‫الرئيسية‬ الأولى أحمد مراني يفجرها: الحركة الإسلامية في الجزائر صُنعت لإسقاط الدولة
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫34 دقيقة مضت‬

أحمد مراني يفجرها: الحركة الإسلامية في الجزائر صُنعت لإسقاط الدولة

أحمد مراني يفجرها: الحركة الإسلامية في الجزائر صُنعت لإسقاط الدولة
أثار تصريح أحمد مراني، أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، ووزير الشؤون الدينية الأسبق في حكومة الراحل سيد أحمد غزالي، جدلاً واسعاً بعد تداول مقطع من بودكاست على مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيه إن تأسيس الحركة الإسلامية في الجزائر لم يكن هدفه بناء مشروع ديني أو سياسي كما يعتقد كثيرون، بل كان موجهاً، في جوهره، نحو تدمير الجزائر. وهو تصريح صادم، لأنه لا يأتي من خصم سياسي للحركة الإسلاموية، ولا من باحث يقرأ التجربة من خارجها، بل من رجل كان في قلبها، وشارك في محطاتها، وعرف رجالها وخطاباتها وأهدافها من الداخل.

أهمية هذا التصريح أنه يؤكد، من داخل التجربة نفسها، كثيراً من الخلاصات التي وصل إليها منذ سنوات متابعون ومراقبون للشأن السياسي الجزائري، كما يتقاطع مع ما خلصت إليه مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية حول طبيعة المشروع الإسلاموي في الجزائر. فالحركة التي رفعت شعارات دينية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لم تكن، في نظر هؤلاء، مجرد تنظيم سياسي يبحث عن المشاركة في الحكم، بل مشروعاً صدامياً انتهى بإدخال البلاد في عشرية سوداء دامية، كادت أن تدمّر الدولة الجزائرية من أساسها.

تصريح مراني يأتي في توقيت شديد الحساسية، لأن الجزائر تعرف اليوم محاولات واضحة لإعادة تنشيط نفس البيئة الفكرية والسياسية التي سبقت انفجار سنوات الإرهاب. فالرموز القديمة للتطرف الإسلامي تعود تدريجياً إلى الساحة الدعوية والإعلامية والسياسية، والخطاب الذي مهّد بالأمس للعنف يحاول اليوم العودة بأسماء جديدة ووجوه جديدة، في انتظار الانتقال، إذا توفرت الظروف، من التحريض الدعوي والسياسي إلى العمل الصدامي والإرهابي بالشكل الذي عرفته الجزائر خلال العشرية السوداء.

فالعملية، كما تبدو من خلال مؤشرات كثيرة، تجري على قدم وساق من أجل فرض المذاهب الخليجية المتطرفة، من سلفية ووهابية ومدخلية، كبديل عن المرجعية الدينية الوطنية الجزائرية. هذه المرجعية التي تشكلت عبر قرون من المالكية، والتصوف، والإباضية، والتدين المحلي المتسامح، أصبحت اليوم هدفاً مباشراً لتيارات وافدة تطعن في عقيدة الجزائريين وإسلامهم، وتكفّر أو تبدّع الصوفية والإباضية، وتهادن المالكية فقط لأن تكفيرها صعب سياسياً واجتماعياً، رغم أن الخلاف معها عميق في مسائل العقيدة.

فالمالكية الجزائرية، كما استقرت تاريخياً، ترفض التجسيم في حق الذات الإلهية، وترفض تكفير المسلم لمجرد التقصير في العبادات، ولا تخرجه من الإسلام لأنه لا يصلي أو لا يصوم، بل تعتبره مسلماً عاصياً. أما التيارات الخليجية المتطرفة، كما تسللت إلى الجزائر، فهي قائمة على ثقافة التكفير والتشدد، وتتبنى قراءات قاسية تنادي أحياناً بإقامة العقوبة على تارك الصلاة، كما نجد عند بعض تأويلات ابن تيمية ومن تبعه من التيارات الوهابية.

والخطير أن التيار المتطرف، ومنه ما يُعرف بتيار الجزأرة الذي كان جزءاً من البيئة التي قادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، ما زال يتحرك في المشهد الجزائري. وتشير بعض المعطيات المتداولة إلى أن بعض رموزه قاطعوا حتى مراسم استقبال البابا ليون الرابع عشر في المسجد الأعظم، في مؤشر على طبيعة هذا التيار الإقصائية، وعدم قدرته على التعامل مع الدولة الوطنية ومنطق البروتوكول والمؤسسات. والمصيبة الأكبر أن بعض هذه التيارات تحاول اليوم الاستحواذ على دواليب المسجد الأعظم نفسه، أو التأثير في محيطه، وبث خطاب عدائي ضد إمامه الحالي لأنه صوفي، كما كان الأمير عبد القادر الجزائري، رمز الدولة الجزائرية الحديثة، صوفياً أيضاً.

ما قاله أحمد مراني يجب أن يقرأ بجدية كبيرة، لأنه ليس مجرد تصريح عابر في بودكاست، بل تحذير واضح للسلطات السياسية والأمنية في الجزائر من حقيقة ما كان يُحضّر للبلاد، ومن احتمال عودة نفس المشروع اليوم بأدوات جديدة. فالحركة المتأسلمة التي تسببت في واحدة من أخطر المآسي الوطنية لم تختفِ كلياً، بل غيّرت أساليبها، وتخلت مؤقتاً عن بعض شعاراتها المباشرة، لكنها ما زالت تحمل في عمقها نفس الهدف القديم: إضعاف الدولة الجزائرية، تفكيك المجتمع، وضرب المرجعية الوطنية باسم الدين.

طبعا، ما يقوله أحمد مراني اليوم تؤكده مؤشرات كثيرة ودراسات وتقارير أمنية وسياسية تناولت الظاهرة الإسلاموية في الجزائر منذ سنوات. لكن قيمة شهادته أنها تأتي من قلب الحدث، ومن داخل التجربة، ولذلك فهي ثمينة جداً للرأي العام الجزائري، خاصة في مواجهة بعض البلهاء في الإعلام والسياسة، الذين ما زالوا يبررون النشاطات المتطرفة في المجتمع الجزائري، أو يعتبرونها مجرد تدين عادي، أو اختلاف فقهي لا يستحق القلق.

إن تدمير الجزائر باستعمال الدين مرة أخرى هو الطريق المفضل لدى كل من يريد ضرب هذا البلد من الداخل. وقد أثبتت التجربة أن الشعوب التي يتم التحكم فيها عبر رجال دين منزوعين من سياقهم الوطني، وعبر خطاب يقوم على الطاعة العمياء والتقديس، تصبح سهلة الاختراق. ولذلك يجب على السلطات نزع القداسة عن رجل الدين عندما يتجاوز القانون، كما يحدث في أي دولة تحترم نفسها. فالإمام أو الداعية الذي يحرّض ويكفّر ويزرع الكراهية ليس فوق الدولة، ولا فوق الدستور، ولا فوق القانون.

لقد أوصلت التبعية العمياء لبعض رموز التطرف شباباً جزائريين إلى جرائم لا يمكن للعقل أن يتخيلها، من ذبح الأم إلى قتل الأب، ومن الالتحاق بالجماعات الإرهابية إلى تفجير المجتمع من الداخل. وهذا لم يكن نتيجة فراغ، بل نتيجة خطاب طويل من غسل الدماغ، بدأ بتكفير المجتمع، وشيطنة الدولة، وتحريم الحياة، وانتهى بالعنف والدم.

حديث أحمد مراني جاء أيضاً، في جوهره، كنوع من مراجعة مسار نضالي وسياسي وفكري، وكأنه يقدم خلاصة تجربة إلى الشباب حتى لا يتم الزج بهم مرة أخرى في معارك تدمير بلدهم تحت شعار ديني مستورد من الخليج. فهذا الخليج نفسه بدأ يعاني اليوم من آثار التيارات التي صنعها أو احتضنها سابقاً، وبدأ يتخلص تدريجياً من إرثها الثقيل، بينما تحاول هذه التيارات الهروب إلى الجزائر وتوطين نفسها فيها، لأنها ترى فيها أرضاً خصبة: شباب محبط، جهل ديني، تقديس تافه للمشايخ، وبيئة اجتماعية قابلة للاشتعال.

ومن أخطر أدوات هذا الخطاب اليوم شيطنة المرأة الجزائرية وتحميلها كل أزمات المجتمع، الأخلاقية منها والمادية. فبعض دعاة التطرف يقدّمون المرأة وكأنها أصل كل الشرور، ويعتبرون عملها سبباً في البطالة، وحريتها سبباً في الانحلال، ووجودها في الفضاء العام خطراً على الدين. هؤلاء يريدون أن تكون المرأة أقل شأناً من أي كائن في المجتمع، ويستوردون للجزائر خطاباً لا علاقة له بتاريخها ولا بتنوعها الاجتماعي، خصوصاً أن مناطق واسعة من البلاد عرفت مكانة مركزية للمرأة داخل الأسرة والقبيلة والمجتمع.

الخطاب الديني الحالي في الجزائر نجح أيضاً، عبر بعض منابره، في إقناع عدد من الشباب بأن الغرب مجرد فضاء للفساد والانحلال، وأن الناس هناك يمشون عراة في الشوارع، وأنهم كفار وعديمو الأخلاق. وهذا خطاب قائم على الكذب والتلفيق والتزوير. فالغرب، بكل تناقضاته، يعيش فيه ملايين المسلمين منذ عقود، ويمارسون شعائرهم، ويبنون المساجد، ويدرس أبناؤهم، ويحصلون على حقوق لا تمنحها لهم أحياناً دول تدعي الدفاع عن الإسلام.

وفي المقابل، يتناسى هذا الخطاب جرائم التنظيمات الإرهابية التي خرجت من رحم التشدد الديني، وعلى رأسها تنظيم داعش، الذي أعاد إلى الوجود أسواق النخاسة والعبودية الجنسية، وسبى النساء، وذبح الأبرياء، ودمّر المدن باسم الدين. هؤلاء يشيطنون الغرب بالكذب، لكنهم يصمتون أمام أبشع الجرائم التي ارتكبتها جماعات رفعت راية الإسلام وهي تهدم كل قيمة إنسانية وأخلاقية.

ومن هنا، فإن تحذير أحمد مراني يجب أن يكون منطلقاً لوضع قوانين واضحة واستراتيجية وطنية صارمة لمحاربة هذا التطرف، ليس فقط أمنياً، بل فكرياً، ودينياً، وتربوياً، وإعلامياً. فالجزائر لا تواجه مجرد خطباء متشددين، بل تواجه مشروعاً يريد تدمير تاريخها عن آخره، ومحو ذاكرتها من وعي الجيل الجديد، من أجل الانقضاض على البلد وإدخاله في حرب أهلية لن يخرج منها سالماً هذه المرة.

إن التيارات السلفية والوهابية والمدخلية، ومعها بقايا الإسلام السياسي الذي فجّر الجزائر سابقاً، لا تريد إصلاح الدين ولا المجتمع، بل تريد إعادة تشكيل الجزائر على مقاس أيديولوجيا مستوردة، لا تعترف بتعددها المذهبي، ولا بتاريخها الصوفي، ولا بمرجعيتها المالكية، ولا بخصوصيتها الإباضية، ولا بإرثها الوطني الذي صنعته قرون من المقاومة والثقافة والتدين المحلي.

لذلك، فإن شهادة أحمد مراني ليست مجرد اعتراف شخصي، بل وثيقة سياسية خطيرة يجب أن تُقرأ كما هي: إنذار من رجل كان داخل التجربة، ويقول اليوم إن ما كان يُصنع باسم الإسلام في الجزائر كان في حقيقته طريقاً لتدمير الجزائر. والسؤال الآن، هل تسمع الدولة هذا الإنذار؟ وهل يتحرك الإعلام الجاد والنخب الوطنية قبل أن يجد البلد نفسه مرة أخرى أمام نفس الهاوية التي دفع ثمنها بالدم والدموع؟


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“راديو الطروطوار” والتهويل السياسي

شهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة موجة تهويل واسعة رافقت بعض التغييرات السياسية والعسكرية ا…