‫الرئيسية‬ الأولى التيار المدخلي.. اختراق تدريجي للمرجعية الدينية الوطنية!
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

التيار المدخلي.. اختراق تدريجي للمرجعية الدينية الوطنية!

التيار المدخلي.. اختراق تدريجي للمرجعية الدينية الوطنية!
تتعرض المرجعية الدينية الوطنية، وفق ما يراه عدد من المتابعين، إلى ضغوط متزايدة بفعل تمدد تيارات دينية مختلفة استطاعت، خلال السنوات الأخيرة، أن تجد لها موطئ قدم داخل الفضاء الديني، خاصة في المساجد والمنصات الرقمية. هذه التيارات تطرح نفسها باعتبارها الممثل “الصحيح” للدين، في حين يعتبرها منتقدوها حاملة لقراءات وافدة لا تنسجم مع الخصوصية الدينية للمجتمع الجزائري، الذي تشكلت ملامحه عبر أكثر من ثلاثة عشر قرنًا على أساس الاعتدال والتوازن. ويكمن الإشكال، بحسب هذا الطرح، في أن هذا التحول يحدث بشكل تدريجي وعلني، دون وجود رد مؤسساتي فعال يوازي حجمه أو يحد من تأثيره.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز غياب ملحوظ لدور وزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى في ضبط الحقل الديني وتأطير الخطاب الدعوي. فبدل أن تكون هذه المؤسسات في موقع المبادرة، يرى منتقدون أنها تبدو بعيدة عن التحديات المطروحة، خاصة في ما يتعلق بفوضى الفتوى وانتشار خطاب ديني متشدد يتغلغل في المساجد ووسائل التواصل الاجتماعي. كما يُسجل، في هذا السياق، أن بعض الخطابات الرسمية تبتعد عن جوهر الإشكالات المطروحة، وتنشغل بقضايا هامشية لا تعكس حجم التحولات التي يشهدها الواقع الديني، ما يترك المجال مفتوحًا أمام أطراف أخرى لملء هذا الفراغ.

ومن بين أبرز هذه التيارات ما يُعرف بالتيار “المدخلي”، وهو أحد فروع السلفية، الذي لا يكتفي – بحسب منتقديه – بالحضور الدعوي التقليدي، بل يعتمد أسلوبًا قائمًا على الاحتماء بمفهوم “طاعة ولي الأمر” كغطاء شرعي يتيح له التمدد بهدوء داخل المجتمع. فبدل الظهور في صورة تيار صدامي، يقدّم نفسه كتيار يدعو إلى الاستقرار والانضباط، ما يمنحه هامش حركة أوسع داخل المساجد والفضاء العام دون إثارة ردود فعل قوية من المؤسسات الرسمية.

هذا التوظيف، الذي يصفه منتقدوه بأنه انتهازي وخطير، يقوم على استغلال مفهوم نشأ في سياق سياسي وتاريخي مختلف، ثم إسقاطه بشكل ميكانيكي على الواقع الجزائري دون مراعاة خصوصياته الدينية والتاريخية. ووفق هذا الطرح، فإن هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى تجنب المواجهة، بل يسمح بتمرير أفكار التيار تدريجيًا داخل المجتمع، مستفيدًا من الفراغ المؤسساتي وضعف التأطير الديني.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذا “الاختباء وراء المفاهيم” مكّن التيار من التوسع دون أن يلقى مقاومة حقيقية، حيث يمرر خطابًا يُقدَّم في ظاهره على أنه دعوة للطاعة والاستقرار، بينما يُستغل في العمق لترسيخ توجهات فكرية معينة، دون أن تجد من يتصدى لها بصرامة من قبل المؤسسات الدينية المعنية. وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل ملح حول مدى قدرة هذه المؤسسات على استعادة دورها في ضبط الحقل الديني ومنع استغلاله لأغراض أيديولوجية.

كما يذهب هذا الطرح إلى أن جزءًا من المشكلة يرتبط بضعف الوعي العام بطبيعة بعض النماذج الدينية في الخارج، حيث يُنظر إلى كل ما يأتي من بعض الدول باعتباره معيارًا للصواب، دون إدراك للفوارق السياسية والتاريخية التي تحكم تلك التجارب. وفي هذا السياق، يُستشهد أحيانًا بنقاشات دينية دولية، مثل مؤتمر غروزني سنة 2016، الذي أثار جدلًا واسعًا حول تعريف أهل السنة والجماعة وحدود التيارات المنتمية إليهم، وما ترتب عن ذلك من مواقف متباينة داخل العالم الإسلامي.

ولا تقتصر الإشكالات على التأثيرات الخارجية فقط، بل تمتد أيضًا إلى الصراعات الداخلية بين التيارات الدينية نفسها، حيث تشهد الساحة تنافسًا حادًا بين بعض الحركات الإسلامية، مثل الخلافات القائمة بين التيار الإخواني وبعض التيارات السلفية. هذه الصراعات، التي تتخذ طابعًا فكريًا في ظاهرها، تتحول في كثير من الأحيان إلى تبادل للاتهامات والتشكيك في النوايا والمرجعيات، ما يساهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع، ويضعف الثقة في الخطاب الديني عمومًا.

ويحذر متابعون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مظاهر التوتر التي عرفتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث لعب الخطاب الديني المتشدد دورًا في تغذية الصراعات. فانتشار مفاهيم مثل التكفير والإقصاء، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، قد يمهد لبيئة غير مستقرة، خاصة إذا تزامن مع غياب رقابة فعالة على مصادر الخطاب الديني ومضامينه.

وفي المقابل، تُطرح نماذج من دول أخرى اعتمدت مقاربات صارمة في تنظيم الشأن الديني، من خلال منع استغلال الدين في الصراعات أو إثارة النعرات المذهبية، حفاظًا على وحدة المجتمع. ويُستدل بهذه التجارب للدعوة إلى تبني سياسة أكثر وضوحًا وحزمًا في الجزائر، تقوم على حماية المرجعية الدينية الوطنية، وضبط الفضاء الدعوي، ومراقبة مصادر الفتوى، بما يضمن انسجام الخطاب الديني مع ثوابت المجتمع.

يظل السؤال قائمًا حول مدى قدرة وزارة الشؤون الدينية وباقي الهيئات المختصة على استعادة زمام المبادرة في هذا المجال، وتفعيل دورها في مواجهة هذه التحديات المتشابكة. فالمسألة لا تتعلق فقط بتنظيم المساجد أو الإشراف الإداري، بل ترتبط أساسًا بحماية الهوية الدينية للمجتمع، وتحصينه من أي انحرافات قد تمس بتوازنه واستقراره. وهو ما يتطلب، وفق هذا المنظور، رؤية استراتيجية واضحة تجمع بين الصرامة في التطبيق والانفتاح في الطرح، بما يعيد الثقة في المؤسسات ويضمن استمرارية المرجعية الوطنية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

المعادلة الإعلامية.. عنصر حاسم في كل تحرك جزائري

عندما لا تتحكم الجزائر في العملية الاتصالية، فهي تقدّم بنفسها الحجة والمواد الجاهزة للمعار…