‫الرئيسية‬ الأولى استفزاز ديني أم جسّ نبض؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫6 دقائق مضت‬

استفزاز ديني أم جسّ نبض؟

استفزاز ديني أم جسّ نبض؟
كلما حلّ فصل الصيف في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، عادت معه استفزازات تستهدف منطقة القبائل بصورة أو بأخرى، وكأن هناك من يصرّ على تحويل الاختلاف الثقافي والاجتماعي بين مناطق البلاد إلى مادة للتوتر والاستقطاب. غير أن الاستفزاز هذه المرة لم يمرّ من دون ردود فعل واسعة، على الأقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر شاب قادم من الجنوب في تسجيل مصور من مدينة تيزي وزو، وقدم ملاحظات عامة عن سكان المنطقة وطريقة عيشهم ولباس نسائها، وكأنه يملك الحق في إصدار الأحكام على مجتمع كامل ورث عاداته وتقاليده أباً عن جد منذ قرون.

ولم يكن الجديد في الواقعة مجرد انتقاد عابر أو ملاحظة شخصية، بل الطريقة التي جرى بها الحديث عن لباس النساء، وكأن الشاب اكتشف في تيزي وزو مجتمعاً خارجاً عن القيم أو الدين. وقد تعامل مع مشاهداته بوصفها انحرافاً يحتاج إلى تقويم، لا تنوعاً اجتماعياً وثقافياً طبيعياً داخل بلد واسع مثل الجزائر. كما بدا في حديثه وكأنه يحمل رسالة دينية إلى منطقة مسلمة منذ قرون، متجاهلاً تاريخها الديني والوطني، ومختزلاً الإسلام في شكل اللباس وطريقة ظهوره في الفضاء العام.

ولا يمكن التعامل بخفة مع هذا النوع من الخطاب، خصوصاً في بلد عاش خلال تسعينيات القرن الماضي نتائج كارثية لخطاب التكفير والتعالي الأخلاقي وتقسيم المجتمع إلى صالح وفاسد، ومؤمن وغير مؤمن. فالجزائر دفعت ثمناً باهظاً عندما تحولت الفتاوى والأحكام الفردية إلى أدوات لشيطنة الناس وتبرير العنف ضدهم، ولذلك فإن أي خطاب يعيد إنتاج الأجواء نفسها يجب أن يواجه بالوعي والقانون والنقاش المسؤول، بعيداً عن التهويل، ولكن أيضاً بعيداً عن الاستهانة.

ولا يمكن الجزم بأن كل تصرف فردي جزء من مخطط منظم، إلا أن تكرار الاستفزازات ذاتها، وتوجيهها إلى المناطق نفسها، وفي مواسم متقاربة، يبرر طرح الأسئلة حول الجهات التي تستفيد من تأجيج التوترات الجهوية والثقافية. فالتاريخ القريب يثبت أن الفتن تبدأ أحياناً بكلمات تبدو بسيطة أو مقاطع مصورة قصيرة، ثم تتحول إلى حملات جماعية تبني صوراً نمطية وتدفع الناس إلى مواجهة بعضهم بعضاً.

والشاب الذي ظهر في التسجيل لا يمثل، بأي حال من الأحوال، رجال الصحراء ولا سكان تمنراست ولا الجنوب الجزائري، المعروفين بالكرم والتسامح واحترام الضيف والتنوع الثقافي. ولا يجوز أن تتحول تصرفاته إلى ذريعة للإساءة إلى أهل الجنوب أو تعميم الأحكام عليهم، كما لا يحق له أن يعمم تصوره الشخصي على سكان منطقة القبائل أو يتحدث باسم الدين والمجتمع. فالجزائر أكبر من أن تختزل في فرد، وأوسع من أن يحكم جزء منها على جزء آخر انطلاقاً من مشهد عابر أو اختلاف في اللباس.

ويكشف هذا الخطاب عن نزعة دينية متعالية تتعامل مع الجزائريين وكأنهم في حاجة إلى من يعيد تعريفهم بدينهم، رغم أن الإسلام حاضر في الجزائر منذ قرون، وممتزج بتاريخها وثقافتها وحركتها الوطنية. كما يكشف عن نظرة تنزع الشرعية عن العادات المحلية، وتعتبر أن نموذجاً واحداً في اللباس والسلوك هو النموذج الصحيح الذي يجب فرضه على جميع المناطق، بصرف النظر عن اختلاف المناخ والتاريخ والتقاليد.

والحقيقة أن اللباس، سواء كان رجالياً أو نسائياً، يتشكل في مختلف المجتمعات بحسب البيئة والعادات والتقاليد والظروف الاجتماعية. ولا يوجد زي واحد يجمع جميع المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب ومن إفريقيا إلى آسيا الوسطى. فاللباس الترقي يختلف عن لباس سكان الهضاب العليا، وهذا بدوره يختلف عن اللباس القبائلي أو القسنطيني أو الوهراني أو الصحراوي، من دون أن يعني ذلك أن مجتمعاً أكثر إسلاماً من مجتمع آخر.

ولا يمكن اختزال الدين في الثوب أو اللحية أو الحجاب أو المظهر الخارجي، لأن القيم الدينية أوسع من ذلك، وتشمل الصدق والعدل والتواضع واحترام الناس والامتناع عن إيذائهم أو التشهير بهم. ومن غير المنطقي أن يتحدث شخص عن أخلاق مجتمع كامل من خلال لباس نسائه، ويتجاهل قيم الاحترام وحسن الظن وعدم إصدار الأحكام على الآخرين.

لقد زار هذا الشاب ولاية تيزي وزو، لكنه لم يلتفت إلى المساجد المنتشرة في مدنها وقراها، ولا إلى المآذن التي يرتفع منها الأذان خمس مرات في اليوم، ولا إلى تاريخ المنطقة في مقاومة الاستعمار وحماية الوحدة الوطنية. ولم ير في المكان إلا ما أراد أن يراه مسبقاً، وهو ما يثير الشك في أن غايته لم تكن تقديم شهادة موضوعية ومحترمة، بل البحث عن مادة مثيرة تجلب التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لو كان الثمن استفزاز سكان المنطقة والإساءة إلى نسائها.

ومنطقة القبائل لم تكن يوماً خارج التاريخ الوطني أو الديني للجزائر. فقد قدمت الشهداء والمجاهدين والعلماء والفنانين والعمال والمثقفين، وكانت في مقدمة المناطق التي واجهت الاستعمار الفرنسي وحافظت على الشخصية الوطنية. كما أفشلت، في مراحل مختلفة، محاولات زرع الانقسام بينها وبين بقية الجزائريين، وتمسكت بانتمائها الوطني رغم كل الاستفزازات والمناورات.

والحديث عن نساء المنطقة بهذه الطريقة لا يمكن فصله عن حساسية المجتمع الجزائري تجاه الكرامة العائلية واحترام النساء. فحين يختار شخص قادم من منطقة أخرى أن يركز كلامه على لباس نساء المنطقة المضيفة، فإنه لا يقدم نقداً اجتماعياً بقدر ما يفتح باباً للاستفزاز وسوء الفهم، خصوصاً إذا استعمل لغة الوعظ والتفوق الأخلاقي.

ويبدو أن صاحب التسجيل تشبع بصورة ضيقة عن المرأة، لا ترى فيها إلا كائناً يجب مراقبته وتقويمه وإخفاؤه عن المجال العام. وهي صورة لا تنسجم مع التاريخ الإسلامي نفسه، الذي عرف نساء عالمات وشاعرات وتاجرات وراويات للحديث وصاحبات حضور في الحياة العامة. كما أن تاريخ الجزائر مليء بنساء شاركن في المقاومة والعمل والتعليم والزراعة والتجارة، ولم يكن حضورهن في المجتمع طارئاً أو مستورداً.

وكان الأجدر بهذا الشاب، وهو في مقتبل العمر، أن يستفيد من زيارته لمنطقة القبائل للتعرف على ثقافتها وعاداتها وتاريخها، بدل أن يجعل من اختلاف اللباس سبباً للحكم على الناس. وكان عليه أن يفهم أن احترام تقاليد المناطق واجب أخلاقي ووطني، وأن الضيف لا يذهب إلى مجتمع آخر ليحاكمه وفق عاداته الشخصية، بل يتعامل معه بأدب وتواضع ويحاول فهم خصوصيته.

وعندما زرتُ، بصفتي صحفياً، منطقة إيليزي ودخلت إلى عدد من مناطقها، نصحني صديق ترقي يُدعى عبد القادر بارتداء الشاش الترقي، وشرح لي دلالته وأهميته في البيئة المحلية. وقد التزمت بنصيحته، فكان لذلك أثر إيجابي في طريقة استقبال السكان لي، وشعرت بتقديرهم واحترامهم، لأن احترام رموز المجتمع وعاداته يفتح أبواب التواصل ويزيل الحواجز.

وهذا هو الفارق بين من يزور منطقة ليتعلم منها، ومن يذهب إليها محملاً بأحكام جاهزة. فالأول يكتشف التنوع ويغتني به، أما الثاني فيرى كل اختلاف تهديداً لهويته، فيحاول إخضاع الناس لنموذجه الخاص. والجزائر، باتساعها وتنوعها، لا يمكن أن تعيش بمنطق النموذج الواحد أو الثقافة الواحدة أو اللباس الواحد.

وقد يكون الشاب متأثراً بخطاب ديني متشدد فقد صلته بالواقع الاجتماعي الجزائري، وقد يكون مدفوعاً بالرغبة في إثارة الجدل وتحقيق الانتشار، وربما توجد جهات تستثمر في هذا النوع من المحتوى لتوسيع الانقسام. غير أن إثبات وجود تحريك منظم أو جهات تقف خلفه يبقى من اختصاص التحقيق والجهات المختصة، ولا يمكن تحويل الشكوك إلى اتهامات مؤكدة من دون أدلة.

ومع ذلك، فإن غياب الدليل على وجود تنظيم لا يلغي خطورة النتيجة. فالمحتوى الذي يهاجم المناطق وعاداتها يمكن أن ينتشر بسرعة ويتحول إلى وقود للجهوية والكراهية. وقد تبدأ القضية بمقطع يتحدث عن لباس النساء، ثم تنتهي بتبادل الإهانات بين سكان الشمال والجنوب أو بين الناطقين بالعربية والأمازيغية، وهو ما يخدم كل من يسعى إلى إضعاف وحدة المجتمع الجزائري.

فالجزائر بلد مسلم منذ قرون، ومنطقة تيزي وزو جزء أصيل من هذا التاريخ. ولا تحتاج إلى من يأتيها حاملاً خطاباً مستورداً ليعلم سكانها الإسلام أو يختبر تدينهم من خلال لباس النساء. كما لا تحتاج إلى نزاعات بين السلفي والصوفي، أو بين العربي والأمازيغي، أو بين ابن الصحراء وابن الشمال، لأن هذه التقسيمات لا تبني وطناً ولا تحمي مجتمعاً.

والجزائر ليست بحاجة أيضاً إلى خطابات وهابية أو سلفية أو مدخلية متشددة تجعل من نفسها وصية على ضمائر الناس، وتتعامل مع الاختلاف بوصفه انحرافاً. فقد عاشت البلاد تجربة مريرة مع التطرف الديني، ولا يمكن السماح بإعادة إنتاج مقدماته تحت غطاء النصيحة أو الدعوة أو الدفاع عن الأخلاق.

ولا يعني ذلك استهداف التدين أو التضييق على حرية التعبير، بل التمييز بين التدين الذي يدعو إلى الخير ويحترم الناس، والخطاب الذي يصنف المجتمع ويهين النساء ويزرع الشك بين المناطق. فحرية التعبير لا تمنح صاحبها الحق في التحريض أو الإهانة أو بناء أحكام جماعية على ملايين المواطنين.

إن حماية المجتمع الجزائري من الفتنة لا تكون بإسكات النقاش، بل بفتح نقاش عقلاني ومسؤول حول التنوع الثقافي والهوية الوطنية وحدود الخطاب الديني في المجال العام. كما تكون بتعليم الشباب أن الجزائر ليست نسخة واحدة، وأن الاختلاف بين لباس امرأة في تمنراست ولباس امرأة في تيزي وزو أو سطيف أو وهران ليس دليلاً على اختلاف العقيدة أو الأخلاق.

ويجب على المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية أن تتحمل مسؤوليتها في مواجهة هذا الخطاب، لا عبر الشتائم أو التخوين، بل بتقديم خطاب وطني واضح يؤكد أن احترام مناطق الجزائر وعاداتها جزء من احترام الوطن نفسه. كما يجب أن يُفهم الشباب أن الوطنية لا تقاس بطريقة اللباس، وأن الدين لا يُستخدم أداة للحكم على الناس أو تقسيمهم.

ومع كامل الاحترام لسكان الجنوب الجزائري، المعروفين بالشرف والكرم والوطنية، فإن ما صدر عن هذا الشاب لا يمكن تعميمه عليهم، مثلما لا يمكن لردود الفعل الغاضبة أن تتحول إلى إساءة إلى أهل تمنراست أو الصحراء. فالرد على الجهوية لا يكون بجهوية مقابلة، والرد على الإهانة لا يكون بإهانة جماعية أخرى.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول هذه الواقعة إلى مواجهة بين منطقتين، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في خطاب متشدد لا يعترف بالتنوع، ويعتقد أنه يملك وحده الحقيقة الدينية والاجتماعية. وهذا الخطاب لا يستهدف منطقة القبائل وحدها، بل يمكن أن يستهدف غداً سكان الجنوب أو الغرب أو الشرق، وكل من لا يطابق النموذج الذي يفرضه أصحابه.

ولهذا فإن الدفاع عن منطقة القبائل في هذه القضية هو دفاع عن الجزائر كلها، وعن حق كل منطقة في الحفاظ على عاداتها وخصوصيتها ضمن الوحدة الوطنية. كما أن الدفاع عن نساء تيزي وزو هو دفاع عن كرامة كل النساء الجزائريات، من تمنراست إلى تلمسان ومن عنابة إلى تندوف.

فالجزائر لا تحتاج إلى رسل جدد يأتونها ليعيدوا إسلامها، ولا إلى دعاة فتنة يحولون اختلاف اللباس إلى معركة هوية. ما تحتاج إليه هو مواطنون يعرفون أن قوتها تكمن في تنوعها، وأن احترام الآخر ليس تنازلاً عن القيم، بل هو أساس العيش المشترك ووحدة الوطن.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

انتصار يعيد الأمل ويفتح أبواب الشك… هل يملك «الخضر» ما يكفي لعبور النمسا؟

حقق المنتخب الوطني الجزائري أول انتصار له في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما قلب تأخره أمام…