‫الرئيسية‬ الأولى إمام عظيم بالمسجد الأعظم
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

إمام عظيم بالمسجد الأعظم

إمام عظيم بالمسجد الأعظم
لم تكن الكلمة التي ألقاها إمام المسجد الأعظم مجرد تفسير لقصيدة شعبية، بل كانت موقفًا فكريًا واضحًا أعاد طرح سؤال المرجعية الدينية في الجزائر وعلاقتها بالذاكرة الوطنية. فالإمام لم يكتف بشرح كلمات «المقنين الزين»، بل ربط بين الدين والتاريخ الوطني، مقدّمًا نموذجًا لخطاب ديني يستند إلى التجربة الجزائرية نفسها، وإلى تضحيات شهدائها، بدل استيراد نماذج خطابية غريبة عن السياق المحلي.

الهجوم الذي استهدف الإمام لم يأتِ من فراغ. فقد قادته أصوات تنتمي إلى التيار الوهابي الذي ظل، منذ سنوات، في حالة توتر مع المرجعية الدينية الجزائرية القائمة على المذهب المالكي والتصوف الوسطي والتجربة التاريخية الخاصة للمجتمع الجزائري. هذا التيار لم يستسغ أن يتحول مسجد الجزائر الأعظم إلى فضاء يستحضر الشهداء والثورة والذاكرة الوطنية داخل الخطاب الديني، لأن رؤيته تقوم على فصل الدين عن السياق التاريخي الوطني، وتقديم نموذج ديني معزول عن التجربة الاجتماعية الجزائرية.

ما قام به الإمام كان عكس ذلك تمامًا. فقد أعاد قراءة قصيدة «المقنين الزين» باعتبارها جزءًا من ذاكرة المقاومة، لا مجرد نص غنائي. هذه الكلمات كُتبت داخل سجن سركاجي على يد المجاهد والفنان محمد الباجي وهو يجاور الشهيد بوعلام رحال، الشاب الذي أعدمته السلطات الاستعمارية الفرنسية بالمقصلة. القصيدة لم تكن غزلًا، بل رثاءً إنسانيًا لشهيد ينتظر الموت.

وقد أوضح الباجي نفسه أن فكرة «المقنين» استلهمت أيضًا من سلوك استعماري مهين، حين كان الجزائري الذي يشتكي معاناته يُقابل بسخرية المستعمر بعبارة: «Chante, canari, chante»، أي «غنِّ أيها الكناري، غنِّ»، في اختزال قاسٍ لإنسان يعيش القهر. بهذا المعنى، تحوّل الطائر في القصيدة إلى رمز لشعب يُطلب منه الغناء بينما يعيش السجن والمقصلة.

هذا الربط بين الدين والذاكرة الوطنية هو ما أزعج التيار الوهابي تحديدًا، لأنه يقوم على إعادة مركزية التجربة الجزائرية في فهم الخطاب الديني. فبدل الاعتماد على روايات وقصص دخيلة أو ما يسميه كثير من الباحثين بـ«الإسرائيليات» التي تسربت عبر بعض الخطابات الدينية المستوردة، قدّم الإمام نموذجًا يستمد معانيه من تاريخ الجزائريين أنفسهم، من الشهداء، ومن المقاومة، ومن الثقافة الشعبية التي حملت ذاكرة الألم والصمود.

المسألة هنا ليست خلافًا حول قصيدة، بل صراع رؤيتين للدين. رؤية تعتبر الدين امتدادًا لتاريخ المجتمع وثقافته وتجربته التحررية، ورؤية أخرى تفصله عن محيطه وتعيد إنتاج خطاب عابر للحدود لا يعترف بخصوصية المجتمعات. لذلك لم يكن الهجوم موجّهًا إلى الإمام كشخص، بل إلى الفكرة التي يمثلها، دين متجذر في التاريخ الوطني لا في قوالب مستوردة.

الأغاني الشعبية الجزائرية، مثل «المقنين الزين»، ليست مجرد تراث فني؛ إنها أرشيف غير مكتوب لذاكرة شعب عاش الاستعمار والمقاومة. وعندما تُستعاد هذه الذاكرة داخل المسجد، فإنها تعيد وصل الروحي بالوطني، وهو ما يشكل أحد عناصر الهوية الجزائرية منذ قرون، حيث لم يكن الدين منفصلًا عن المجتمع ولا عن نضاله.

ما حدث كشف أن المعركة لم تكن حول تفسير نص، بل حول من يملك حق تعريف المرجعية الدينية، هل هي مرجعية تنبع من تاريخ الجزائر وتجربتها، أم خطاب مستورد يسعى إلى إلغاء هذا العمق التاريخي؟ في هذا السياق، بدا الإمام وكأنه يعيد التوازن إلى خطاب ديني يربط الإيمان بالذاكرة، والعبادة بالوفاء لتضحيات من صنعوا تاريخ البلاد. ولهذا لم تكن كلمته حدثًا عابرًا، بل تذكيرًا بأن الدين في الجزائر لم يكن يومًا منفصلًا عن تاريخ الشهداء، وأن الذاكرة الوطنية ليست خارج المسجد، بل جزء من معناه.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

البابا ليون الرابع عشر في الجزائر… زيارة دينية بثقل تاريخي

تمثل زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر سابقة في العلاقات بين الدولة الجزائرية والكر…