من الكاهنة إلى حسيبة بن بوعلي… من يشنّ حرباً مفتوحة على حرائر الجزائر؟
في بلد حكمت فيه الكاهنة، وقاومت لالة فاطمة نسومر الاحتلال الفرنسي، واستشهدت فيه حسيبة بن بوعلي دفاعاً عن حرية الوطن، وحافظت الملكة تين هينان على مكانتها التاريخية في عمق الصحراء الكبرى، وشاركت فيه المجاهدة ذات الأصول البلجيكية الحاجة الزهرة الألمانية في الكفاح بجبال الأوراس، تبدو الحملة المتصاعدة ضد المرأة الجزائرية وكأنها إنكار متعمد لتاريخ بلد صنعت نساؤه محطات أساسية من مقاومته وهويته الوطنية.
فالجزائر التي عرفت، منذ السنوات الأولى للاستقلال، نساء اقتحمن مجالات ظلت حكراً على الرجال، من قيادة الطائرات العسكرية إلى العمل في مؤسسات الدولة والجيش الوطني الشعبي، هي نفسها الجزائر التي تضم اليوم عقيدات وعميدات ومهندسات وطبيبات ومعلمات وأستاذات جامعيات ووزيرات ورائدات أعمال ومستثمرات في مختلف القطاعات. غير أن هذا المسار الذي تحقق بفضل عقود من النضال والتعليم والعمل أصبح يواجه انتكاسة ثقافية تقودها تيارات دينية واجتماعية متشددة، جعلت من المرأة هدفاً دائماً لخطابها، وحمّلتها وحدها مسؤولية الانحرافات الأخلاقية والتحولات الاجتماعية، في مقابل صمت شبه كامل عن مسؤولية الرجل ودوره في الظواهر نفسها.
ويقوم هذا الخطاب على تصوير المرأة باعتبارها مصدر الفتنة والانحراف، وكأنها الطرف الوحيد المسؤول عن كل خلل يصيب الأسرة أو المجتمع. وهو تصور لا ينسجم مع تاريخ الجزائر ولا مع واقعها الاجتماعي، كما لا ينسجم مع المبادئ الدينية التي تجعل المسؤولية الأخلاقية فردية ومشتركة بين الرجل والمرأة. ومع ذلك، تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي يومياً خطابات تتحدث عن المرأة بلغة الإدانة والاحتقار والوصاية، وتحاول اختزالها في جسدها أو لباسها أو سلوكها الخاص، بدل النظر إليها بوصفها مواطنة كاملة الحقوق والواجبات.
إن الخطاب الوهابي السلفي المتشدد، بمختلف امتداداته، لا يتصادم فقط مع واقع المرأة الجزائرية، بل يتنكر كذلك للتاريخ الاجتماعي والثقافي للبلاد، بما في ذلك حضور البنى العائلية التي لعبت فيها المرأة دوراً محورياً، خصوصاً في مناطق الهضاب العليا والجنوب الشرقي والجنوب الغربي. فالمرأة الجزائرية لم تكن مجرد عنصر هامشي داخل الأسرة، بل كانت في كثير من المناطق حافظةً للذاكرة، ومالكةً للأرض أو الماشية، وصاحبة رأي في القرارات العائلية، وضامنة لاستمرار الروابط الاجتماعية خلال فترات الحرب والهجرة والاحتلال.
ولا يمكن فهم محاولات فرض أنماط اجتماعية مستوردة على المجتمع الجزائري بعيداً عن اختلاف السياقات التاريخية والجغرافية. فالمجتمع الجزائري نشأ في بيئة أمازيغية ومتوسطية وإفريقية وعربية وإسلامية متداخلة، بينما تحاول بعض التيارات استنساخ تصورات تشكلت في بيئات صحراوية وقبلية مختلفة تماماً. والمشكلة ليست في التدين أو الالتزام الديني، بل في تحويل قراءة محلية ضيقة للدين إلى نموذج وحيد يجب فرضه على الجميع، مع تجاهل التنوع التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي يميز الجزائر.
ويبدو أن بعض دعاة التشدد يريدون إعادة إنتاج أنماط اجتماعية تعود إلى قرون مضت، ونقلها حرفياً إلى واقع جزائري مختلف، من دون اعتبار للتطور الذي عرفه المجتمع ولا للمكانة التي حققتها المرأة في التعليم والعمل والإدارة والطب والهندسة والجيش والاقتصاد. كما يتجاهل هؤلاء أن المجتمعات لا تُدار بالحنين إلى الماضي، ولا يمكن اختزال الدين في شكل اللباس أو في عزل المرأة أو منعها من المشاركة في الحياة العامة.
والأخطر من ذلك أن شيطنة المرأة لا تتوقف عند حدود الانتقاد الأخلاقي، بل تتحول أحياناً إلى مشروع لإقصائها من الفضاء العام وإعادتها إلى موقع التبعية الكاملة. وتظهر هذه النزعة في الدعوات المتكررة إلى منع النساء من العمل أو السفر أو الدراسة أو المشاركة السياسية، وفي خطاب يعتبر استقلال المرأة خطراً، وتعليمها تهديداً، ونجاحها نوعاً من التمرد على النظام الاجتماعي.
فما الذي أصاب جزءاً من المجتمع الجزائري حتى أصبح يتبنى خطاباً يكره المرأة والحياة بكل تفاصيلها؟ وكيف تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى منابر يومية للتحريض عليها، من دون احترام لتاريخ البلاد ولا لتضحيات النساء الجزائريات؟ ومن أين جاء هذا التصور الذي يجعل المرأة عدواً يجب إخضاعه بدل اعتبارها شريكاً في بناء الوطن؟
إن تدمير مكانة المرأة هو، في النهاية، تدمير للمجتمع بأكمله. فلا توجد دولة متقدمة تقصي نصف سكانها، ولا يمكن بناء اقتصاد قوي أو مدرسة فعالة أو إدارة حديثة من دون مشاركة النساء. وأي مشروع يستهدف إخراج المرأة من التعليم والعمل والحياة العامة سيقود بالضرورة إلى إفقار البلاد وتعميق التبعية والجهل، وهو ما لم يتمكن الاستعمار نفسه من تحقيقه بصورة كاملة رغم قرن وثلث قرن من الاحتلال.
وتعيش الجزائر اليوم ردة مقلقة في فهم الدين والثقافة والهوية. فقد أدركت القوى الاستعمارية قديماً حساسية المجتمع الجزائري تجاه الخطاب الديني، وحاولت مراراً توظيف الدين والانقسامات الاجتماعية لإضعافه. واليوم، قد تُستعمل القراءة المتشددة نفسها لتحقيق نتائج عجز الاستعمار التقليدي عن فرضها، وذلك من خلال تفكيك الذاكرة الوطنية، وقطع الصلة بين الجزائريين ورموز مقاومتهم، وتحويل التدين من قوة أخلاقية وروحية إلى أداة للتكفير والإقصاء والصراع الداخلي.
ونرى بالفعل كيف أصبح بعض رموز المقاومة الوطنية عرضة للتشكيك والتجريح من طرف تيارات متشددة، إذ يُطعن في الأمير عبد القادر بسبب انتمائه الصوفي، ويُساء إلى الشيخ الحداد والمقراني ولالة فاطمة نسومر، بل يصل الأمر أحياناً إلى التشكيك في وطنية الشهداء أو تصنيفهم وفق معايير مذهبية ضيقة لا علاقة لها بتاريخ المقاومة الجزائرية. وإذا استمر هذا المسار، فلن يبقى من التاريخ الوطني إلا ما تسمح به القراءة المتشددة المستوردة.
ولا يخلو هذا الخطاب من تناقضات صارخة، إذ يتحدث أصحابه عن حماية المرأة وهم يسلبونها صوتها وحقوقها، ويتحدثون عن الأخلاق بينما ينشرون الإهانة والتشهير، ويدّعون الدفاع عن الأسرة في الوقت الذي يحولون فيه العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع دائم قائم على الشك والخوف والسيطرة.
إن الجزائر لا تحتاج إلى استيراد تصورات اجتماعية قاسية قامت في سياقات تاريخية مختلفة، ولا إلى إعادة إنتاج قصص العنف والعبودية وإهانة النساء التي عرفتها مجتمعات قديمة. فالجزائريون عاشوا ضمن تركيبات قبلية وعائلية خاصة بهم، وكان للمرأة داخلها دور يتجاوز بكثير الصورة التي تروج لها بعض المنابر المتشددة اليوم. وحتى في أشد الفترات محافظة، لم تكن المرأة الجزائرية مجرد كائن بلا إرادة أو مكانة، بل كانت حاضرة في المقاومة والزراعة والتجارة وتربية الأجيال وحماية الأسرة.
إن انتشار خطاب متطرف يزرع الكراهية ضد النساء ويبرر العنف الرمزي أو المادي ضدهن يشكل خطراً حقيقياً على استقرار الجزائر ومستقبلها. فهذا الخطاب لا يقود إلى التدين المتوازن، بل يفتح الطريق أمام التكفير والإرهاب والفوضى، ويعيد إنتاج الأجواء التي دفعت البلاد في السابق إلى دفع ثمن دموي باهظ. ولذلك يجب مواجهته بالقانون والتعليم والإعلام والخطاب الديني العقلاني، لا بالعنف ولا بمنطق الانتقام، بل بحماية المجتمع من التحريض والكراهية والتطرف.
كما يثير الصمت الرسمي والديني أمام هذه الظاهرة تساؤلات مشروعة. فالدولة تنفق مبالغ كبيرة على المؤسسات الدينية وعلى تكوين الأئمة والإطارات، لكن حضور الخطاب الديني الذي يدافع بوضوح عن كرامة المرأة وعن تاريخ الجزائر الوطني لا يزال محدوداً أمام الزخم الذي يصنعه دعاة التطرف على شبكات التواصل. ومن غير المفهوم أن تُترك المنابر الرقمية مفتوحة أمام خطابات تهاجم النساء وتشكك في رموز المقاومة وتكفّر المخالفين، من دون رد علمي وفقهي ومؤسساتي قوي.
ولا يمكن تجاهل وجود أوساط نافذة تتعامل بتسامح مقلق مع بعض التيارات المتشددة، إما بسبب حسابات سياسية قصيرة المدى، أو نتيجة الاعتقاد بإمكانية احتوائها وتوجيهها. غير أن التجربة الجزائرية أثبتت أن التنظيمات الدينية التي تعمل بمنطق التدرج لا تتوقف عند حدود الدعوة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع ثم السيطرة على الفضاء العام والمؤسسات. وهي سياسة تقوم على الخطوة تلو الأخرى، إلى أن يصبح التراجع أمامها أكثر صعوبة وكلفة.
والغريب أن الدولة الجزائرية لا تدعم هذه التيارات في سياساتها الخارجية، بل ترفع خطاباً يقوم على السيادة الوطنية ورفض التدخل والتمسك بالمرجعية الوطنية، لكنها تسمح في الداخل بانتشار أفكار تناقض تاريخ الجزائر ومصالحها. وبينما يُواجه التطرف خارج الحدود باعتباره تهديداً أمنياً، يُنظر إلى بعض أشكاله الداخلية كأنه مجرد اختلاف ديني أو اجتماعي، رغم أن نتائجه قد تكون مدمرة على المدى الطويل.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً: لماذا لا تدافع الجزائر بوضوح عن مستقبل مجتمعها، وتتركه يتشكل تحت تأثير تيارات لا تنتمي إلى تاريخها ولا تخدم مصالحها؟ ولماذا يُسمح لخطاب معادٍ للمرأة وللفن وللحياة وللذاكرة الوطنية بأن يتمدد من دون مقاومة فكرية ومؤسساتية حقيقية؟
إن الدفاع عن المرأة الجزائرية ليس قضية نسوية منفصلة عن بقية قضايا الوطن، بل هو دفاع عن الدولة والمجتمع والتعليم والاقتصاد والهوية الوطنية. فالمرأة التي قاومت الاستعمار، وحملت السلاح، وعالجت الجرحى، وربت أجيال الثورة، ودرّست أبناء الاستقلال، وبنت المؤسسات، لا يمكن أن تتحول اليوم إلى متهمة دائمة في وطن صنعت جزءاً كبيراً من تاريخه.
والجزائر، التي يصفها أبناؤها وزوارها بأنها من أجمل بلدان العالم وأكثرها تنوعاً، لا ينبغي أن تتحول إلى فضاء خانق تحكمه الكراهية والوصاية والتكفير. فمستقبلها لن يُبنى بإقصاء النساء ولا بإعادة المجتمع أربعة عشر قرناً إلى الوراء، بل بالعلم والعدل والحرية واحترام الإنسان، رجلاً كان أو امرأة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الخلاف الأمريكي الإسرائيلي ينفجر… تحالف يتصدع أم لعبة مصالح؟
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، خرجت الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى العلن بهذه ا…






