آمال كبيرة، لكنه غادر سريعاً في فيفري 2022 بعد نتائج ضعيفة وفشل واضح في إعادة التوازن إلى الفريق. تجربة بوردو بقيت في الذاكرة باعتبارها واحدة من أكثر المحطات اضطراباً في مسيرته، حيث عانى الفريق دفاعياً، وتراجع في النتائج، وفشل المدرب في بناء منظومة قادرة على الصمود تحت الضغط.

بوردو ليس تفصيلاً هامشياً في ملف بيتكوفيتش. تلك التجربة كشفت عيوباً تكررت لاحقاً بأشكال مختلفة: هشاشة دفاعية، صعوبة في إدارة الأزمات، تأخر في التصحيح، وغياب حلول واضحة عندما يدخل الفريق في دوامة النتائج السلبية. والمثير أن بعض هذه الملامح عادت للظهور مع الجزائر في فانكوفر. المنتخب لم يسقط لأنه واجه خصماً خارقاً، بل لأنه لم يكن منظماً بما يكفي، ولم يكن محمياً بما يكفي، ولم يكن جاهزاً ذهنياً وتكتيكياً للحظات الحاسمة.

حتى تجربته مع لازيو الإيطالي، رغم تتويجه بكأس إيطاليا، لم تنته بصورة هادئة. فقد غادر النادي وسط أزمة ثقة وتوتر في العلاقة مع الإدارة، في محطة أظهرت أن بيتكوفيتش قادر أحياناً على تحقيق ومضات مهمة، لكنه لا ينجح دائماً في تثبيت مشروع طويل أو إدارة المنعطفات الصعبة دون اهتزاز. أما نجاحه السابق مع المنتخب السويسري، وعلى رأسه بلوغ ربع نهائي يورو 2020 وإقصاء فرنسا، فلا يمكن أن يتحول إلى صك براءة دائم يحميه من المحاسبة كلما فشل في مهمة جديدة.

المدرب لا يُحاسب فقط بما فعله في الماضي، بل بما يقدمه اليوم. واليوم، مع الجزائر، فشل بيتكوفيتش في الاختبار الأكبر. فشل في قراءة منتخب يعرفه جيداً، فشل في حماية العمق، فشل في تفعيل الأسماء الهجومية، فشل في إعادة الفريق بعد التأخر، ثم فشل في احتواء الصدمة الرمزية بعد المباراة، حين ظهر في مشاهد اعتبرها كثيرون غير لائقة بتوقيت الخروج ولا بحساسية المناسبة الوطنية.

من الناحية الرياضية، يمكن القول إن المنتخب الوطني غادر المونديال بعد بلوغ الأدوار الإقصائية، وهو أمر لا يجب التقليل من قيمته. لكن من الناحية الفنية، لا يجوز تحويل هذا المكسب إلى غطاء يحجب الأخطاء. المنتخبات الكبيرة لا تكتفي بالقول إنها وصلت، بل تسأل كيف خرجت، ولماذا خرجت، ومن المسؤول عن الخروج. وفي حالة الجزائر، تبدو أصابع الاتهام متجهة بقوة نحو الجهاز الفني، وفي مقدمته فلاديمير بيتكوفيتش.

أما من الناحية الرمزية، فقد جاءت لقطات العناق مع لاعبي سويسرا لتصب الزيت على النار. الجماهير التي كانت تنتظر من المدرب وجهاً حزيناً، موقفاً متحفظاً، أو رسالة اعتذار ضمنية بعد الإقصاء، وجدت نفسها أمام مشهد فُهم على أنه برود تجاه الخيبة الجزائرية. قد يكون بيتكوفيتش قد تصرف بعفوية، وقد يكون أراد فقط تهنئة منتخب يعرفه جيداً، لكن في كرة القدم، كما في السياسة والرموز الوطنية، لا تكفي النوايا وحدها. الصورة أحياناً تكون أقوى من التبرير.

ولأن المباراة جاءت في أجواء ذكرى الاستقلال، فقد اتخذ الغضب بعداً أعمق من مجرد غضب رياضي. بالنسبة إلى كثير من الجزائريين، كان المنتخب يحمل في تلك الأيام شحنة رمزية إضافية، وكان المطلوب من كل من يمثل الجزائر أن يتصرف بحساسية مضاعفة. لذلك لم تمر اللقطة مرور الكرام، بل تحولت إلى سؤال أخلاقي ووطني: هل أدرك بيتكوفيتش فعلاً معنى أن تكون مدرباً للجزائر في لحظة كهذه؟

الخسارة في كرة القدم ممكنة، والإقصاء من كأس العالم وارد، وحتى الأخطاء الفنية يمكن مناقشتها داخل حدود اللعبة. لكن ما لا يمكن تجاوزه بسهولة هو غياب الإحساس باللحظة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخب وطني يراه الجزائريون امتداداً لكرامتهم الجماعية. وإذا كان بيتكوفيتش لم يقصد الإساءة، فإن الحد الأدنى المطلوب منه اليوم أن يفهم لماذا شعر كثيرون بالإهانة.

المنتخب الوطني لا يحتاج بعد هذه النكسة إلى خطابات تبريرية ولا إلى عبارات مطاطة عن «المكتسبات». يحتاج إلى تقييم صارم، صريح، وبارد. هل يملك بيتكوفيتش مشروعاً فنياً واضحاً؟ هل يستطيع قيادة الجزائر نحو كأس إفريقيا 2027 وتصفيات كأس العالم 2030؟ هل يمكن الوثوق بمدرب لم ينجح في مباراة كان يعرف فيها المنافس جيداً؟ وهل يستطيع استعادة ثقة جماهير رأت في تصرفه بعد صافرة النهاية استفزازاً لمشاعرها؟

في الجزائر، المنتخب ليس مجرد فريق كرة قدم؛ إنه جزء من الذاكرة الوطنية. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، لا يمكنه أن يفهم لماذا يتحول عناق بعد صافرة النهاية إلى قضية كرامة، ولماذا تصبح الابتسامة في لحظة الإقصاء أثقل من الهزيمة نفسها.

في النهاية، لم تكن سويسرا وحدها من أخرجت الجزائر من كأس العالم. الأخطاء الفنية، غياب النجاعة، هشاشة التنظيم، والتعامل المرتبك مع لحظة ما بعد المباراة، كلها عوامل جعلت الخروج أكثر مرارة. بيتكوفيتش لم يخسر النتيجة فقط، بل خسر جزءاً كبيراً من الثقة. وبين سقوط فانكوفر ولقطة العناق المثيرة للجدل، أصبح مستقبل المدرب مع «الخضر» سؤالاً مفتوحاً لا يمكن تأجيله.

الجزائر أكبر من أي مدرب، وقميصها أثقل من أي مجاملة عابرة. ومن لا يفهم حساسية هذا القميص في لحظات الانكسار، خاصة على مقربة من ذكرى الاستقلال، سيجد نفسه حتماً في مواجهة غضب جمهور لا يغفر عندما يشعر أن كرامة المنتخب مُسّت، ولو بصورة، ولو بعناق، ولو بعد صافرة النهاية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

ضعف نسبة المشاركة لا يسقط البرلمان: الأغلبية الصامتة.. الخاسر الأكبر في التشريعيات

لم تكن النتيجة الأهم في تشريعيات 2 جويلية 2026 هي فقط معرفة الأحزاب الفائزة، أو توزيع المق…