‫الرئيسية‬ الأولى أئمة “تيك توك” يهاجمون المرأة ويهددون النسيج الاجتماعي في الجزائر
الأولى - أحوال الناس - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

أئمة “تيك توك” يهاجمون المرأة ويهددون النسيج الاجتماعي في الجزائر

أئمة “تيك توك” يهاجمون المرأة ويهددون النسيج الاجتماعي في الجزائر
يشهد الفضاء الرقمي الجزائري تصاعداً مقلقاً لخطاب ديني متطرف ينشط عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً “تيك توك” و”فيسبوك” و”يوتيوب”، حيث تحوّل بعض من يُقدَّمون على أنهم دعاة أو أئمة إلى منتجي محتوى قائم على التحريض والكراهية وشيطنة المرأة الجزائرية بشكل غير مسبوق. ولم يعد الأمر يتعلق بمجرد نقاشات دينية أو اختلافات فقهية، بل بخطاب متشدد يهدد بشكل مباشر النسيج الاجتماعي الجزائري ووحدة المجتمع.

هذا النوع من “أئمة تيك توك” يعتمد على الإثارة والصدام من أجل جمع المشاهدات والمتابعين، فيقدم خطاباً عدائياً ضد النساء والحريات الفردية والفنون وكل مظاهر الحياة الحديثة، مستنداً إلى فتاوى مستوردة من التيارات الوهابية والسلفية والمدخلية التي تسللت إلى الجزائر خلال العقود الماضية. والأخطر أن هذه المنصات منحتهم قدرة هائلة على الوصول إلى فئات واسعة من الشباب والمراهقين دون أي رقابة فكرية أو مؤسساتية حقيقية.

المرأة الجزائرية أصبحت الهدف الأول لهذا الخطاب. فبعض هؤلاء الدعاة لا يتوقفون عن وصف النساء بأوصاف مهينة، وتحميلهن مسؤولية “فساد المجتمع”، والتحريض ضد حريتهن في العمل والتنقل والدراسة والظهور في الفضاء العام. بل وصل الأمر ببعضهم إلى الدعوة بشكل غير مباشر إلى فرض وصاية اجتماعية على المرأة، وكأن الجزائر عادت قروناً إلى الوراء.

هذا الخطاب يمثل خطراً حقيقياً، ليس فقط لأنه يسيء إلى النساء، بل لأنه يصطدم مباشرة مع طبيعة المجتمع الجزائري وتاريخه الاجتماعي. فالجزائر ليست مجتمعاً أحادياً مغلقاً، بل فضاء حضاري متنوع تشكل عبر قرون طويلة من التعايش والتفاعل بين ثقافات متعددة. وفي مناطق واسعة من الجنوب والهضاب العليا، لعبت المرأة تاريخياً دوراً مركزياً في التنظيم الاجتماعي والأسري، كما هو الحال عند الطوارق وبعض القبائل الصحراوية التي تقوم بنيتها التقليدية على حضور قوي للمرأة داخل العائلة والمجتمع.

لكن الخطاب المتطرف القادم من بيئات اجتماعية مختلفة تماماً يحاول اليوم فرض نموذج ثقافي وديني غريب عن التقاليد الجزائرية. وهو خطاب يقوم على تخويف المجتمع من المرأة المستقلة، وتصويرها كخطر أخلاقي دائم، في حين أن المجتمع الجزائري عاش لقرون طويلة بتوازناته الخاصة دون الحاجة إلى هذه القراءة المتشددة للدين.

الأخطر أن بعض “أئمة تيك توك” باتوا يتعاملون مع مواقع التواصل الاجتماعي كمنابر تعبئة وتحريض، وليس كفضاءات دعوية أو فكرية. فهم يختزلون الدين في فتاوى التحريم والمراقبة الأخلاقية، ويقدمون أنفسهم كحراس للمجتمع، بينما يزرعون عملياً الانقسام والكراهية داخل العائلات والأحياء والجامعات وحتى داخل المؤسسات.

كما أن انتشار هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان المناخ الفكري الذي سبق العشرية السوداء، عندما بدأ التطرف بخطابات دينية متشددة قبل أن يتحول لاحقاً إلى عنف دموي وإرهاب. فالتجربة الجزائرية أثبتت أن التحريض المستمر ضد فئات من المجتمع، واتهام الناس في دينهم وأخلاقهم، يشكل دائماً مقدمة خطيرة للتطرف.

والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء الدعاة يقدمون الغرب على أنه “منحط أخلاقياً”، بينما يتجاهلون أن المجتمعات الغربية تحمي المرأة بالقانون، وتضمن حقوقها المدنية والاجتماعية، في حين ما زالت بعض التيارات المتشددة في العالم الإسلامي تحاول إعادة إنتاج مفاهيم قديمة قائمة على الوصاية والإقصاء.

إن استمرار هذا الخطاب دون مواجهة فكرية وقانونية حقيقية يمثل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي في الجزائر. فحين يتحول الدين إلى أداة لتقسيم المجتمع والتحريض ضد النساء وضد أنماط الحياة المختلفة، فإن الأمر لا يعود حرية تعبير أو اجتهاداً دينياً، بل يصبح مساساً بالوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي.

لذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تحرك جدي من المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، من أجل حماية المرجعية الدينية الوطنية الجزائرية القائمة على الاعتدال والتسامح، ومواجهة الخطاب المستورد الذي يحاول تحويل المجتمع الجزائري إلى نسخة مشوهة من صراعات دينية وثقافية لا علاقة لها بتاريخ الجزائر ولا بطبيعة شعبها.

فالجزائر التي قاومت الإرهاب ودفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها لا يمكن أن تسمح بعودة التطرف عبر شاشات الهواتف ومنصات “تيك توك”، لأن التحريض الرقمي اليوم قد يتحول غداً إلى أزمة اجتماعية حقيقية تهدد استقرار البلاد ووحدتها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“راديو الطروطوار” والتهويل السياسي

شهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة موجة تهويل واسعة رافقت بعض التغييرات السياسية والعسكرية ا…