‫الرئيسية‬ الأولى كأس العالم التي عرّت كل المتآمرين والعابثين: بيتكوفيتش.. والرحيل الحتمي لصانعي الفضيحة
الأولى - رأي - رياضة - مقالات - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

كأس العالم التي عرّت كل المتآمرين والعابثين: بيتكوفيتش.. والرحيل الحتمي لصانعي الفضيحة

كأس العالم التي عرّت كل المتآمرين والعابثين: بيتكوفيتش.. والرحيل الحتمي لصانعي الفضيحة
أزمة بيتكوفيتش لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لخطأ إسناد الأمور الرياضية إلى غير أهلها. وكنا في جريدة “المؤشر” من الأوائل الذين نبهوا إلى هذا الانزلاق الخطير في كرة القدم الجزائرية، والرياضة بصفة عامة، إيماناً منا بأن مصلحة الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، ليست مسألة ترفيهية عابرة، بل هي واجهة دبلوماسية للجزائر عبر العالم، ويدرجها الكثيرون ضمن أدوات الدبلوماسية الناعمة، مثل السينما والغناء وكل المظاهر الثقافية التي تعبر عن صورة البلد وهويته.

غير أن كرة القدم، في زمننا الحالي، أصبح تأثيرها يفوق أحياناً تأثير الدبلوماسية التقليدية، بكل ما تملكه من سفارات وقنصليات وميزانيات ضخمة. وكنا من بين الصحف التي حاولت، رغم محدودية وسائلها، ورغم عدم حصولها إلى اليوم على نصيبها العادل من الإشهار، أن تقدم وجهة نظر خارج الصندوق، وأن تنبه أصحاب القرار في بلدنا إلى أن التلاعب بالفريق الوطني ستكون له عواقب وخيمة على سمعة الجزائر وصورتها.

وما حذرنا منه نعيشه اليوم بكل ألم، بعد فضيحة كأس العالم التي عرّت كل المتآمرين والعابثين، وكل الذين قدموا المدرب فلاديمير بيتكوفيتش، دون دراسة موضوعية وجادة، على أساس أنه المنقذ، فأدخلونا في نفق مظلم يكاد ينهار فيه الفريق الوطني، بعد أن ضاعت هوية لعبه التي عرفناها منذ سنة 1982 في كأس العالم بإسبانيا، وهي الهوية التي تركت بصمة كروية ما زال الإعلام الدولي يتحدث عنها إلى اليوم.

فالمدرب بيتكوفيتش كان عاطلاً عن العمل بعد تجربته مع نادي بوردو الفرنسي، وهي التجربة التي انتهت بسقوط الفريق إلى الدرجة الثانية، ثم دخل بعدها في معركة قضائية مع النادي، طالب فيها بتعويضات قيل إنها قاربت 10 ملايين يورو، رغم الكارثة الرياضية التي ارتبطت بتلك المرحلة. كما عاش صراعاً مماثلاً مع فريق إيطالي كان قد أشرف عليه لبضعة أشهر فقط. والمصيبة أن دراسة سيرته الذاتية لم تحظ، على ما يبدو، بالجدية اللازمة عند التعاقد معه، وكان التسرع في اتخاذ القرار ظاهراً للعيان منذ البداية.

اليوم ندفع ثمن التهور والاختيار غير المهني لمدرب بدا أن اختياره تم فقط لأنه أوروبي، وليس بناءً على مشروع لعب واضح أو قراءة فنية دقيقة لحاجيات الفريق الوطني. والجزائر، عبر تاريخها الكروي، عودتنا على اختيارات جدية، وإذا حدث خطأ، فإن تصحيحه كان يتم بسرعة، والأمثلة في هذا المجال عديدة ومتنوعة. غير أن خطأ اختيار بيتكوفيتش بلغ حداً تحول معه إلى فضيحة كاملة، رغم أن الكثير من المحللين والإعلاميين نبهوا السلطات والمسؤولين إلى الخطأ قبل وقوع الكارثة الحالية.

والسؤال المطروح اليوم لا يتعلق برحيل المدرب وحده، بل برحيل كل المتسببين في هذه الفضيحة، وفي الأداء السيئ للفريق الوطني. فمن أخطأ في اختيار بيتكوفيتش لا يمكنه فجأة أن يتحول إلى عبقري قادر على جلب مدرب يليق بتاريخ الجزائر وطموحات منتخبها. لقد شاهدنا كيف حاول بعض هؤلاء المسؤولين تسخير أصوات إعلامية ضعيفة ومحدودة الكفاءة للدفاع عن خيار لا يمكن الدفاع عنه أصلاً، ودعم ما كان يجب التراجع عنه في الوقت المناسب.

رئيس الفيدرالية، وليد صادي، عليه أيضاً أن يغادر منصبه، لأنه أخطأ، والمصيبة الأكبر أنه تمادى في الخطأ لأكثر من سنتين، ولم تكن له الفطنة ولا الشجاعة السياسية والرياضية لتصحيح هذا المسار الخاطئ. وهنا يكمن الخطر الحقيقي في بقائه، لأن المسؤول الجيد ليس منزهاً عن الخطأ، فقد يخطئ مثلنا جميعاً، لكنه يصحح الخطأ مباشرة بعد وقوعه، ولا يتمادى في جهله ولا في قراراته الفاشلة. وهذه قاعدة معمول بها في الجزائر، كما هي معمول بها دولياً في كل القطاعات التي تحترم معنى المسؤولية والمحاسبة.

إن العبث الذي رأيناه منذ سنوات حول الفريق الوطني قد حان وقت محاسبة أصحابه. وهذه المحاسبة ليست انتقاماً، بل هي أول طريق الإصلاح. فالمحاسبة تبعد المغامرين عن مواقع القرار، وتجعل من لا يملك القدرة على تحمل المسؤولية يتراجع قبل أن يتقدم، ولا يبقى في الواجهة إلا من يستطيع أداء المهمة بصفة مهنية وصحيحة. بهذه الطريقة فقط يمكن أن نستعيد ما ضاع من قطاع الرياضة خلال السنوات الماضية، وهكذا تسير الأمم التي تحترم نفسها ومؤسساتها.

صفحة بيتكوفيتش طويت، أو يجب أن تطوى، لكن الأهم هو أن نستفيد منها، وأن نستخلص العبر والنتائج، حتى نُبعد شبح الفضيحة والفشل من جديد عن الفريق الوطني، الذي نتمنى أن يسترجع رونقه وهيبة قميصه وهوية لعبه في أسرع وقت ممكن. لقد أمتعنا هذا الفريق وأفرحنا لسنوات، قبل أن يتم العبث به وتحطيمه من طرف قوى لا يعجبها أي شيء جميل في الجزائر، ولا تريد لهذا المنتخب أن يكون واجهة مشرّفة للبلد كما كان دائماً.

وأعيد هنا مقترحي السابق للسلطات الجزائرية بضرورة التفكير في تأسيس آلية خاصة لتسيير الفريق الوطني، خارج الأطر الرياضية الحالية، ولو بصفة غير رسمية، كما تفعل الكثير من الدول التي تدرك قيمة منتخباتها الوطنية. فالفريق الوطني لكرة القدم، وبعض الرياضات الأخرى أيضاً، أصبح السفير الأول للجزائر عبر العالم، وليس مجرد فريق يلعب مباريات رسمية وودية.

لقد كنا من السباقين إلى فهم هذه الحقيقة عندما أسس أسلافنا العظماء فريق جبهة التحرير الوطني، الذي رفع راية الثورة الجزائرية في العالم، وساهم في إيصال نضال الشعب الجزائري من أجل استقلاله إلى الرأي العام الدولي. ومن العيب اليوم أن نترك هذا الإرث الرمزي والتاريخي العظيم بين أيدي من لا يدركون قيمة الفريق الوطني، ولا يفهمون أنه أكبر من مدرب، وأكبر من رئيس اتحادية، وأكبر من حسابات ضيقة، لأنه ببساطة صورة الجزائر وصوتها ورايتها في العالم.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

هل الأحزاب مسؤولة وحدها عن ضعف المشاركة؟

سجلت الانتخابات التشريعية الأخيرة نسبة مشاركة منخفضة، أرجعها البعض إلى فشل الأحزاب السياسي…