‫الرئيسية‬ الأولى خطاب على المقاس… ونائب تحاصره فضيحة التطبيع
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫6 دقائق مضت‬

خطاب على المقاس… ونائب تحاصره فضيحة التطبيع

خطاب على المقاس… ونائب تحاصره فضيحة التطبيع
اختار النائب عبد الوهاب يعقوبي، بعد رفض ملف ترشحه لعهدة نيابية جديدة، أن يخرج إلى الرأي العام بمقال طويل تحت عنوان «برلمان على المقاس»، قدّم فيه نفسه بوصفه ضحية عملية سياسية واسعة لإعادة هندسة المجلس الشعبي الوطني وإقصاء النواب ذوي الخبرة والحضور والتأثير. واستعمل في سبيل ذلك قاموساً ثقيلاً عن الدولة العميقة، ومصادرة الإرادة الشعبية، والتحكم المسبق في خيارات الناخبين، وتحويل البرلمان إلى واجهة صامتة لشعب مغيّب.

غير أن هذا الخطاب، مهما بدا فلسفياً ومشحوناً بالمفاهيم الكبرى، لا يمكن فصله عن سياقه الشخصي المباشر، صاحبه كتب عن «موت البرلمان» بعدما أُغلق أمامه باب العودة إليه، ولم يكتب بالنبرة نفسها طوال السنوات التي كان فيها عضواً داخله، يستفيد من صفته ومنابره وشبكاته وعلاقاته الدولية. وهنا يبدأ أول تناقض كبير في مقال يعقوبي. فإذا كان البرلمان مجرد واجهة مصنوعة سلفاً، فلماذا خاض كل هذه المعركة من أجل العودة إليه؟ وإذا كانت المؤسسة بلا روح سياسية ولا أثر حقيقي، فلماذا اعتبر إقصاءه منها إقصاءً للأمة والكفاءة والإرادة الشعبية؟ وإذا كانت الانتخابات مجرد مسرحية مضبوطة النتائج، فما معنى الإصرار على الترشح داخلها؟

الحقيقة أن البرلمان لم يصبح «على المقاس» في نظر يعقوبي إلا عندما لم يعد المقاس يناسبه. أما حين حمل صفته البرلمانية، ومثّل الجزائر في المحافل الدولية، وانتُخب نائباً لرئيس الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط للفترة 2025-2026، فلم نسمع منه أن المؤسسة مجرد ديكور، ولا أن الدولة تصنع النخب وفق طلبها، ولا أن البرلمان فاقد للشرعية. لقد وصل يعقوبي، بفضل صفته نائباً جزائرياً، إلى موقع دولي متقدم داخل الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط، وهي منظمة تجمع عشرات البرلمانات من المنطقة الأورومتوسطية والخليجية، وتشارك فيها وفود من الجزائر وفلسطين، إلى جانب ممثلين عن الكيان الصهيوني. ولم يكن ذلك سراً، ولا تفصيلاً فنياً مجهولاً، بل كان من صميم بنية المنظمة التي انتخب داخلها نائباً للرئيس، ثم واصل نشاطه فيها بصفته مقرراً مختصاً بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.

والسؤال هنا ليس فقط لماذا قبل يعقوبي تولي موقع قيادي داخل فضاء يوجد فيه ممثلو الكيان الصهيوني، بل أيضاً: كيف انسجم هذا الاختيار مع خطاب حركة مجتمع السلم التي جعلت من مناهضة التطبيع إحدى ركائز خطابها السياسي؟ وهل كان النائب يجهل طبيعة المنظمة التي ترشح لقيادتها؟ أم أنه قبل التعايش المؤسسي داخلها ما دام المنصب يمنحه حضوراً دولياً ومكانة سياسية؟ لا يمكن اختزال هذه المسألة في القول إن الجزائر نفسها عضو في منظمة متعددة الأطراف تضم الكيان الصهيوني، لأن الفرق واضح بين الحضور الرسمي المنضبط ضمن مؤسسة دولية، وفق تعليمات الدولة وثوابتها، وبين أن يتحول نائب فرد إلى جزء من قيادة الهيئة، ثم يدخل في اجتماعات وصور ومشاهد يمكن توظيفها سياسياً لإظهار نوع من الاختراق الرمزي للموقف الجزائري الرافض للتطبيع.

وقد انفجرت الأزمة فعلياً يوم 24 سبتمبر 2025، عندما شارك يعقوبي في اجتماع رفيع المستوى بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، نظمته الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط بالتعاون مع المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، لمناقشة إساءة استخدام برمجيات التجسس ودور البرلمانيين في تنظيمها ومنع توظيفها بصورة تعسفية. هذا الاجتماع لم يكن لقاءً عشوائياً في ردهة فندق، ولا جلسةً دخلها المشاركون من دون دعوات أو جدول أعمال أو ترتيبات مسبقة. كان نشاطاً أممياً منظماً ومعلناً، موجهاً إلى وفود برلمانية ومسؤولين وخبراء وممثلين حكوميين، ويُفترض في كل نائب يشارك فيه أن يعرف الجهة المنظمة، وطبيعة المشاركين، والصفة التي يحضر بها، والحدود السياسية لتحركه.

ولهذا لا يمكن التعامل بجدية مع محاولة يعقوبي تصوير ما جرى بوصفه «مشهدًا مفاجئاً» أو سوء فهم افتعله طرف آخر. فالنائب لم يكن سائحاً ضل طريقه إلى القاعة، بل كان مشاركاً رسمياً ومداخلاً رئيسياً بصفته مقرراً في هيئة دولية. وإذا لم يتحقق مسبقاً من هوية الحاضرين، فإننا نكون أمام تقصير دبلوماسي وسياسي جسيم. وإذا كان قد تحقق وعلم بطبيعة المشاركة، فإن رواية المفاجأة تنهار من أساسها. وتزداد المسألة خطورة بعدما كشفت «المؤشر» هوية الشخصية التي جلس يعقوبي إلى جوارها، وهي مجلي وهبي، الذي حاول النائب تقديمه في بيانه بوصفه مجرد ممثل عن طائفة الموحدين الدروز، وكأن انتماءه الطائفي يمحو تاريخه السياسي داخل مؤسسات الكيان الصهيوني.

مجلي وهبي ليس رجل دين درزياً مجهولاً، ولا شخصية مدنية عابرة، بل سياسي خدم الكيان الصهيوني سنوات طويلة، وشغل عضوية الكنيست بين 2003 و2013 ضمن أحزاب صهيونية مختلفة، وتولى مناصب حكومية، بينها نائب وزير الخارجية، كما مارس مؤقتاً مهام رئيس الكيان سنة 2007. ومن ثم فإن تقديمه للرأي العام الجزائري باعتباره مجرد «ممثل درزي» لم يكن توضيحاً بريئاً، بل تعريفاً ناقصاً يخفف عمداً من ثقله السياسي ومن ارتباطه المباشر بمؤسسات الاحتلال. فالانتماء الدرزي لا يلغي عضويته السابقة في الكنيست، ولا المناصب التي شغلها، ولا دوره الدبلوماسي، ولا حقيقة أنه كان واحداً من وجوه المنظومة السياسية للكيان الصهيوني.

وإذا كان يعقوبي قد عرف الرجل وجلس إلى جواره، فالمسؤولية واضحة. وإذا كان، كما يريد إقناعنا، لم يعرفه أصلاً، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: كيف يشغل نائب جزائري منصباً دولياً حساساً، ويشارك في اجتماعات أممية رفيعة المستوى، من دون أن يعرف هوية شخصية بهذا التاريخ السياسي تجلس إلى جانبه؟ في الحالتين لا تنقذه رواية المفاجأة. فهي إما إقرار بالعلم والمشاركة، وإما إقرار بعدم الأهلية السياسية والدبلوماسية الكافية لتمثيل الجزائر في هذا المستوى من الاجتماعات. ثم إن يعقوبي لم يقدم إلى اليوم، بحسب ما أصبح متاحاً للرأي العام، قائمة الحضور التي تلقاها، ولا نسخة الدعوة المفصلة، ولا المراسلات التي سبقت الاجتماع، ولا ما يثبت أنه فوجئ فعلاً بحضور مجلي وهبي، ولا موقفاً واضحاً اتخذه داخل القاعة عندما تعرف إلى هويته.

لم يقل إنه انسحب. لم يعلن أنه احتج. لم يصدر عنه موقف فوري يرفض وجود شخصية خدمت مؤسسات الكيان الصهيوني. بل استمر الجدل أياماً قبل أن يصدر بياناً يحاول فيه تحويل القضية إلى سوء فهم وحملة دعائية ضده. وهذا الصمت لحظة الواقعة أقوى من كل التبريرات اللاحقة. فالنائب الذي ينتمي إلى حزب يرفع شعار نصرة فلسطين كان مطالباً برد فوري لا لبس فيه، لا ببيان متأخر يعيد تعريف شخصية إسرائيلية سابقة باعتبارها مجرد ممثل طائفي. ولم تقتنع حركة مجتمع السلم نفسها بهذه التبريرات، إذ سارعت إلى التبرؤ من مشاركة يعقوبي، واعتبرت حضوره في جلسة تضم ممثلاً عن الكيان الصهيوني عملاً فردياً لا يمثل الحزب، وموقفاً يتعارض مع ثوابته ومع الموقف الوطني الجزائري من القضية الفلسطينية.

هذا التبرؤ ليس تفصيلاً عابراً. فهو صادر عن الحزب الذي يعرف نائبه، ويتابع نشاطه، ويملك من المعطيات التنظيمية والسياسية ما لا تملكه الصحافة. ولو كانت القضية فعلاً مجرد صورة مفبركة أو سوء فهم أو حضور بريء لا شبهة فيه، لكان من الطبيعي أن يدافع الحزب عن نائبه، لا أن يبرئ نفسه منه.

تبرؤ «حمس» أسقط عملياً محاولة يعقوبي تقديم القضية بوصفها حملة إعلامية أو خصومة شخصية. كما كشف أن المسألة تجاوزت حدود التأويل الصحفي إلى أزمة سياسية حقيقية داخل التنظيم نفسه. والأكثر تناقضاً أن يعقوبي ينتمي إلى حركة طالما قدّمت نفسها بوصفها أحد أكثر الأحزاب الجزائرية تمسكاً بالقضية الفلسطينية ورفضاً للتطبيع. ولذلك فإن مجرد وقوع نائب منها في مشهد يجمعه بشخصية بارزة من الكيان الصهيوني يضرب صدقية الخطاب الحزبي في صميمه. فما قيمة الشعارات العالية إذا انتهت الممارسة إلى الجلوس في قاعات مشتركة، وتولي مناصب داخل هيئة تضم ممثلي الاحتلال، ثم تقديم شخص شغل عضوية الكنيست ومهام رئيس الكيان في صورة ممثل طائفي عابر؟

ولا يغير من خطورة الواقعة أن الاجتماع عقد تحت مظلة الأمم المتحدة أو داخل إطار متعدد الأطراف. فالعمل الدبلوماسي لا يُقاس بالمكان وحده، بل بالتفويض، والسياق، وطريقة التصرف، والرسائل السياسية الناتجة عنه. الجزائر تشارك في الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية من موقع دولة ذات سياسة خارجية واضحة، ولا يعني وجودها في المكان نفسه مع وفد الكيان الصهيوني أنها طبّعت معه أو تخلت عن ثوابتها. لكن يعقوبي لم يكن رئيس دولة ولا وزير خارجية ولا عضواً في وفد دبلوماسي يحمل تعليمات سيادية واضحة، بل نائباً حزبياً تولى موقعاً داخل هيئة دولية، ثم دخل في واقعة لم يظهر أنه أدارها بما يحمي صورة الجزائر وموقفها التاريخي.

وكان يمكن له، لو أراد فعلاً الدفاع عن موقف الجزائر، أن يستغل الاجتماع المخصص لبرمجيات التجسس من أجل توجيه اتهام واضح إلى الصناعة الإلكترونية للكيان الصهيوني، وفي مقدمتها شركة «إن إس أو» وبرنامج «بيغاسوس»، الذي ارتبط عالمياً باستهداف صحفيين وناشطين ومسؤولين ودبلوماسيين. لكن ما بقي في الذاكرة السياسية لم يكن مداخلة جزائرية قوية تفضح صناعة التجسس الصهيونية، بل صورة نائب جزائري إلى جانب شخصية خدمت الكيان، ثم بيان دفاعي يقلل من هويتها السياسية.

وهنا تتحول واقعة نيويورك إلى معيار لقراءة مقال «برلمان على المقاس». فالرجل الذي يطالب اليوم المؤسسات بكشف كل شيء لم يكشف هو كل شيء. والذي يتحدث عن شفافية الدولة لم ينشر وثائق دعوته وقائمة الحضور والتفويض الذي حمله. والذي يطالب بحقه في الدفاع لم يقدم للرأي العام إجابات مباشرة عن الأسئلة الأكثر حساسية في مساره. ماذا كان يعرف عن مجلي وهبي؟ متى عرف هويته؟ هل اطلع على قائمة المشاركين؟ هل نسق مع المجلس الشعبي الوطني؟ هل أخطر حزبه؟ هل تلقى تعليمات؟ لماذا لم ينسحب؟ لماذا لم يحتج؟ ولماذا لجأ إلى تعريف ناقص للشخصية بعد انكشاف هويتها؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، يصبح تنظيره عن «الدولة العميقة» محاولة لتغيير موضوع النقاش، ونقل نفسه من موقع المسؤول عن أفعال سياسية مثيرة للجدل إلى موقع الضحية التي تطاردها المنظومة. أما ملف رفض ترشحه، فقد قال يعقوبي إن القرار استند إلى شبهة تتعلق بحالة تنافٍ، مثل شغل عهدة انتخابية أخرى أو ممارسة نشاط مهني أو تجاري، وهي شبهة يؤكد أنها لا تنطبق على وضعه. ومن حقه قانوناً الطعن في القرار، والمطالبة بتسبيبه، ونشر الوثائق التي تثبت سلامة وضعه.

لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يفصل بين حقه في الطعن وبين ادعائه أن رفض ملفه دليل على صناعة برلمان كامل على مقاس السلطة. القرار الفردي، حتى لو كان خاطئاً، لا يكفي وحده لإثبات وجود مخطط شامل لإلغاء الإرادة الشعبية. كما أن يعقوبي خلط في خطابه بين رفض ملفه بسبب شبهة التنافي والجدل العام حول المادة 200 من قانون الانتخابات، المتعلقة بإبعاد مترشحين تحيط بهم شبهات المال الفاسد أو التأثير غير المشروع في الاختيار الحر للناخبين. وهذه قضايا قانونية مختلفة تحتاج إلى عرض دقيق، لا إلى جمعها في خطاب واحد يوحي بأن كل رفض للترشح عملية سياسية سرية.

وقد بادر يعقوبي، بعد رفض ملفه، إلى اقتراح تعديل قانون الانتخابات بما يلزم الجهات المختصة بتسبيب قرارات الرفض، وتمكين المترشح من الاطلاع على الوثائق المستعملة ضده، وضمان حقه في الدفاع ورد الاعتبار عند إلغاء القرار. هذه مطالب يمكن مناقشتها بجدية، بل إن بعضها ضروري لحماية الحقوق السياسية. لكن توقيتها يفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا لم تصبح هذه الضمانات معركته المركزية إلا بعدما مسته شخصياً؟

السياسي المبدئي يدافع عن حق خصومه في الترشح قبل أن يحتاج هو إلى هذا الحق، ويواجه النصوص الغامضة أثناء تمتعه بالمنصب، لا بعد أن تتحول إلى عائق أمام مستقبله. ويستعمل يعقوبي في مقاله رقماً يتحدث عن إقصاء نحو مائتي نائب، ثم يقول إن القضية لا تتعلق بدقة الرقم. وهذا منطق لا يستقيم في نقاش سياسي جدي. فإما أن الرقم صحيح، وعندها يجب نشر القائمة وأسباب رفض كل ملف ونتائج الطعون، وإما أنه غير موثق، وعندها لا يجوز استعماله لإقناع الرأي العام بوجود عملية تطهير سياسي شاملة.

الأرقام ليست زينة خطابية، ولا يجوز إلقاؤها في المجال العام ثم الاحتماء بعبارة «بصرف النظر عن دقتها». الدقة هي أساس المصداقية، خصوصاً عندما يستخدم الرقم لبناء اتهام بهذا الحجم. ويتحدث يعقوبي كذلك عن النواب أصحاب الخبرة والكفاءة والحضور الرقابي والإعلامي، وكأن إبعاد نائب من سباق انتخابي يعني تلقائياً إقصاء الكفاءة. غير أن النائب لا يصبح كفاءة لمجرد أنه يصف نفسه بذلك، ولا لأن له حضوراً إعلامياً أو علاقات دولية.

الكفاءة البرلمانية تُقاس بحصيلة معلنة، نسبة الحضور، والأسئلة المكتوبة والشفوية، والقوانين المقترحة، والتعديلات المقبولة، والعمل داخل اللجان، والنتائج الملموسة التي حققها للناخبين. أما سرد المناصب والمداخلات والظهور الإعلامي، فلا يكفي لإثبات أن غياب الشخص خسارة وطنية. كما أن الديمقراطية لا تقوم على احتكار المقاعد من طرف النواب أنفسهم، ولا تجعل العهدة البرلمانية حقاً مكتسباً يتجدد آلياً. التداول يعني أن يخرج نواب ويدخل آخرون، وأن تخضع الملفات للقانون، وأن تُراجع القرارات أمام القضاء عند الاعتراض عليها. ومن الغريب أن يعقوبي يتحدث عن مؤسسات «تستبدل الكفاءة بالولاء»، بينما كان هو نفسه جزءاً من المؤسسة، وحمل باسمها مواقع دولية، واستفاد من شرعيتها، ولم يقدم طوال هذه الفترة دليلاً على أنه كان يعامل بوصفه خطراً يجب إسكاته. فهل كانت الدولة العميقة غائبة عندما انتُخب نائباً لرئيس برلمان المتوسط؟ وهل كانت المؤسسات حرة ونزيهة عندما فتحت له أبواب نيويورك وروما؟ وهل لم تكتشف السلطة خطورته إلا عندما تقدم لعهدة جديدة؟

هذا الخطاب الانتقائي يكشف أن المشكلة ليست فقط في البرلمان، بل في علاقة بعض النواب بالمناصب: تكون المؤسسة شرعية حين ترفعهم، وتصبح واجهة حين تستبعدهم؛ تكون الدولة محترمة حين تمنحهم الصفة والامتياز، وتصبح عميقة ومتآمرة حين لا تضمن لهم الاستمرار. ولا يعني ذلك الدفاع عن أي قرار تعسفي أو غامض. بالعكس، يجب أن تكون قرارات رفض الترشح معللة وقابلة للطعن، وأن يمنح كل مترشح حق الاطلاع على الأسباب والأدلة. لكن احترام القانون لا يعني تحويل كل خلاف إلى مؤامرة، ولا تقديم كل نائب مرفوض بوصفه آخر ممثل للإرادة الشعبية.

الشعب الجزائري لا يغيب بخروج عبد الوهاب يعقوبي، ولا تختفي النخبة بانتهاء عهدته، ولا يموت البرلمان لأن مقعداً لم يعد متاحاً لصاحبه السابق. والأشد تناقضاً أن يعقوبي يتحدث عن شعب مغيّب، بينما يتعامل مع هذا الشعب وكأنه سينسى واقعة نيويورك بمجرد كتابة مقال طويل عن الدولة العميقة. غير أن ذاكرة الرأي العام لا تُمحى بهذه السهولة، والأسئلة المرتبطة بالتطبيع الرمزي وبموقف حزبه وبهوية مجلي وهبي ستظل قائمة.

ليس من المقبول أن يتحول من لم يقدم إجابات كاملة عن حضوره إلى جانب شخصية من الكيان الصهيوني إلى واعظ في الشفافية السياسية. ولا أن يقدم نفسه مدافعاً عن السيادة الشعبية من دون أن يشرح كيف استعمل الصفة التي منحه إياها الشعب داخل فضاءات دولية حساسة. إن الرد على مقال «برلمان على المقاس» لا يكون بالدفاع الأعمى عن المؤسسة التشريعية الحالية، فهي ربما تحتاج إلى رقابة أقوى ونقاش أعمق واستقلالية حقيقية. لكن ضعف البرلمان لا يجعل يعقوبي على حق في كل ما يقوله، ولا يمحو تناقضاته، ولا يمنحه حصانة أخلاقية.

نعم، الجزائر تحتاج إلى برلمان حي، لا إلى غرفة تسجيل صامتة. وتحتاج إلى نواب أقوياء قادرين على مساءلة الحكومة. لكنها تحتاج أيضاً إلى نواب يعرفون حدود التفويض، ويحترمون ثوابت الدولة، ولا يفتحون من خلال تحركاتهم الفردية باباً لتأويل الجزائر وكأنها دخلت مسار التطبيع البرلماني مع الكيان الصهيوني. وتحتاج كذلك إلى نواب يتحملون المسؤولية عندما يخطئون، لا أن يختبئوا خلف آيات وشعارات ومقالات فلسفية ويقدموا أنفسهم في صورة الضحية.

عبد الوهاب يعقوبي من حقه أن يطعن في قرار رفض ترشحه، لكن ليس من حقه أن يحتكر الديمقراطية، أو أن يحول مقعده إلى قضية وطنية، أو أن يتجاهل أن حزبه نفسه تبرأ من مشاركته في اجتماع ضم شخصية من الكيان الصهيوني. وقبل أن يسأل الدولة لماذا منعته من الترشح، عليه أن يجيب الشعب: لماذا شارك في ذلك الاجتماع؟ ماذا كان يعرف؟ لماذا لم ينسحب؟ لماذا قلل من هوية مجلي وهبي؟ ومن فوضه ليضع صورة الجزائر أمام هذا النوع من الالتباس؟ فالمشكلة ليست فقط في برلمان قد يكون على مقاس السلطة، بل أيضاً في خطاب صيغ على مقاس نائب يريد العودة إلى المؤسسة، من دون أن يدفع الثمن السياسي لتحركاته وتناقضاته.

والجزائر لا تحتاج إلى برلمان على مقاس أحد، لا السلطة، ولا الأحزاب، ولا أصحاب المال، ولا عبد الوهاب يعقوبي. تحتاج إلى برلمان على مقاس السيادة الوطنية والقانون وموقف الشعب الجزائري الثابت من فلسطين ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

بعد سنوات من التحقيق في قضية اغتصاب.. القضاء الفرنسي يحيل حكيمي إلى المحاكمة

أفادت وسائل إعلام فرنسية، اليوم، بأن محكمة الاستئناف في فرساي أيدت قرار إحالة الدولي المغر…