من يدفع ثمن خطأ تمديد عقد بيتكوفيتش؟
ما تزال الساحة الرياضية في الجزائر تحت صدمة الأداء الذي قدمه المنتخب الوطني في كأس العالم 2026، وتحت وقع الطريقة التي سيّر بها المدرب فلاديمير بيتكوفيتش مختلف مباريات “الخضر” في هذه المنافسة العالمية. والحقيقة أن هذا الوضع لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى كثيرين، بل كان متوقعاً منذ مدة، بعد اختيار مدرب سويسري له تجارب سابقة مثيرة للجدل، خاصة في طريقة خروجه من بعض محطاته التدريبية، وما رافقها من نزاعات مالية وقانونية حول المستحقات والتعويضات.
بيتكوفيتش، الذي سبق أن دخل في نزاع مالي كبير بعد تجربته مع بوردو الفرنسي، قد يجد نفسه اليوم في موقع تفاوضي قوي مع الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، خصوصاً بعد تجديد عقده قبل بداية كأس العالم 2026 إلى غاية سنة 2028. وهذا القرار، الذي اتخذه رئيس الفاف ووزير الرياضة وليد صادي قبل انطلاق البطولة، قد يتحول الآن إلى عبء مالي وإداري وسياسي ثقيل، خاصة إذا قررت الاتحادية إنهاء العلاقة مع المدرب بعد الخروج المرير من المونديال.
المصيبة الكبرى ليست فقط في العقد، ولا في الهزيمة، ولا في الأداء الفني، بل في طريقة تبرير بعض الإعلاميين لهذا الوضع. فقد خرج إعلامي جزائري معروف بدفاعه المستمر عن خيارات الاتحادية ليقول، في مضمون كلامه، إن بيتكوفيتش أهل الجزائر إلى كأس العالم، وإن المنتخب سيحصل على أموال من المشاركة، وبالتالي لا حرج في أن يأخذ المدرب مليون يورو أو أكثر إذا غادر منصبه. وهذا المنطق، في الحقيقة، خطير جداً، لأنه يتعامل مع أموال المشاركة في كأس العالم وكأنها غنيمة خاصة، أو صندوق تعويضات جاهز لتسوية أخطاء التسيير.
هذا الطرح يكشف جهلاً فادحاً بمفهوم المال العام وبمنطق المسؤولية في تسيير الشأن الرياضي. الأموال التي تأتي من المشاركة في كأس العالم ليست أموالاً مخصصة لإصلاح أخطاء التعاقد، ولا لدفع فاتورة قرارات متسرعة، ولا لتغطية تبعات تمديد عقد قبل أوانه. هذه الأموال يجب أن تخضع لمنطق واضح من الشفافية والمحاسبة، لأن المنتخب الوطني لم يذهب إلى كأس العالم بجهد المدرب وحده، ولا بمال الفاف وحدها، بل بجهد دولة كاملة سخرت إمكانيات ضخمة حتى يمثل الفريق الوطني الجزائر في أحسن الظروف.
الدولة الجزائرية كانت حاضرة بقوة في هذا المسار. وفّرت الدعم السياسي والمعنوي والمادي، ووضعت إمكانيات معتبرة تحت تصرف المنتخب، بداية من التحضير، مروراً بالتنقل، وصولاً إلى الإقامة والتكفل اللوجستي في الخارج. لا يمكن تجاهل تكاليف الطائرة الخاصة التي صممت بألوان المنتخب، ولا تكاليف الإقامة، والمبيت، والأكل، والتنقل، والتحضير، وكل ما رافق المشاركة من مصاريف ثقيلة كان هدفها أن يكون “الخضر” في أفضل الظروف الممكنة.
لذلك، عندما تأتي مداخيل المشاركة في كأس العالم، فمن غير المقبول أن يكون أول تفكير بعض الإعلاميين هو، كم سيأخذ بيتكوفيتش؟ وكم يجب أن يُدفع له؟ وكأن الدولة الجزائرية لم تصرف شيئاً، وكأن أموال دافعي الضرائب لم تكن جزءاً من هذا المجهود، وكأن خزينة الدولة ليست معنية باسترجاع جزء مما صُرف أو على الأقل بضمان توجيه تلك المداخيل في إطار شفاف ومسؤول.
كيف يمكن لإعلامي جزائري أن لا يرى حرجاً في توجيه جزء من مداخيل المونديال لتسوية مستحقات مدرب أجنبي، بينما لا يرى في المقابل كل ما صرفته الدولة الجزائرية على الفريق الوطني؟ كيف يمكن القفز فوق المجهود العمومي الكبير، ثم اختزال النقاش في حماية المدرب أو تبرير التعويضات المحتملة له؟ هذا ليس تحليلاً رياضياً، بل انحراف في ترتيب الأولويات.
الأولوية يجب أن تكون للمال العمومي، للمحاسبة، ولحماية مصلحة الدولة والاتحادية والجمهور. فإذا كانت الفاف قد استفادت من دعم الدولة ومن إمكانياتها، وإذا كانت الرياضة الوطنية عموماً تقوم على جزء معتبر من الدعم العمومي المباشر وغير المباشر، فإن مداخيل كأس العالم يجب أن تكون محل نقاش شفاف، أين ستذهب؟ كيف ستصرف؟ هل ستستثمر في التكوين؟ في الفئات الشبانية؟ في تطوير البنية الرياضية؟ في تعويض جزء من النفقات؟ أم ستتحول إلى فاتورة جديدة لدفع ثمن خطأ إداري اسمه تجديد عقد مدرب قبل تقييم حصيلته في أكبر اختبار عالمي؟
هنا تكمن مسؤولية رئيس الاتحادية. تجديد عقد بيتكوفيتش قبل بداية كأس العالم كان قراراً محفوفاً بالمخاطر. في التسيير العمومي، لا يُمدد عقد مدرب قبل اختبار حاسم بهذا الحجم إلا إذا كانت هناك رؤية واضحة، ومؤشرات قوية، وتقييم تقني دقيق. أما أن يتم التمديد قبل المونديال، ثم نخرج بأداء ضعيف، ثم نجد أنفسنا أمام احتمال دفع تعويضات كبيرة لإنهاء العقد، فهذه ليست مجرد هفوة إدارية، بل خطأ في تقدير المصلحة العامة.
وقد يتساءل المواطن هنا: من يتحمل مسؤولية هذا القرار؟ هل سيتحملها المدرب؟ هل سيتحملها الإعلامي الذي يبرر؟ أم سيتحملها في النهاية المال العمومي؟ هذا هو السؤال الحقيقي. لأن المشكلة في الجزائر ليست فقط أن أخطاء التسيير تقع، بل أن ثمنها غالباً لا يدفعه من اتخذ القرار، بل تدفعه المؤسسات، وتدفعه الخزينة، ويدفعه المواطن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
الرئيس عبد المجيد تبون وضع كل الوسائل المادية والمالية والمعنوية تحت تصرف المنتخب الوطني. استقبل الفريق وشجعه، وأعطى للمنتخب أهمية خاصة، لأنه يدرك أن تمثيل الجزائر في الخارج ليس مسألة كروية فقط، بل مسألة صورة دولة، وكرامة وطن، وحضور رمزي في أكبر محفل رياضي عالمي. الرجل أراد أن تكون صورة الجزائر جميلة، قوية، محترمة، وأن يظهر المنتخب الوطني كواجهة مشرّفة لبلد صاعد ومؤثر.
لكن المؤسف أن بعض الإعلاميين وأشباه المحللين يتجاهلون هذا الجهد الضخم، ويتعاملون مع الموضوع وكأنه ملف تقني بسيط بين مدرب واتحادية. لا يتحدثون عن الأموال التي صرفتها الدولة، ولا عن الدعم العمومي، ولا عن تكاليف التحضير، ولا عن ضرورة حماية أموال الشعب، بل يركزون فقط على كيفية تبرير حصول المدرب على مستحقاته، ولو كانت نتيجة قرار إداري متسرع أو غير محسوب العواقب.
الأغرب أن المدرب ليس هو من صرف الأموال على المنتخب. ليس هو من تحمل تكاليف الطائرة، ولا الإقامة، ولا التحضير، ولا كل المنظومة التي رافقت الفريق. المدرب كان موظفاً بعقد، يتقاضى راتبه مقابل مهمة محددة. فإذا فشل في تحقيق الأهداف الفنية، أو إذا أصبح بقاؤه محل رفض واسع بعد الأداء والنتائج، فمن حق الاتحادية أن تبحث عن مخرج قانوني يحمي مصالحها، لا أن تدخل مباشرة في منطق الاستسلام المالي ودفع كل ما يطلبه المدرب دون مساءلة أو تفاوض صارم.
نحن أمام جيل من بعض الإعلاميين تبدو عقولهم محدودة في فهم معنى الدولة ومعنى المال العمومي. خدمة الأشخاص عندهم تطغى على خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن الخيارات الخاطئة يصبح أحياناً أهم من الدفاع عن أموال الشعب. وهذا ما يجعل النقاش الرياضي في الجزائر ينحرف من تقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين إلى تبرير القرارات، وتلميع الأشخاص، وتخدير الرأي العام.
الرياضة، وخاصة كرة القدم، لم تعد مجرد لعبة. إنها قطاع تصرف عليه أموال، وتتحرك فيه مصالح، وتبنى حوله قرارات سياسية وإدارية وإعلامية. ولذلك لا يجوز التعامل مع أموال كأس العالم بخفة. هذه الأموال يجب أن تكون جزءاً من محاسبة شاملة، ماذا صرفنا؟ ماذا ربحنا؟ ماذا خسرنا؟ ومن المسؤول عن القرارات التي قد تكلف الاتحادية والدولة مبالغ إضافية؟
واسمحوا لي أن أختم بمعلومة أتمنى أن لا تكون صحيحة، وهي ما يتم تداوله حول احتمال تنقل رئيس الفاف شخصياً إلى سويسرا للتفاوض مع بيتكوفيتش بشأن مستحقات تسريحه من المنصب. إن صحت هذه المعلومة، فهي تطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً كبيراً، لأن رئيس الفاف هو في الوقت نفسه وزير في الحكومة، ومثل هذا التصرف لا يبدو مناسباً سياسياً ولا مؤسساتياً، حتى لا نقول كلاماً آخر.
كان الأجدر أن تتم معالجة هذا الملف عبر القنوات القانونية والإدارية الواضحة، وبفريق تفاوضي مختص، وبشفافية كاملة، لا بصورة قد توحي بأن الاتحادية تركض خلف مدرب فشل في مهمته الكبرى، بدل أن يكون المدرب هو من يبرر حصيلته أمام الشعب والاتحادية والدولة.
الأموال التي ستأتي من كأس العالم ليست ملكاً لبيتكوفيتش، وليست مكافأة مفتوحة لتصحيح خطأ تمديد عقده. هي أموال مرتبطة بمشاركة المنتخب الوطني، وباسم الجزائر، وبمجهود الدولة، وبأموال الشعب. ومن يريد أن يدافع عن المدرب فليفعل، لكن ليس على حساب الخزينة، ولا على حساب المنطق، ولا على حساب أبسط قواعد المسؤولية في تسيير المال العام.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل نتخلى عن الجامعة ونغلق أبوابها؟
من غرائب الأمور في الجزائر، ومن بين الاختلالات التي يصعب على المتابع للسياسة الوطنية أن يف…






