لا تجعلوا العدالة مكتب شكاوى للفيسبوك
سمعت أحد اليوتوبرز الجزائريين، ممن يظهرون أيضاً كمحللين رياضيين في بعض البلاتوهات، يتحدث عن لقائه بوكيل الجمهورية لمدة ساعة ونصف، حسب تصريحه، وأن الحديث دار حول المعلقين على تدخلاته في الفيسبوك، والذين يرى في بعض تعليقاتهم إهانات وشتائم موجهة لشخصه. ثم توعد، من الآن فصاعداً، بالتقدم بشكاوى أمام العدالة ضد أي معلق على تدخلاته قد لا يعجبه كلامه.
للأسف الشديد، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في بلداننا إلى فضاء مفتوح للشتائم، والطعن في الأعراض، والإساءة المجانية. وهذه ظاهرة مرفوضة أخلاقياً واجتماعياً، ولا يمكن لأي عاقل أن يدافع عن السب أو القذف أو الاعتداء اللفظي على الأشخاص. لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون دائماً بتحويل كل تعليق، وكل مناوشة، وكل خلاف فيسبوكي إلى ملف قضائي.
هذه المشاكل عالجها مالكو شبكات التواصل الاجتماعي بطريقة بسيطة وواضحة، من خلال توفير خاصية غلق التعليقات، أو حذف التعليق، أو حظر المعلق، أو تقييد من يمكنه التفاعل مع المنشور. لذلك لا أظن أن العدالة الجزائرية لديها من الوقت والموارد ما يجعلها تنشغل بكل تعليق سلبي أو ساخر أو مستفز على منشور في الفيسبوك، إلا في الحالات الخطيرة فعلاً، مثل التهديد بالقتل، أو المساس بالسلامة الجسدية، أو الترويج للتطرف والإرهاب، أو التحريض على العنف، أو القضايا التي تمس الأمن العام.
أما التعليقات المرتبطة بالأقوال والآراء والمواقف، فيجب التعامل معها أولاً بأدوات الفضاء الرقمي نفسه. فإذا كنت لا تتحمل التعليقات، أو تعتبر أن النقاش خرج عن حدوده، فالحل موجود أمامك: فعّل خاصية منع التعليقات، أو احذف التعليق المسيء، أو احظر صاحبه، وانتهى الأمر. لا يمكن أن نُدخل العدالة في متاهات كل نقاش فيسبوكي وكل مناوشة بين مؤثر ومتابعيه.
تصوروا مثلاً لو أن كل جزائري في الخارج بدأ يقدم شكاوى ضد أبناء بلده الذين يشتمونه أو يهددونه أو حتى يكفرونه، خاصة عندما يتحدث عن قضايا الدين أو ينتقد بعض الممارسات السياسية أو الاجتماعية. في أوروبا، مثل هذه الملفات قد تأخذ مسارات جدية إذا تعلق الأمر بتهديدات تمس السلامة الجسدية أو التحريض على العنف، وقد تتحول إلى قضايا أكبر مما يتصور أصحاب التعليقات أنفسهم. لذلك لا ينبغي اللعب بهذه المسائل، ولا ينبغي أيضاً جر العدالة إلى كل احتكاك لفظي يمكن حله بزر واحد.
عندما تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي، فأنت تدخل فضاء عاماً مفتوحاً، فيه الواعي والجاهل، فيه المحترم والمسيء، فيه صاحب الرأي وصاحب الشتيمة. وإذا كنت لا تتحمل هذا الواقع، فليس عيباً أن تغلق التعليقات. العيب هو أن تفتح الباب للناس، ثم تهدد كل من لا يعجبك كلامه بالعدالة، وكأن القضاء أصبح أداة لإدارة حسابات فيسبوك.
ومادام الحل التقني موجوداً داخل منصة التواصل نفسها، فإن الأصل هو استعماله قبل الذهاب إلى التصعيد. فالشكوى القضائية يجب أن تبقى للحالات الجدية والخطيرة، لا لكل تعليق مستفز أو عبارة قاسية أو خلاف في الرأي. وإلا فإننا سنحول القضاء إلى مكتب شكاوى خاص بمناوشات الفيسبوك، وهذا يسيء إلى العدالة نفسها، ويعطي صورة سلبية عن البلد ومؤسساته.
لذلك، أنصح وكلاء الجمهورية والقضاة في بلدي، عندما يتعلق الأمر بشكاوى من هذا النوع لا تتضمن تهديداً واضحاً ولا تحريضاً ولا مساساً خطيراً بالأشخاص أو بالأمن العام، أن يقولوا للشاكي ببساطة: يا أخي، فعّل خاصية منع التعليقات، واحذف المسيء، واحظر المتجاوز، وخلّينا من صداع الرأس.
أما استعمال عبارة “سأذهب إلى العدالة” في كل مرة كوسيلة لتخويف الناس، فهو تصرف غير موفق، حتى وإن كان اللجوء إلى القضاء حقاً مكفولاً من حيث المبدأ. فالقضاء ليس عصا نلوّح بها في وجه المعلقين، ولا ينبغي تحويله إلى وسيلة ضغط معنوي على المتابعين. العدالة مؤسسة لحماية الحقوق، لا لتصفية الحسابات الرقمية ولا لإسكات كل رأي لا يعجب صاحب الصفحة.
المتحدث على الفيسبوك، حين يلوّح بالعدالة كتهديد دائم، يعطي الانطباع بأن فهمه للعدالة قائم على التخويف لا على حماية الحقوق. وهذا خطأ كبير. العدالة لا يجب أن تُستعمل في الخطاب العام كفزاعة، ولا كوسيلة لترهيب الناس، بل كملاذ قانوني عند وقوع ضرر حقيقي ومثبت وخطير.
أنت أضعت، حسب كلامك، أكثر من ساعة ونصف من وقت وكيل الجمهورية الذي استقبلك واستمع إليك، بينما كان بإمكانك في أقل من دقيقة أن تفعل خاصية منع التعليقات، أو تغلق باب التفاعل، أو تحذف ما تراه مسيئاً، وترتاح وتريح الناس من التهديد المستمر بعدالة الجزائر، التي لا ينبغي إقحامها في كل صراع صغير على وسائل التواصل الاجتماعي.
مناوشات الفيسبوك ومختلف منصات التواصل ليست قضية دولة. ولا يجب أن تتدخل العدالة في كل احتكاك كلامي بين ناشط ومتابعيه، إلا عندما يتعلق الأمر بتهديدات حقيقية بالقتل، أو التحريض على العنف، أو الترويج للتطرف، أو المساس بالأمن العام، أو الانخراط في حملات منظمة تستهدف استقرار المجتمع والدولة.
أما ما عدا ذلك، فالحل واضح وبسيط: لا تهدد الناس بالعدالة، ولا تسيء إلى صورة البلد ومؤسساته. فعّل خاصية حجب التعليقات، واحترم وقت القضاء، واترك العدالة للقضايا التي تستحق فعلاً أن تتحرك من أجلها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
معوش يفجرها: اللجنة لم تختر بيتكوفيتش!
صرّح اللاعب السابق والمجاهد محمد معوش، في بودكاست مع أحد الصحفيين الرياضيين، بأن اللجنة ال…






