بيتكوفيتش والخمسة ملايين يورو.. من يدفع ثمن خطأ صادي؟
لم يخرج اجتماع اللجنة التنفيذية للفاف بأي قرار حاسم يخص مستقبل الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش، وهذا أمر كان متوقعاً إلى حد بعيد، لأن رئيس الهيئة وليد صادي كان قد مدد عقد المدرب قبل انطلاق كأس العالم، دون المرور، حسب ما هو متداول، على الهيئة التنفيذية لاستشارتها بشكل واضح في هذا القرار الحساس. ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن تمتنع اللجنة التنفيذية عن الغوص مباشرة في ملف المدرب، ما دامت لم تكن طرفاً أساسياً في قرار التمديد الذي تحول اليوم إلى أصل الأزمة.
ولهذا تم اللجوء إلى تأسيس لجنة لتقييم مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم، وهي مشاركة رآها ملايين المتابعين دون المستوى المطلوب، بل اعتبرها كثيرون عبثية وسيئة بكل المقاييس، سواء من حيث الأداء، أو التسيير الفني، أو طريقة التعامل مع المباريات، أو الصورة التي خرج بها الفريق الوطني من المنافسة.
حتى وإن جاءت نتائج اللجنة التي سيتم تعيينها لدراسة أداء المنتخب الوطني في كأس العالم ضد بيتكوفيتش، فإن المشكلة ستبقى كما هي من الناحية القانونية والمالية، لأن المدرب يملك عقداً سارياً، ويطالب، حسب ما يتم تداوله، بخمسة ملايين يورو من أجل مغادرة الفريق. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، لأن أي مناورة يقوم بها وليد صادي لن تغيّر من جوهر المسؤولية السياسية والإدارية التي يتحملها لوحده في هذا الملف، بعدما قرر تمديد عقد مدرب قبل اختبار عالمي حاسم، ثم وجد نفسه أمام مأزق فني ومالي وجماهيري.
وليد صادي لا يستطيع اليوم أن يدير ظهره لحالة المنتخب الوطني، ولا يمكنه أن يتعامل مع بقاء بيتكوفيتش على رأس العارضة الفنية وكأنه أمر عادي. فهناك حالة عدم رضا واسعة لدى الرأي العام الرياضي، وهناك من اللاعبين، حسب ما يشاع في مواقع التواصل الاجتماعي، من يرفضون العودة إلى المنتخب أو الالتحاق به في حال استمرار هذا المدرب في منصبه. وإذا صحت هذه المعطيات، فنحن لا نكون فقط أمام أزمة مدرب، بل أمام أزمة ثقة داخلية قد تضرب صميم الفريق الوطني.
الأزمة يتحملها رئيس الفاف كاملة. وإذا لم يجد لها حلاً واضحاً وسريعاً، فإنها ستنتقل من المكاتب إلى غرف الملابس، ومن نقاش الإعلام والجمهور إلى علاقة اللاعبين بالطاقم الفني. وعندها ستكون الأزمة أعمق بكثير مما هي عليه الآن، لأن المنتخب الوطني لا يقوم على المدرب وحده، بل يقوم أساساً على اللاعبين، وعلى ثقتهم في المشروع الفني، وعلى شعورهم بأن هناك قيادة قادرة على حمايتهم وتوجيههم لا على إدخالهم في الفوضى.
إلى جانب ذلك، فإن الرأي العام الرياضي، باستثناء بعض الأصوات القريبة من الفاف والمدافعة عنها مهما كانت الأخطاء، يطالب برحيل المدرب، بل يطالب أيضاً برحيل رئيس الفاف، على اعتبار أنه لا يملك، حسب منتقديه، الكفاءة اللازمة لإدارة هيئة بهذا الحجم وفي هذا الظرف الحساس. فالفاف ليست إدارة عادية، بل مؤسسة تتحكم في صورة المنتخب الوطني، وفي علاقة الجزائريين بفريقهم، وفي ملف حساس جداً على المستوى الشعبي والسياسي والرمزي.
وقد سبق لرؤوف برناوي، وزير الشباب والرياضة الأسبق، أن اقترح بقاء المدرب مع إحداث تغييرات في طريقة علاقته بالمنتخب، إلى حين مغادرته لاحقاً. غير أن هذا الحل يبدو صعب التحقيق، لأنه قد يعمق الأزمة بدل أن يحلها، خصوصاً إذا بقي المدرب فاقداً للثقة داخل المحيط الرياضي والجماهيري. فالمدرب الذي لا يحظى بالثقة لا يمكنه أن يقود مشروعاً هادئاً، مهما حاولت الإدارة تغليف الأزمة بخطابات التهدئة.
والمفارقة أن الطاقم الحالي يضم مدرباً جزائرياً في شخص نبيل نغيز، لكنه لا يظهر له أي أثر واضح ولا تأثير ملموس، ولا حتى تصريحات تشرح دوره داخل المنتخب. وهذا يطرح من جديد سؤالاً قديماً حول مكانة الإطار الجزائري داخل المنظومة الفنية، وحول ذلك الاحتقار التقليدي الذي يمارسه بعض المهووسين بعبادة الأجنبي ضد كل إطار وطني، وكأن الجزائري لا يصلح إلا أن يكون ديكوراً داخل الطاقم، بينما القرار الحقيقي يبقى محصوراً في يد المدرب الأجنبي ومساعديه.
اجتماع الهيئة التنفيذية للفاف لم يحل أي مشكلة من المشاكل المطروحة على الساحة الرياضية. وهذا طبيعي، لأنها ليست الجهة التي صنعت الأزمة من البداية، ولم تتم استشارتها، حسب ما يقال، في قرار التمديد لبيتكوفيتش، وهو القرار الذي يعتبر السبب الرئيسي في المأزق الحالي. فالمدرب معروف، من خلال بعض تجاربه السابقة، باللجوء إلى المسارات القانونية والهيئات الرياضية للمطالبة بمستحقاته ومستحقات مساعديه، ولذلك كان من الواجب التفكير ألف مرة قبل تمديد عقده في ذلك التوقيت.
اللجنة التي سيرأسها شيخ المدربين رابح سعدان لم تختر المدرب بيتكوفيتش في الأصل، كما صرح بذلك اللاعب المجاهد محمد معوش، الذي أضاف في تصريحاته أن المدرب غير مقنع ولم يقدم الإضافة المنتظرة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستكون هذه اللجنة هذه المرة أكثر شفافية وأكثر شجاعة في قول الحقيقة لمحبي المنتخب الوطني؟ وهل سيؤكد رابح سعدان، بما يملكه من تجربة ووزن رمزي، نفس ما قاله المجاهد محمد معوش؟ أم سيفضل الصمت كعادته، ويترك الأمور تمر دون تسمية المسؤوليات الحقيقية؟
القضية لم تعد مجرد نقاش حول مدرب خسر مباراة أو فشل في قراءة منافس. نحن أمام ملف مالي، إداري، فني، ورمزي في وقت واحد. خمسة ملايين يورو، إن صح الرقم المتداول، ليست مبلغاً بسيطاً، ولا يمكن التعامل معها وكأنها تفصيل في عقد مدرب أجنبي. إنها أموال كان يمكن أن تذهب إلى التكوين، أو الفئات الشبانية، أو تطوير البنية الرياضية، أو تحسين العمل الفني القاعدي، بدل أن تتحول إلى فاتورة محتملة لقرار تمديد غير محسوب.
لذلك فإن ملف بيتكوفيتش سيبقى مفتوحاً، ليس فقط لمعرفة هل سيبقى أم سيرحل، بل لمعرفة من سيدفع ثمن هذا القرار، ومن سيتحمل مسؤولية الأزمة، ومن سيشرح للرأي العام كيف وجد المنتخب الوطني نفسه بين مدرب فاقد للثقة، ورئيس فاف محاصر بالانتقادات، ولجنة تقييم مطالبة بقول الحقيقة، وعقد قد يكلف الكرة الجزائرية مبلغاً ثقيلاً.
القضية تبقى للمتابعة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
معوش يفجرها: اللجنة لم تختر بيتكوفيتش!
صرّح اللاعب السابق والمجاهد محمد معوش، في بودكاست مع أحد الصحفيين الرياضيين، بأن اللجنة ال…






