الرئيس تبون والمعارضة.. رؤية راقية تصطدم بعقلية تخاف النقد
تصريح الرئيس عبد المجيد تبون في ألمانيا حول ترحيبه بالمعارضين، بل واعتباره لهم إضافة للجزائر من حيث إنهم يقدمون أفكاراً يمكن أن تساعد في حل المشاكل التي تواجهها البلاد، يُعد أمراً في غاية الأهمية. فهذا التصريح يعطي، من حيث المبدأ، ضوءاً أخضر لكل من يؤمن بأن المعارضة ليست خيانة، وأن النقد ليس عداءً للوطن، وأن الاختلاف السياسي يمكن أن يكون جزءاً من بناء الدولة لا تهديداً لها.
غير أن أهمية هذا التصريح تكمن أيضاً في أنه يأتي في سياق داخلي لا يزال فيه كثيرون يشيطنون المعارضين في الجزائر، ويخونونهم، ويحولون كل رأي مخالف إلى تهمة جاهزة. بل إن بعض الأصوات التي تنتقد تصرفات مسؤول، مهما كان موقعه، من رئيس بلدية إلى موظف في مطار، مروراً بدبلوماسي مقيم في إحدى العواصم، قد تتعرض لهجمات إلكترونية شرسة، وتشويه منظم، لمجرد أنها تحدثت عن خلل أو تجاوز أو سوء تسيير.
لقد أصبح النقد في الجزائر، عند فئات معينة، من المحرمات الكبرى، وكأنه خطيئة سياسية لا تُغتفر. وقد يتعرض الناقد، حتى عندما يحترم أخلاقيات النقد ولا يخرج عن حدود الرأي، إلى ما لا تحمد عقباه. ولذلك، وحتى يكون تصريح الرئيس تبون ذا فعالية حقيقية داخل المجتمع، لا بد أن يتحول إلى ممارسة ومؤسسات وضمانات، لا أن يبقى مجرد موقف سياسي جميل.
المطلوب اليوم هو سن قوانين واضحة تحمي الناقد ورأيه من أي تصرفات إدارية أو أمنية أو انتقامية قد تستهدفه بسبب تعبيره عن موقفه. فالمجتمع الجزائري يعرف صعود جيل جديد من المسؤولين وصلوا إلى مواقع القرار، لكن بعضهم، للأسف، من أخطر الأجيال على الممارسة الديمقراطية، بسبب ضيق الأفق السياسي، وضعف القدرة على تقبل الانتقاد، واعتبار أي ملاحظة أو اعتراض إهانة شخصية لهم ولعائلاتهم وأصدقائهم. والأمثلة على ذلك لا تنقص في بلادنا.
في حديث جمعني بزميل من مهنة المتاعب، وهو صحفي منذ أكثر من أربعين سنة، قال لي بمرارة إننا وصلنا إلى الحضيض في مجال حرية التعبير، إلى درجة أننا أصبحنا لا نستطيع أن ننتقد رئيس بلدية في الجزائر دون التعرض إلى تبعات غير محسوبة. وهذا الكلام، مهما بدا قاسياً، يعكس شعوراً واسعاً لدى كثير من الصحفيين والكتاب وأصحاب الرأي الذين باتوا يمارسون الرقابة على أنفسهم قبل أن يكتبوا أي كلمة.
ثم ماذا يعني الانتقاد، سيدي الرئيس، إذا لم يتبعه أثر؟ وماذا تعني حرية الرأي إذا لم تنتج إجراءات وتصحيحات ومحاسبة؟ هل نريد مجتمعاً يقول فيه الناس ما يشاؤون بينما تستمر الإدارة في فعل ما تريد؟ هل نريد أن نعيد إنتاج منطق مرحلة بوتفليقة: “قولوا ما شئتم، ونحن نفعل ما نشاء”؟ إذا كان الأمر كذلك، فلا معنى للديمقراطية، ولا معنى لحرية التعبير، ولا معنى للمعارضة.
هنا نجد أنفسنا أمام الفهم العربي المتخلف للعملية الديمقراطية، أو إن شئنا أمام ديمقراطية شكلية وساذجة، تلك التي طُبقت في كثير من بلدان ما بعد حركات التحرر، حيث تُقبل المعارضة كديكور، ويُقبل النقد كضجيج، لكن دون أن يسمح لهما بالتأثير في القرار أو تصحيح المسار. وهذه ليست ديمقراطية حقيقية، بل إدارة للواجهة السياسية فقط.
الرئيس تبون محق في نظرته عندما يعتبر أن المعارضين يمكن أن يقدموا إضافة للبلد. لكن المشكلة أن النظام السياسي والاجتماعي الجزائري، في تركيبته النفسية والإدارية والثقافية، لا يبدو مهيأً بما يكفي لقبول هذه الفكرة النبيلة. نحن ما زلنا، في جوانب كثيرة، نسير إلى الخلف، لأن ثقافة السلطة عندنا لم تتصالح بعد مع فكرة أن المواطن له الحق في النقد، وأن المسؤول موظف لدى الدولة وليس مالكاً لها، وأن المنصب العام لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية ضد الملاحظة والمساءلة.
والدليل على عمق الأزمة أن التراجع لا يخص السياسة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع والثقافة والخطاب الديني والإعلامي. بالأمس فقط، سمعنا إماماً من على منبره يشتم الزوج الذي يذهب رفقة شريكة حياته إلى شاطئ البحر، وينعته بلفظ مهين لا علاقة له بروح الإسلام ولا بأخلاق الدين. هذا النوع من الخطاب لا يبني مجتمعاً سليماً، بل يكرس الانحطاط، ويحول المنابر إلى فضاءات لإهانة الناس لا لتربيتهم.
والأخطر أن بعض الكلمات التي تُستعمل اليوم باسم الدين لا أصل لها في المقاصد الإسلامية الراقية، بل ترتبط بثقافات قبلية وصحراوية قديمة، كانت تقوم على الإهانة والغزو والسبي، لا على العدل والرحمة والكرامة. في مجتمع ديمقراطي حقيقي، مثل هذا الخطاب لا يمر مرور الكرام، بل يخضع للمساءلة، لأن حرية التعبير لا تعني حرية إهانة المواطنين من فوق المنابر، ولا تعني تحويل الدين إلى أداة جلد اجتماعي.
كلمة الرئيس عبد المجيد تبون ترتقي، من حيث مضمونها، بالجزائر إلى الأعلى، ولا شك في ذلك. فهي تحمل اعترافاً مهماً بأن المعارضة ليست شراً، وأن الأفكار المخالفة يمكن أن تساعد الدولة على تصحيح أخطائها. لكن المجتمع الجزائري، خاصة بعد سنوات الإرهاب وما خلّفته من اضطرابات فكرية ونفسية وثقافية، نزل في مجالات كثيرة إلى الدرك الأسفل، ويحتاج إلى عمل يومي ودؤوب لإخراجه من وضعيته المزرية.
هذا العمل لا يكون بالشعارات، ولا بمجرد الحديث عن الديمقراطية في المناسبات، بل بإيقاف حالة الانحطاط مهما كان القناع الذي تختبئ خلفه، سواء كان دينياً أو ثقافياً أو سياسياً. نحن أمام حالة خطيرة، لأن الممارسة الديمقراطية لا معنى لها في مجتمع تتجاذبه الأفكار نحو الأسفل، ولا في مجتمع يرى النقد إهانة، والمعارضة خيانة، والاختلاف خروجاً عن الطاعة.
حتى الممارسة الديمقراطية نفسها أصبحت، في بعض الأحيان، تُختزل في مجرد موعد للحصول على مناصب داخل مؤسسات الدولة، دون أي مبرر برامجي حقيقي، حتى ولو كان شكلياً. كثيرون لا يدخلون العمل السياسي حاملين مشروعاً، بل حاملين رغبة في الوصول. لا يتحدثون عن إصلاحات، ولا عن رؤية اقتصادية، ولا عن برنامج اجتماعي، بل عن مواقع ومكاسب وامتيازات. وهذا أيضاً يفرغ الديمقراطية من مضمونها.
الإعلام هو مركز ممارسة الحرية والانتقاد، وحالته لم تعد كما كانت؛ فهو يعيش تحت رحمة من يتصدق عليه بالإشهار من أجل البقاء على قيد الحياة. والإشهار لا أحد يعرف، في بلد الشهداء، كيف يُدار، ولمصلحة من يُوزَّع، والمؤكد أنه ليس في مصلحة الديمقراطية في الجزائر.
فلا يمكن بناء نقاش عام حر بإعلام خائف من الجوع المالي. ولا يمكن لصحفي أن ينتقد بجرأة إذا كان بقاء مؤسسته مرتبطاً بإشهار قد يُمنح أو يُمنع وفق المزاج والولاء. الإعلام الذي ينتظر الإشهار ليعيش لا يستطيع دائماً أن يكون سلطة رابعة. وقد يتحول، مرغماً أو طوعاً، إلى أداة تكييف للرأي العام بدل أن يكون فضاءً لمساءلة السلطة والمجتمع معاً.
لذلك، فإن مقولة الرئيس تبون تحمل في طياتها رؤية مجتمعية راقية، لكنها تتطلب إصلاحاً عميقاً لحال الجزائر حتى تصبح حقيقة ملموسة. لا يكفي أن نقول إن المعارضة مفيدة، بل يجب أن نحميها. لا يكفي أن نقول إن النقد مطلوب، بل يجب أن نضمن ألا يعاقب الناقد. لا يكفي أن نرفع شعار الديمقراطية، بل يجب أن نبني مؤسسات تقبل المحاسبة، وإدارة تحترم المواطن، وإعلاماً مستقلاً، وقضاءً يحمي الحريات، ومجتمعاً يفرق بين الرأي والخيانة.
إذا أرادت الجزائر فعلاً أن تجعل من تصريح الرئيس تبون قاعدة سياسية جديدة، فعليها أن تنتقل من الاعتراف اللفظي بقيمة المعارضة إلى الحماية القانونية والثقافية لها. فالديمقراطية لا تُقاس بما يقوله الرئيس فقط، بل بما يستطيع المواطن أن يقوله دون خوف، وبما يستطيع الصحفي أن يكتبه دون تهديد، وبما يستطيع المعارض أن يقترحه دون أن يُخون أو يُشوَّه أو يُدفع إلى الصمت.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الفاف تختار البريكولاج… والمنتخب يدفع الثمن
كما كان متوقعاً، أكدت لجنة خبراء الفاف أن بيتكوفيتش سيبقى على رأس العارضة الفنية للمنتخب ا…






