كفى خطبًا… الجزائر تحتاج أفعالًا
إذا كان من المفترض أن يتم تسيير شؤون البلاد عبر مؤسسات الدولة وآليات تنفيذ دقيقة تقوم على التخطيط والتقييم والمحاسبة، فإن ما يُلاحظ اليوم في الجزائر يثير الكثير من التساؤلات. فقد أصبح المشهد العام يميل بشكل مفرط إلى الخطاب على حساب الفعل، حيث تُلقى الكلمات وتُعلن التوجيهات دون أن تترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. هذا النمط لم يعد مقتصرًا على السلطة التنفيذية فحسب، بل امتد حتى إلى الأحزاب السياسية، التي يفترض بها تقديم برامج واضحة مدعمة بآليات تطبيق دقيقة، بل وحتى بأرقام وجداول تثبت جدواها وواقعيتها.
لقد أظهرت تجارب دولية، خاصة في أوروبا، محدودية الخطاب النظري عندما لا يكون مدعومًا برؤية تنفيذية. ويُستشهد في هذا السياق بتجربة أحزاب الخضر، التي اعتمدت لفترة طويلة على الطرح المثالي، لكنها اصطدمت بواقع التطبيق عندما طُلب منها تقديم أرقام دقيقة لتكلفة مشاريعها وإمكانية تنفيذها. هذا التحول كشف الفجوة بين الخطاب والواقع، وأدى إلى تراجع تأثيرها السياسي في العديد من الدول.
في الجزائر، يبدو أننا نعيش حالة مشابهة، حيث يكتفي بعض المسؤولين بإلقاء الخطب بدل التركيز على جوهر مهامهم التنفيذية. فالوزير، الذي يُفترض أن يشرح كيف سيُطبق برنامج الحكومة في قطاعه، يتحول إلى خطيب يكرر عناوين عامة دون تقديم حصيلة أو خطة واضحة. والسؤال الجوهري يبقى غائبًا، ماذا تحقق فعليًا؟ وماذا سيتم إنجازه في المدى القريب؟
ولا يختلف الأمر كثيرًا لدى بعض رؤساء الأحزاب، الذين يظهرون في وسائل الإعلام لإلقاء خطابات عامة ثم يختفون دون تقديم بدائل أو حلول عملية. ويُلاحظ في هذا السياق غياب النقد البناء والمبادرات السياسية الجادة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نقاشات عميقة تلامس الواقع الوطني بدل الانشغال بقضايا خارجية أو شعارات عامة لم تعد ذات تأثير حقيقي في عالم تحكمه المصالح والتوازنات.
كما يبرز جانب آخر من الإشكال يتعلق بالخطاب الأمني والفكري، حيث يتم الحديث عن “حروب الجيل الجديد” دون أن تُترجم هذه المفاهيم إلى سياسات واضحة داخل المجتمع. فالتحديات المرتبطة بالهوية الثقافية والدينية، على سبيل المثال، لا تزال تُواجه بخطاب عام، دون إجراءات تنظيمية أو قانونية تضع حدودًا واضحة وتحمي المرجعية الوطنية من التجاوزات.
وفي هذا الإطار، يلاحظ بعض المتابعين غيابًا فعليًا للمؤسسات الدينية في مواجهة الخطابات المتشددة أو الإقصائية التي تستهدف مكونات الهوية الجزائرية، سواء تعلق الأمر بالمذهب الإباضي أو بالطرق الصوفية، التي شكلت جزءًا من التاريخ الديني والاجتماعي للبلاد. هذا الفراغ في التأطير يفتح المجال أمام انتشار خطابات متطرفة قد تكون لها تداعيات خطيرة على المدى البعيد.
إن التاريخ الجزائري حافل برموز دينية ووطنية كان لها دور محوري في مقاومة الاستعمار ونشر قيم الاعتدال والتعايش، غير أن هذا الإرث لا يجد اليوم من يدافع عنه بالشكل الكافي في الفضاء العام. ومع تزايد الضغوط الفكرية والتأثيرات الخارجية، يصبح من الضروري الانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل، عبر سياسات واضحة، وقوانين صارمة، ومؤسسات فاعلة.
يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح، إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل يمكن الاستمرار في إدارة التحديات الكبرى بالخطابات وحدها؟ الواقع يفرض نفسه، وما تحتاجه الجزائر اليوم ليس مزيدًا من الكلام، بل أفعال ملموسة تعيد التوازن وتحمي الدولة والمجتمع من أي انزلاق محتمل.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
المروك في مهمة صابوطاج لمصالح الاتحاد الأوروبي؟
بدأ وزير الخارجية المروك يتحرك على طول مسار أنبوب الغاز الذي يربط نيجيريا بالجزائر، متنقلً…






