‫الرئيسية‬ الأولى محرز يصفع المشككين بثنائية التأهل
الأولى - رأي - رياضة - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

محرز يصفع المشككين بثنائية التأهل

محرز يصفع المشككين بثنائية التأهل
تأهل المنتخب الوطني الجزائري إلى دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026، ليضرب موعداً في مدينة فانكوفر الكندية مع المنتخب السويسري، بعد تعادله المثير أمام النمسا بثلاثة أهداف لمثلها، في واحدة من أكثر مباريات البطولة جنوناً وتقلباً. وكان بطل هذه المواجهة بلا منازع القائد رياض محرز، اللاعب الذي يواصل التألق دولياً منذ سنوات طويلة، ويرفض أن يسمح للسن أو للحملات المغرضة بأن تكتب نهايته قبل أن يقررها هو فوق أرضية الميدان.

دخل المنتخب الوطني اللقاء وهو يدرك أن التعادل يكفيه للعبور، لكنه وجد نفسه أمام منتخب نمساوي منظم وقادر على استغلال الأخطاء، فتقدم المنافس مرتين، قبل أن يعود «الخضر» في كل مرة. وسجل رفيق بلغالي الهدف الأول للجزائر، ثم ظهر رياض محرز في اللحظات الحاسمة ليسجل هدفين، أحدهما أعاد به المنتخب إلى المباراة، والثاني كاد أن يمنحه فوزاً تاريخياً ويقصي النمسا من المنافسة، قبل أن يدرك المنتخب النمساوي التعادل في الثواني الأخيرة.

ورغم مرارة ضياع الانتصار في آخر أنفاس المواجهة، فإن التعادل كان كافياً لمرور الجزائر إلى الدور المقبل، لتكتب بذلك ثاني تأهل لها إلى الأدوار الإقصائية في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم بعد إنجاز مونديال البرازيل سنة 2014. غير أن أهم ما حملته المباراة لم يكن التأهل وحده، بل الرد الصريح الذي قدمه رياض محرز على كل من طالب بإبعاده، أو حاول إقناع الجزائريين بأن زمنه انتهى، أو جعل من سنه حجة للتقليل من قيمته داخل المنتخب.

محرز «العجوز»، كما وصفه بعض المتعجلين والباحثين عن الإثارة، كان أفضل لاعب فوق أرضية الميدان، وأكثرهم تأثيراً وهدوءاً في اللحظات الصعبة. تحرك بين الخطوط، وساهم في تنظيم اللعب، وافتك الكرات، وخلق الحلول، وتحمل مسؤولية القيادة عندما احتاج المنتخب إلى لاعب لا تهزه الضغوط ولا تربكه الحسابات.

وقد تعرض القائد الجزائري، خلال الأشهر الأخيرة، لحملة قاسية تجاوزت النقد الرياضي المشروع إلى التشكيك في قدراته وقيمته وحقه في مواصلة حمل القميص الوطني. ووصل الأمر ببعض اللاعبين السابقين والمعلقين إلى المطالبة بعدم استدعائه إلى كأس العالم، وكأن مسيرة لاعب من حجم محرز يمكن شطبها بعبارة عابرة في برنامج تلفزيوني أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعندما طالب متابعون ومختصون بضرورة مناقشة اختيارات المدرب فلاديمير بيتكوفيتش وطريقة توظيف اللاعبين، خرج بعض الأصوات لتوزيع شهادات الوطنية على الجزائريين، واعتبار النقد الموجه إلى الطاقم الفني أو طريقة اللعب استهدافاً للمنتخب والوطن. وهكذا تحول النقاش الرياضي من مساحة لتحليل الأداء وتصحيح الأخطاء إلى ساحة للتخوين الشخصي، وكأن محبة المنتخب تعني الصمت، وكأن الانتماء الوطني يُقاس بمدى ترديد ما يقوله المعلق أو اللاعب السابق.

إن المشاركة في كأس العالم فرصة لتقييم الفريق بموضوعية، وإبراز نقاط القوة والضعف، ومساعدة الطاقم الفني على مراجعة الاختيارات وتصحيح الأخطاء قبل فوات الأوان. لكنها تحولت لدى بعض الوجوه الإعلامية إلى مناسبة لتصفية حسابات شخصية، والإساءة إلى أفضل لاعب جزائري في جيله، والتقليل من مسيرته الدولية، بدلاً من مناقشة أسباب اضطراب التنظيم الدفاعي، وسهولة فقدان الكرة، وطريقة بناء اللعب، ومدى قدرة المدرب على استخراج أفضل ما يملكه اللاعبون.

وقد فاجأ محرز كل هؤلاء بأداء استثنائي أمام النمسا، حيث حصل على أعلى تقييم في المباراة بـ9.1 من عشر درجات، واختير أفضل لاعب في المواجهة بعد تسجيله ثنائية حملت المنتخب إلى الدور المقبل. ولم تكن أرقامه مجرد زينة إحصائية، بل ترجمة لتأثير حقيقي في أخطر لحظات اللقاء، عندما احتاجت الجزائر إلى قائد يتقدم نحو المسؤولية ولا يختبئ خلف زملائه.

وفي الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع، اعتقد الجزائريون أن محرز حقق الحلم التاريخي، عندما انطلق خلف الدفاع النمساوي وسدد الكرة بدقة في الشباك مسجلاً الهدف الثالث. كان ذلك الهدف سيمنح الجزائر الانتصار، ويقصي النمسا، ويعيد إلى الأذهان جرح مونديال 1982، حين تواطأ المنتخبان الألماني الغربي والنمساوي في «فضيحة خيخون» لإقصاء جيل لخضر بلومي ورابح ماجر وصالح عصاد وجمال زيدان ورفاقهم.

غير أن النمسا أدركت التعادل في الهجمة الأخيرة تقريباً، لتنتهي المباراة بنتيجة ثلاثة أهداف لمثلها، ويتأهل المنتخبان معاً. ومع ذلك، فإن هدف محرز ظل شاهداً على أنه لم يدخل اللقاء باحثاً عن تعادل مريح، ولم يرضَ بالحسابات الباردة، بل حاول منح الجزائر فوزاً تاريخياً حتى آخر ثانية.

والتاريخ لن يسجل ضجيج الحاقدين، ولا الحملات التي قادها باحثون عن الشهرة والتفاعل، ولا العبارات التي قيلت في حق اللاعب عبر الشاشات. التاريخ يسجل الأهداف والبطولات والمواقف الحاسمة، وسيذكر أن رياض محرز حمل المنتخب على كتفيه في واحدة من أعقد مبارياته، وسجل هدفين في سن الخامسة والثلاثين، وقاده إلى الدور الإقصائي من أكبر منافسة كروية في العالم.

ولا يعني الدفاع عن محرز منعه من النقد، لأن النقد الرياضي فضيلة وقيمة ضرورية لتطوير الأداء. محرز نفسه يمكن مناقشة اختياراته وتحركاته ومردوده مثل أي لاعب آخر. لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد الذي يستند إلى الأرقام والتحليل الفني، وبين الإساءة التي تنطلق من الغيرة أو الحسابات الشخصية أو الرغبة في صناعة الجدل.

النقد الحقيقي يوضح أين أخطأ اللاعب، وكيف يمكن تحسين توظيفه، ومتى ينبغي إشراكه، وما الدور الأنسب له داخل المنظومة. أما إعلان نهاية مسيرته، والمطالبة بإبعاده، وتحميله كل مشاكل الفريق، ثم الصمت عندما يصنع الفارق، فليس تحليلاً رياضياً، بل انتهازية إعلامية لا تحترم ذاكرة الجمهور ولا قيمة اللاعب.

لقد أثبتت مباراة النمسا مرة أخرى أن المشكلة لم تكن في وجود رياض محرز، بل في كيفية توظيفه داخل الفريق. فعندما يجد حوله تحركات صحيحة، وتمريرات مناسبة، ومساحات يمكن استغلالها، يبقى قادراً على صنع اللعب والتسجيل وحسم المباريات. أما مطالبته بأداء كل الأدوار وحده، ثم تحميله المسؤولية عندما يختل التنظيم الجماعي، فهو حكم غير عادل ولا يمت بصلة إلى التحليل الفني.

ويملك المنتخب الوطني مجموعة من اللاعبين الموهوبين، لكن الموهبة تحتاج إلى تنظيم واضح، وتوزيع دقيق للأدوار، وقدرة على التحكم في نسق المباراة. وقد كشفت مواجهة النمسا أن الفريق يمتلك شخصية قوية وقدرة على العودة، لكنها أظهرت أيضاً هشاشة دفاعية مقلقة، بعدما استقبل ثلاثة أهداف وفقد تقدمه في الثواني الأخيرة.

وهنا يجب أن يتجه النقد إلى مكانه الصحيح. التأهل إنجاز مهم، لكن مواجهة سويسرا ستكون أكثر صعوبة، ولا يمكن للمنتخب الاعتماد في كل مرة على لحظة عبقرية من محرز أو مهارة فردية من لاعب آخر. على الطاقم الفني أن يعالج المساحات بين الخطوط، ويحسن حماية التقدم، ويمنع فقدان الكرات السهلة، ويضمن توازناً أكبر عند التحول من الهجوم إلى الدفاع.

كما يجب ألا يغطي التأهل على الأخطاء التنظيمية التي كادت تكلف الجزائر الخروج من المنافسة. فالمنتخب تلقى هدف التعادل بعد لحظات فقط من تقدمه، ولم يتمكن من إدارة الثواني الأخيرة بالتركيز والخبرة المطلوبين. وهذه التفاصيل هي التي تحسم المباريات الإقصائية، حيث لا توجد فرصة للتعويض بعد صافرة النهاية.

لكن وسط كل هذه الملاحظات، يبقى رياض محرز عنوان المباراة الأول. لاعب في الخامسة والثلاثين أثبت أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بما يستطيع اللاعب تقديمه داخل الميدان. لم يرد على منتقديه ببيانات أو منشورات أو جدالات، بل رد بثنائية، وبأداء نال عليه أعلى تقييم، وبقيادة المنتخب إلى الدور المقبل.

محرز لا يحتاج إلى من يمنحه شهادة في الوطنية أو الموهبة، لأن مسيرته تتحدث عنه. حمل كأس إفريقيا مع الجزائر، وتوج بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، ورفع اسم البلاد في أكبر الملاعب، وأصبح مصدر إلهام لجيل كامل من الأطفال والشباب الذين رأوا فيه دليلاً على قدرة الجزائري على بلوغ أعلى مستويات كرة القدم العالمية.

لقد رفع الراية الجزائرية في إنجلترا وأوروبا وآسيا وإفريقيا، وحافظ طوال مسيرته على هدوئه واحترامه للجمهور وزملائه، ولم يدخل في المعارك الصغيرة التي حاول البعض جره إليها. وهذا ما يجعل الهجوم الشخصي عليه أكثر قبحاً، لأن اللاعب الذي قدم كل هذا للمنتخب يستحق نقداً محترماً يليق بمسيرته، لا حملات إساءة وتصفية حسابات.

بلدنا في حاجة إلى محللين عقلاء، قادرين على تفسير المباريات من دون صراخ، وإلى نقاش رياضي يضيف إلى العمل ولا يهدمه. وفي الجزائر محللون محترمون يملكون المعرفة والخبرة، لكن أصواتهم كثيراً ما تضيع وسط الضجيج الذي يصنعه الباحثون عن الإثارة. ولذلك يجب إبراز التحليل الموضوعي، وإعطاء الكلمة لمن يفهم كرة القدم ويحترم الأشخاص والجمهور.

إن الرياضة ليست مكاناً لتوزيع شهادات الوطنية، ولا منبراً لإهانة اللاعبين والمدربين والجماهير. هي مجال للمنافسة والتقييم والنقد، لكن أيضاً للاعتراف بالفضل واحترام الإنجازات. ومن الظلم أن يُختزل لاعب بحجم رياض محرز في مباراة سيئة أو فترة تراجع، بينما تُنسى مسيرة كاملة من التألق والتضحيات.

لقد رد رياض محرز على المهرجين والحاقدين بأفضل طريقة ممكنة: فوق أرضية الميدان. لم يحتج إلى مهاجمتهم أو الرد على أسمائهم، بل سجل هدفين، وصنع الفارق، وقاد الجزائر إلى التأهل. وهذه هي لغة الكبار، أما الضجيج فيختفي بمجرد انتهاء البرنامج أو انطفاء الكاميرات.

شكراً رياض محرز، لأنك أثبت مرة أخرى أن القادة يظهرون عندما تشتد الضغوط. وشكراً للمنتخب الوطني على بقائه في المنافسة، وعلى مواصلة إسعاد الشعب الجزائري، رغم الأخطاء والنقائص التي يجب تصحيحها قبل مواجهة سويسرا.

والآن تبدأ مرحلة جديدة، لا مكان فيها للحسابات ولا للتعويض. فالمنتخب أمام مواجهة إقصائية حاسمة في كندا، ومطلوب منه أن يستفيد من روح مباراة النمسا، وأن يتخلص من أخطائها، وأن يدخل اللقاء بثقة وتنظيم وانضباط.

أما رياض محرز، فقد قال كلمته بالفعل، ما دام قادراً على صناعة الفارق بهذا الشكل، فلا يحق لأحد أن يقرر نهايته نيابة عنه. الميدان وحده يفصل بين اللاعب الحقيقي وضجيج المعلقين، وفي ليلة النمسا كان الميدان واضحاً وحاسماً، رياض محرز لا يزال قائد الجزائر وأحد أعظم لاعبيها عبر التاريخ.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

استفزاز ديني أم جسّ نبض؟

كلما حلّ فصل الصيف في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، عادت معه استفزازات تستهدف منطقة القبائ…