الفاف تختار البريكولاج… والمنتخب يدفع الثمن
كما كان متوقعاً، أكدت لجنة خبراء الفاف أن بيتكوفيتش سيبقى على رأس العارضة الفنية للمنتخب الوطني، وجاء قرارها، بطبيعة الحال، ليدعم الخطأ الفادح الذي ارتكبه رئيس الفاف ووزير الرياضة وليد صادي، عندما مدد عقد بيتكوفيتش قبل بداية منافسات كأس العالم. فاللجنة أكدت ما كان ينتظره كل متابع للشأن الرياضي في الجزائر: محاولة التغطية على خطأ رئيس الاتحادية، الذي وجد نفسه في ورطة أمام مدرب يطالب، حسب ما يتم تداوله، بخمسة ملايين يورو من أجل المغادرة، بعد الأداء المخزي للمنتخب الوطني خلال مبارياته في كأس العالم.
هذه اللجنة لم تُستشر في اختيار المدرب، كما صرح بذلك المجاهد محمد معوش، ولم تُستشر كذلك في تمديد عقده قبل انطلاق كأس العالم، ثم جيء بها اليوم لتنقذ رئيس الفاف من خطأ كان من المفروض أن يُحاسب عليه من طرف السلطات العليا في البلاد. لكن، إلى حد الساعة، لا نرى أي نية واضحة في ذلك، بل إن القوى التي جاءت به ما زالت تدعمه، وتجد له الأعذار، وكأن الجزائر لا يوجد فيها رجال قادرون على تسيير الاتحادية الجزائرية لكرة القدم بطرق عصرية، بعيداً عن منطق البريكولاج.
وسيبقى رئيس الفاف، وهو في الوقت نفسه وزير، في موقف ضعيف أمام مشهد غير مسبوق، بعدما ظهر شخص في فيديو متداول على يوتيوب يتحدث بطريقة توحي بأنه يملك معطيات أو أدلة ضد الوزير وضد أطراف أخرى، بدل أن تتم محاسبته سياسياً وإعلامياً على هذا الخطاب، أو على الأقل وضع حد لهذا النوع من الابتزاز العلني الذي يسيء إلى صورة المؤسسات. والغريب أنه، عوض التعامل مع هذا الشخص بما يليق بخطورة ما قاله، يتم في الجزائر احتضانه ومنحه مساحة واسعة، إلى درجة أنه أصبح، في نظر كثيرين، جزءاً غير رسمي من محيط الفاف، أو على الأقل مؤثراً في أجوائها وقراراتها. وهذا عار على الجزائر أن تبدو وكأنها ترضخ لشخص يلوّح بمعلومات ضد وزيرها، دون أن تتحرك مؤسساتها بما يحفظ هيبة الدولة.
توفير الغطاء من طرف اللجنة لبقاء بيتكوفيتش، مع طرد طاقمه المساعد وتعويضه بطاقم جزائري، من أجل عزله ودفعه ربما إلى تقديم استقالته، أمر لا يُستساغ إطلاقاً. بل يمكن إدراجه في خانة البريكولاج الذي نعرفه في عدة قطاعات، حيث يتم البحث عن حلول ملتوية للتغطية على الفاشلين، بدل محاسبتهم كما تفعل كل الدول المحترمة. والدليل أن كأس العالم شهدت خروج أكثر من خمسة عشر مدرباً، إما بالإقالة أو بالاستقالة، بعد سقوط المنتخبات التي كانوا يشرفون عليها.
الحل الأمثل كان واضحاً منذ البداية: تصحيح الخطأ بدفع مستحقات بيتكوفيتش، مهما كان الثمن ثقيلاً، ثم إنهاء علاقته بالمنتخب الوطني، بدل الإبقاء عليه مع محاولة محاصرته. فهذه الطريقة قد تكلف الجزائر ضياع منتخبها الوطني، خصوصاً أن عدداً من اللاعبين لم يعودوا يتحملون هذا المدرب، حسب ما يظهر من ردود أفعالهم ومن غضبهم تجاه خياراته السيئة وتصرفاته غير المفهومة، إلا عند عباقرة الفاف ورئيسها وليد صادي.
بيتكوفيتش لن يستقيل بسهولة، وهو معروف بلجوئه إلى العدالة الرياضية في أي خلاف، صغيراً كان أو كبيراً. ومحاولة محاصرته بطرد معاونيه قد يستعملها لصالحه أمام الفيفا، وقد يشتكي بأن الفاف تتآمر عليه، وتعرقل عمله، وتحبط معنوياته. وربما يذهب أبعد من ذلك إذا شعر بأنه مستهدف إدارياً ونفسياً، وهذا قد يكلف الفاف المزيد من المشاكل والمصاريف التي ستدفعها في النهاية الكرة الجزائرية.
فهل من المعقول أن نصحح خطأ ارتكبه رئيس الفاف بكارثة جديدة قد تحل على المنتخب الوطني وسمعته؟ وهل يُعقل أن ندخل الفريق في أزمة مفتوحة مع مدرب لا يملك ثقة الجمهور، ولا يبدو قادراً على التحكم في المجموعة، ثم نحاصره إدارياً على أمل أن يرحل من تلقاء نفسه؟ هذا منطق خطير، لأن المنتخب الوطني ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو جزء من صورة الجزائر، ومن قوتها الناعمة، ومن حضورها الرمزي في الخارج. وفي حالات كثيرة، يكون تأثيره أقوى من أداء الدبلوماسية الرسمية نفسها.
الجزائر ستجد نفسها، في أزمة المنتخب الوطني، أمام خيار صعب جداً: إما تفضيل مصالح المجموعات والعصب والمستفيدين من ريع كرة القدم، وإما تفضيل مصلحة الجزائر العليا المرتبطة بمصلحة المنتخب الوطني، وحمايته من التدهور ومن الحسابات الضيقة القاتلة لمستقبله.
المشكلة لم تعد في بيتكوفيتش وحده. المشكلة في طريقة صناعة القرار داخل الفاف، وفي منطق التغطية على الأخطاء بدل الاعتراف بها، وفي تحويل اللجان إلى أدوات لتبرير ما سبق أن تقرر في الكواليس. فإذا كانت اللجنة لم تختر المدرب، ولم تمدد له، ولم تتحمل مسؤولية القرار، فلماذا تُدفع اليوم إلى واجهة المشهد لتبرير بقائه؟ ومن الذي يملك الشجاعة ليقول للرأي العام: نعم، لقد أخطأنا في التمديد، وعلينا الآن أن ندفع ثمن الخطأ ونغلق الملف؟
كرة القدم الجزائرية لا تحتاج إلى مزيد من المناورات. تحتاج إلى قرار شجاع، واضح، ومباشر. إذا كان بيتكوفيتش غير قادر على قيادة المنتخب، فليغادر. وإذا كان العقد يكلف الفاف أموالاً، فلتدفع ثمن خطئها، ثم تحاسب من اتخذ قرار التمديد قبل كأس العالم. أما إبقاء المدرب، ومحاصرته، وتغيير طاقمه، وانتظار أن ينهار أو يستقيل، فهذا ليس تسييراً، بل عبث إداري قد يدفع المنتخب ثمنه في الاستحقاقات المقبلة.
نتمنى أن تتدخل السلطات العليا في البلاد لإيقاف هذا العبث، وتصويب الأمور كما هو معمول به في الدول المحترمة، وتطبيق مبدأ جزائري معروف وبسيط: اخسر وفارق. أحياناً يكون الاعتراف بالخسارة أقل كلفة من الإصرار على خطأ يتحول مع الوقت إلى فضيحة أكبر.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الرئيس تبون والمعارضة.. رؤية راقية تصطدم بعقلية تخاف النقد
تصريح الرئيس عبد المجيد تبون في ألمانيا حول ترحيبه بالمعارضين، بل واعتباره لهم إضافة للجزا…






