من يحمي بيتكوفيتش من المحاسبة؟
أعقبت خسارة المنتخب الجزائري أمام نظيره الأرجنتيني بثلاثة أهداف دون مقابل، سجلها جميعًا ليونيل ميسي، موجة واسعة من النقاش حول واقع المنتخب الوطني، والعجز الذي ظهر على الطاقم الفني في تنظيم صفوف الفريق ووضع خطة قادرة على مجاراة بطل النسخة السابقة من كأس العالم. ولم يقتصر النقاش على الفارق الفني الطبيعي بين المنتخبين أو الموهبة الاستثنائية لميسي، بل امتد إلى الطريقة التي دخل بها المنتخب الجزائري المباراة، والخيارات التكتيكية المعتمدة، وتنظيم الخط الدفاعي، وإدارة وسط الميدان، فضلًا عن التغييرات التي لم تنجح في تعديل مسار اللقاء.
والمصيبة التي نلاحظها أن كثيرًا من الموالين للمسؤولين الحاليين عن كرة القدم الجزائرية لا يكتفون بالدفاع عن المدرب، بل ينكرون أصلًا مبدأ مسؤوليته عن أداء الفريق، وهي كارثة حقيقية تجتاح عقول من يتعاملون مع النقد الرياضي وكأنه اعتداء على الدولة أو مؤسساتها. فالمدرب جرى التعاقد معه من أجل قيادة المنتخب واختيار اللاعبين ووضع الخطة وتوزيع الأدوار وتصحيح الأخطاء، وليس من المنطقي أن يصبح مسؤولًا عند الانتصار، ثم يتحول فجأة إلى مجرد متفرج لا علاقة له بما يحدث فوق الميدان عندما تأتي الهزيمة.
بيتكوفيتش يملك تجربة تدريبية معروفة، وسبق له قيادة المنتخب السويسري والعمل مع أندية أوروبية، لكن السيرة الذاتية، مهما كانت، لا تمنح صاحبها حصانة دائمة من النقد، ولا تعفيه من المحاسبة على خياراته ونتائجه. فالمدرب لا يُقيّم فقط بما حققه في محطات سابقة، بل بما يقدمه مع المنتخب الذي يتولى قيادته حاليًا، ومدى قدرته على استغلال إمكاناته وتحسين أدائه والتعامل مع المباريات الكبرى. والقول إن له مسيرة مهنية محترمة لا يعني أن كل اختياراته صحيحة، كما أن تحميله المسؤولية عن الإخفاق لا يعني إنكار خبرته أو التقليل من شأنه.
في الجزائر، أصبح الحلم عند بعضهم حرامًا، وانتقاد المدرب حرامًا، بل حتى ذكر اسمه وتحميله جزءًا من المسؤولية عن أداء الفريق الذي يدربه ويتقاضى مقابل عمله أجرًا معتبرًا، يراه بعض «الشياتين» مخالفة وتآمرًا على الوطن، من دون أن يحددوا عن أي وطن يتحدثون. فهل أصبح المنتخب ملكًا للمدرب أو للاتحادية أو لمجموعة من الإعلاميين، أم أنه يمثل الجزائر ومن حق كل جزائري أن يناقش أداءه ويعبر عن رأيه في طريقة تسييره؟
النقد لا يعني الخيانة، ومساءلة المدرب لا تعني تمني الهزيمة للمنتخب. بل إن الدفاع الحقيقي عن المنتخب يبدأ بالمطالبة بتصحيح الأخطاء، لأن الصمت عنها يراكمها ويحولها إلى أزمات يصعب علاجها. أما تحويل كل ملاحظة فنية إلى مؤامرة، وكل انتقاد إلى استهداف للوطن، فهو خطاب ضعيف لا يستطيع مناقشة الوقائع، فيلجأ إلى التخوين بدل تقديم الحجة.
هل أصبحت الجزائر تتعاقد مع مدربين من دون تحميلهم المسؤولية، خلافًا لما هو معمول به في جميع بلدان العالم؟ ففي كرة القدم، يتحمل المدرب مسؤولية أداء الفريق، سواء كان منتخبًا وطنيًا أو ناديًا محليًا، إلى جانب مسؤولية اللاعبين والمسيرين والاتحادية. ولا تعني المسؤولية أن المدرب يتحمل وحده كل شيء، لكنها تعني أنه الحلقة الأساسية في القيادة الفنية، وصاحب القرار في الخطة والتشكيلة والتغييرات والتحضير للمباراة.
فكيف يمكن التعاقد مع مدرب ثم القول إنه غير مسؤول؟ وإذا كان غير مسؤول، فمن المسؤول عن أداء المنتخب الوطني الجزائري؟ هل هم اللاعبون وحدهم؟ وهل يختار اللاعبون بأنفسهم التشكيلة والخطة ومراكزهم فوق الميدان؟ وهل يقررون وحدهم التغييرات وتوقيت إجرائها؟ أم أن هناك طاقمًا فنيًا جرى التعاقد معه وتحميله مهمة الإشراف على كل ذلك؟
إن المنتخب الوطني، مثلما هو الحال في جميع الدول، يدخل ضمن أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الرياضية، لأن ما يصنعه فريق ناجح من سمعة طيبة للبلد لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية تحقيقه بسهولة، حتى مع إمكاناتها الضخمة وإنفاقها الكبير. فالمنتخب حين ينجح يقدم صورة عن الجزائر إلى مئات الملايين عبر العالم، ويرفع العلم الوطني في أكبر المناسبات، ويخلق علاقة عاطفية بين البلاد وأبنائها في الداخل والخارج.
ولهذا فإن تسييره لا يجوز أن يخضع للمجاملة أو الولاءات أو العواطف، بل يجب أن يقوم على الكفاءة والنتائج والمحاسبة. فالمنتخب ليس مساحة لتجريب الأفكار من دون تقييم، ولا مؤسسة معفاة من المسؤولية، بل واجهة وطنية تفرض على كل من يتولى قيادتها أن يبرر اختياراته ويقبل النقد ويصحح أخطاءه.
كيف وصل الحال بالبعض في الجزائر إلى محاولة نزع المسؤولية عن المدرب، وهي أساس تعيينه؟ وكيف يمكن قبول فكرة أن يكون أي مدرب غير مسؤول عن عمله؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يجب أن يتحمل مسؤولية الأداء السيئ للمنتخب؟ هل يريد أصحاب هذا الخطاب نقل المسؤولية إلى رئيس الجمهورية، كما تفعل بعض الأبواق التي تسيء إلى الجزائر وتحاول ربط كل صغيرة وكبيرة بالرئيس؟
هل هذا هو ما تريده المجموعة التي تروج لعدم مسؤولية بيتكوفيتش؟ فعندما ترفض تحميل المسؤول المباشر مسؤوليته المهنية، فإنك تدفع الناس تلقائيًا إلى البحث عن مسؤول أعلى، وقد تنتهي بتحميل الدولة ورئيسها مسؤولية خيارات فنية وتكتيكية يفترض أن تكون من اختصاص المدرب والاتحادية الجزائرية لكرة القدم.
ثم لماذا يمدح الأشخاص أنفسهم بيتكوفيتش ويعظمون شأنه عندما ينتصر المنتخب الوطني؟ أليس بيتكوفيتش، وفق منطقهم، غير مسؤول؟ أم أنه يصبح مسؤولًا فقط في حالات الانتصار التي تحسب له، بينما يتحول الإخفاق إلى أمر لا علاقة له به؟ لا يمكن اعتماد ميزانين في تقييم العمل نفسه: الفوز للمدرب، والهزيمة للاعبين أو الحكم أو الظروف أو الجمهور أو المؤامرة.
إذا كان المدرب يستحق الإشادة عندما ينجح في إعداد الفريق ووضع الخطة المناسبة، فإنه يستحق النقد عندما يفشل في ذلك. وهذه ليست خصومة شخصية معه، بل قاعدة طبيعية في كل مهنة. فالطبيب يحاسب على قراراته المهنية، والمهندس يحاسب على تصميمه، والمسير يحاسب على نتائج مؤسسته، والمدرب يحاسب على أداء الفريق الذي يشرف عليه.
إن نفي المسؤولية عن المدرب أمر خطير من حيث المبدأ، لأنه لا يتعلق بكرة القدم فقط، بل يعكس ثقافة عامة تهرب من المحاسبة وتبحث دائمًا عن أعذار. وهو يرسم طريق الفوضى في كل المجالات، ويدخل المجتمع فيما لا تحمد عقباه، ويصنع جيلًا من الإعلاميين التائهين الذين لا يفرقون بين النقد والعداء، ولا بين الدفاع عن المؤسسة والدفاع عن أخطاء المسؤولين عنها.
فمبدأ المسؤولية هو المحرك الحقيقي الذي تسير عليه الدول والمجتمعات. لا توجد دولة قوية من دون تحديد واضح للمهام، ولا توجد مؤسسة ناجحة من دون محاسبة من يتولى قيادتها. وانتشار فكر اللامسؤولية يقود بالضرورة إلى الفوضى، لأن الجميع سيطالب بحقوقه وسلطاته، بينما يرفض تحمل نتائج قراراته.
وقد رأينا جزءًا من نتائج ثقافة الإفلات من المسؤولية خلال العشرية السوداء، حين خرج مجرمون وقتلة من دائرة المحاسبة الأخلاقية والسياسية، واستطاعت آلة دعائية، ولا تزال إلى اليوم، أن تنقل مسؤولية جرائم واضحة إلى المؤسسات الرسمية الجزائرية التي استُهدفت وانتهكت، ولم تستطع في مراحل كثيرة مواجهة الآلة الإعلامية التي عملت سنوات على إعادة صياغة الوقائع وتحويل الجلاد إلى ضحية والضحية إلى متهم.
وهنا لا يتعلق الأمر بمقارنة كرة القدم بالمآسي الوطنية، بل بالتنبيه إلى خطورة المبدأ نفسه: عندما يتعود المجتمع على إعفاء كل صاحب قرار من المسؤولية، يصبح مستعدًا لقبول تزييف كل الوقائع. تبدأ المسألة بمدرب يقال إنه غير مسؤول عن أداء فريقه، ثم تنتقل إلى مسؤول إداري غير مسؤول عن تسييره، وسياسي غير مسؤول عن قراراته، وإعلامي غير مسؤول عن أكاذيبه، حتى تضيع المسؤولية بين الجميع ولا يتحملها أحد.
تحميل المسؤولية لأي مسؤول ليس كرهًا له، ولا تقليلًا من شأنه أو قدراته أو عمله، بل هو مبدأ حياتي تعمل به جميع الدول والشعوب. ومن يتولى مهمة عامة عليه أن يقبل بأن يُسأل عن نتائجها، وأن يشرح خياراته، وأن يتحمل نصيبه من النجاح والإخفاق.
وبيتكوفيتش ليس عدوًا للجزائر، وانتقاده لا يعني المطالبة بإقالته الفورية أو إنكار كل ما حققه، لكنه مدرب المنتخب الوطني، وبالتالي يتحمل المسؤولية الفنية الأساسية عن طريقة لعبه وأدائه. ويمكن مناقشة حجم هذه المسؤولية وتقاسمها مع اللاعبين والاتحادية، لكن لا يمكن إلغاؤها.
لقد واجه المنتخب الجزائري بطل العالم وأحد أقوى منتخبات الكرة، ويجب الاعتراف بالفارق الفني وبقيمة ميسي ورفاقه. لكن احترام قوة الخصم لا يفرض علينا تبرير كل ما حدث، ولا يمنعنا من السؤال عن الخطة، والاختيارات، والتنظيم، وغياب الحلول، والأخطاء التي ساهمت في النتيجة.
فالمنتخبات تتطور بالنقد الجاد، لا بالتطبيل، والمدرب القوي لا يخشى المساءلة، بل يستفيد منها ويثبت قدرته على الرد فوق الميدان. أما تحويله إلى شخص فوق النقد، فلا يخدمه ولا يخدم المنتخب، بل يضعه تحت ضغط أكبر ويمنع تصحيح الأخطاء في الوقت المناسب.
لا داعي إذن للزج بالجزائر في أتون فوضى فكرية تُلغى فيها المسؤولية باسم الدفاع عن الوطن. فالوطن لا يُدافع عنه بإعفاء المسؤولين من المحاسبة، بل بحماية مؤسساته من الفشل، وإجبار كل من يتولى مهمة على أدائها بكفاءة وشفافية.
بيتكوفيتش مسؤول عندما ينتصر المنتخب، ومسؤول عندما يخفق، واللاعبون مسؤولون، والاتحادية مسؤولة كذلك. قد تختلف درجات المسؤولية، لكنها لا تختفي. ومن يرفض هذه القاعدة لا يدافع عن المنتخب، بل يدافع عن اللامسؤولية، وهي أخطر على الجزائر من هزيمة في مباراة كرة قدم.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من يدفع مسلمي أوروبا إلى حافة الانفجار؟
صدمتني معلومة تكشف مدى تغلغل الخطاب الديني المتطرف داخل بعض أوساط الجالية المسلمة في أوروب…






