السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تكشف: مليون و900 ألف توقيع في مهب الإلغاء..
كشفت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، من خلال بيانها رقم 22 المتعلق بانتخابات المجلس الشعبي الوطني المقررة يوم 2 جويلية 2026، عن حصيلة رقمية تعكس حجم الحركية السياسية التي تشهدها الساحة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تعقيدات كبيرة رافقت مرحلة إعداد ملفات الترشح، سواء بالنسبة للأحزاب السياسية أو القوائم الحرة. وتبرز الأرقام المعلنة اتساع دائرة المشاركة في هذا الموعد الانتخابي، مقابل ارتفاع لافت في عدد الملفات المسحوبة واستمارات التوقيع الفردي، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة المنافسة الانتخابية وشروط خوضها في ظل القوانين التنظيمية الحالية.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد ملفات التصريح الجماعي بالترشح المودعة داخل الوطن 786 ملفا، منها 647 قائمة تحت رعاية 32 حزبا سياسيا، إضافة إلى قائمة واحدة مقدمة في إطار تحالف حزبي، و138 قائمة حرة. أما بالنسبة للدوائر الانتخابية بالخارج، فقد بلغ عدد الملفات المودعة 66 ملفا، بينها 59 قائمة حزبية، وقائمة واحدة لتحالف سياسي، و6 قوائم حرة. وبذلك يصل العدد الإجمالي للقوائم المودعة داخل الوطن وخارجه إلى 852 قائمة، وهو رقم يعكس كثافة غير مسبوقة في التنافس الانتخابي، خاصة بالنظر إلى عدد الولايات والدوائر المعنية بالاقتراع.
وتؤكد هذه الأرقام أن الأحزاب السياسية لا تزال الطرف الأكثر حضورا في المشهد الانتخابي، إذ تمثل القوائم الحزبية الأغلبية الساحقة من مجموع القوائم المودعة، مقابل حضور أقل للقوائم الحرة والمستقلة. ويرى متابعون أن هذا المعطى يعكس استمرار اعتماد جزء كبير من المترشحين على الهياكل الحزبية التقليدية باعتبارها الأكثر قدرة على التنظيم والتأطير وتوفير الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة لخوض غمار الانتخابات، خاصة في ما يتعلق بجمع التوقيعات وإعداد الملفات الإدارية في الآجال القانونية المحددة.
وفي ما يتعلق بعدد المترشحين، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن عدد المترشحين داخل الوطن بلغ 10.144 مترشحا، مقابل 528 مترشحا عن الدوائر الانتخابية بالخارج، ليصل العدد الإجمالي إلى 10.672 مترشحا. ويعكس هذا الرقم حجم الرهان السياسي المرتبط بهذه الانتخابات، كما يكشف عن اتساع دائرة الراغبين في دخول المؤسسة التشريعية المقبلة، سواء من خلال الأحزاب أو عبر القوائم الحرة. كما توحي هذه المعطيات بأن المنافسة ستكون قوية في العديد من الولايات، خصوصا في الدوائر ذات الثقل السكاني والسياسي، حيث يرتفع عدد القوائم والمترشحين بشكل لافت مقارنة بدورات انتخابية سابقة.
غير أن المعطى الأكثر إثارة للانتباه في بيان السلطة يتعلق بعدد الملفات المسحوبة قبل نهاية الآجال القانونية، حيث سجلت السلطة سحب 1484 ملف تصريح جماعي بالترشح داخل الوطن، موزعة بين 1208 ملفات تحت رعاية أحزاب سياسية، و275 قائمة حرة، إضافة إلى ملف واحد لتحالف حزبي. أما بالنسبة للدوائر الانتخابية بالخارج، فقد تم تسجيل سحب 91 ملفا، منها 80 ملفا حزبيا، وملفان لتحالفات سياسية، و9 ملفات لقوائم حرة. ويصل بذلك العدد الإجمالي للملفات المسحوبة إلى 1575 ملفا، وهو رقم يفوق بشكل واضح عدد القوائم النهائية المودعة، الأمر الذي يعكس حجم التعقيدات التي رافقت مرحلة التحضير للانتخابات.
ويرى متابعون أن العدد الكبير للملفات المسحوبة يمكن تفسيره بعدة عوامل، من بينها الصعوبات الإدارية المرتبطة باستكمال الوثائق المطلوبة، وعدم القدرة على جمع العدد القانوني من التوقيعات، إضافة إلى وجود قوائم لم تتمكن من استيفاء الشروط التنظيمية في الآجال المحددة. كما لا يستبعد أن يكون جزء من هذه الملفات قد تم سحبه نتيجة حسابات سياسية أو تنظيمية داخل الأحزاب نفسها.
وفي السياق ذاته، كشفت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن مجموع استمارات التوقيع الفردي المسحوبة داخل الوطن بلغ مليونا و897 ألفا و248 استمارة، بينما بلغ عدد الاستمارات المسحوبة بالنسبة للدوائر الانتخابية بالخارج 2102 استمارة. ويعتبر هذا الرقم من أبرز المؤشرات المرتبطة بالعملية الانتخابية الحالية، إذ يعكس حجم التعبئة الميدانية التي قامت بها الأحزاب والقوائم المستقلة من أجل استيفاء شرط التوقيعات الفردية المنصوص عليه قانونا. غير أن هذا الرقم الضخم يطرح في المقابل تساؤلات واسعة حول فعالية النظام الحالي الخاص بجمع التوقيعات، ومدى تأثيره على فرص القوائم الجديدة والمستقلين في دخول المنافسة الانتخابية.
ويعتقد عدد من المتابعين أن شرط التوقيعات، رغم أهميته في ضبط الترشحات الجدية والحد من الترشيحات الشكلية، أصبح يشكل عبئا تنظيميا وإداريا ثقيلا، خصوصا بالنسبة للقوائم الحرة التي لا تمتلك شبكات تأطير واسعة أو إمكانيات لوجستية كبيرة. وفي المقابل، تبدو الأحزاب السياسية التقليدية أكثر قدرة على التعامل مع هذا النوع من المتطلبات بفضل انتشارها المحلي وخبرتها التنظيمية، وهو ما يفسر استمرار هيمنتها على أغلب القوائم النهائية المعتمدة.
كما تكشف الأرقام الرسمية عن غياب شبه كامل للتحالفات السياسية في هذه الانتخابات، إذ لم تسجل سوى قائمة تحالف واحدة داخل الوطن وأخرى بالخارج ضمن الملفات المودعة، مقابل سحب ثلاث قوائم لتحالفات خلال مرحلة التصريحات. ويعكس هذا الوضع، بحسب مراقبين، استمرار حالة التشتت والانقسام داخل المشهد الحزبي الوطني، في وقت كانت فيه بعض الأوساط السياسية تتوقع بروز تكتلات انتخابية أوسع استعدادا لهذا الاستحقاق التشريعي.
وتعطي هذه المعطيات صورة أولية عن طبيعة الانتخابات المقبلة، التي تبدو مفتوحة على منافسة واسعة من حيث عدد القوائم والمترشحين، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الوصول إلى مرحلة الاعتماد النهائي لا يزال يمر عبر مسار إداري وتنظيمي معقد. وبين كثافة المشاركة وارتفاع عدد الملفات المسحوبة، تبدو الانتخابات التشريعية المقبلة محاطة برهانات سياسية وتنظيمية كبيرة، في انتظار ما ستكشف عنه الحملة الانتخابية ونتائج صناديق الاقتراع خلال الأسابيع القادمة.
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تكشف: مليون و900 ألف توقيع في مهب الإلغاء..
مسدور.. بين يوشع بن نون و”صحابة” تبسة
القضية الصحراوية وثوابت القانون الدولي والمقاومة والاستقرار في المنطقة
بن قرينة والعلاج في الخارج.. سقوط خطاب الشعبوية الدينية
تجار الدين يحاولون المتاجرة بمواقف الجزائر
السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تكشف: مليون و900 ألف توقيع في مهب الإلغاء..
عودة السفير الفرنسي تحت ظلال مجازر 8 ماي.. الجزائر تهزم خطاب “الجزائر الفرنسية”
العدد 89 من يوميـــــة “المؤشر” 10|05|2026
«عدل 2» بالرحمانية: غموض يلفّ آجال التسليم
قانون الانتخابات الجديد في أول امتحان حقيقي: هل اصطدمت فلسفة “تمكين الشباب” بحدود الواقع السياسي؟
انتهت رسميًا، عند منتصف ليلة 18 ماي، آجال إيداع ملفات الترشح الخاصة بانتخابات المجلس الشعب…
أحوال الناس
الجزائر تسجّل 47 مليون ساكن
بلغ عدد سكان الجزائر 47 مليون نسمة بتاريخ 1 يوليو 2025، وفقًا لآخر البيانات …









