هل الأحزاب مسؤولة وحدها عن ضعف المشاركة؟
سجلت الانتخابات التشريعية الأخيرة نسبة مشاركة منخفضة، أرجعها البعض إلى فشل الأحزاب السياسية في تجنيد المواطنين ودفعهم إلى صناديق الاقتراع. وطبعا، تتحمل الأحزاب السياسية جزءاً من الأزمة، غير أن هناك عوامل أخرى كثيرة لا يمكن تجاهلها، وسنحاول التطرق إليها في هذا المقال.
قد تكون هذه المرة من الحالات النادرة التي يتم فيها تحميل الأحزاب السياسية، وبشكل صريح عبر وسائل الإعلام، مسؤولية تدني مستوى المشاركة في التشريعيات، والتي بلغت في حدود 20 في المائة. ومع ذلك، لا يوجد في القانون سقف معين لنسبة المشاركة يؤدي إلى إلغاء الانتخابات أو إعادتها، وبالتالي فإن البرلمان القادم يبقى شرعياً من الناحية القانونية، حتى وإن كانت المشاركة ضعيفة سياسياً وشعبياً.
لكن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية تدني المشاركة في الانتخابات التشريعية، في حين أن مختلف أنواع الانتخابات في الجزائر تعاني منذ سنوات من ضعف نسب المشاركة؟ إن العزوف الانتخابي ظاهرة أوسع وأعمق من أن تحصر في الأحزاب فقط، رغم أن هذه الأخيرة تتحمل، دون شك، جزءاً مهماً من المسؤولية.
الأحزاب في الجزائر أصبحت اليوم عديمة المقروئية. لم يعد المواطن يفرق بوضوح بين مختلف التيارات السياسية، إن وجدت أصلاً. يجد نفسه أمام عدد كبير من الأحزاب، منها أحزاب إسلامية تدعي كلها المرجعية الدينية، وبعضها قريب من أدبيات حركة الإخوان المسلمين، ومنها أحزاب تقليدية سئم منها المواطن، لأنها تحولت في نظره إلى أجهزة فارغة من المحتوى، وتدنى خطابها إلى ترديد شعارات جوفاء، مع إعلان الولاء للسلطة بين الجملة والأخرى، رغم أنها ليست في حاجة إلى ذلك بهذا الشكل المبالغ فيه.
الأحزاب الإسلامية، من جهتها، فقدت الكثير من جاذبيتها، ولم تعد تستقطب الناخب كما كان يحدث في مراحل سابقة، بعد تجارب سياسية عديدة أضعفت صورتها لدى الرأي العام. والمفارقة أن بعضها يشارك في السلطة أو في مؤسساتها، لكنه خلال الحملات الانتخابية ينتحل صفة المعارضة، في مزايدة غريبة لا يفهم طلاسمها إلا صانعوها والمتحدثون باسمها، وهو خطاب لا يقنع الناخب، بل يدخله في دوامة البحث عن معنى لما يسمعه.
كما أن كثرة الأحزاب وتحول عدد كبير منها إلى مجرد دكاكين انتخابية أفقدها تأثيرها ومصداقيتها أمام المواطن، خاصة مع التدني الواضح في مستوى الخطاب السياسي، الذي لم يعد مقنعاً وأصبح سطحياً في كثير من الأحيان. وهذه معضلة أخرى، لأن أغلب الأحزاب السياسية في الجزائر لا تمتلك مراكز دراسات ولا خلايا بحث في الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية، تقدم المادة الفكرية والبرنامجية التي تستعملها القيادات الحزبية في برامجها وخطاباتها وخرجاتها الإعلامية.
لقد تحول كثير مما يقوله زعماء الأحزاب إلى مجرد ردود أفعال على ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي، بدل أن تكون الأحزاب هي التي تنتج الفكرة، وتبادر إلى النقاش، وتصنع البدائل، وتقترح الحلول. وهذا في حد ذاته يكشف أزمة عميقة في بنية العمل الحزبي وفي قدرته على قيادة النقاش العام.
كما أن تأثير الممارسات السابقة لا يزال حاضراً بقوة في الذاكرة السياسية للمواطن، مثل تعيين أقارب بعض المسؤولين الحزبيين في مناصب حساسة، وما حام حول بعضهم من شكوك تتعلق بالاستفادة من الأموال والدعم والرشاوى. كل ذلك أصبح عاملاً منفراً يجعل المواطن يتردد في الانخراط في العملية السياسية، لأنه يرى في بعض الأحزاب امتداداً لممارسات فقد بسببها الثقة في العمل العام.
الحقيقة أن تحليل ظاهرة عزوف الناخبين معقد جداً. فالسلطة أيضاً تتحمل جزءاً من المسؤولية، لأنها لم تقم بما يكفي لإصلاح الفضاء السياسي وإعادة تشكيله وفق توجهات سياسية واضحة تخدم المواطن، وتقدم له مقروئية تساعده على الاختيار والانضمام إلى توجه سياسي بعينه.
لقد تراجعت القيمة الاجتماعية للنضال في سبيل تحقيق أهداف وبرامج سياسية، ولم تعد هذه الفكرة تحتل الأولوية في العمل الحزبي، حتى لا نقول إنها أصبحت موضة تجاوزها الزمن. بل وصل الأمر إلى درجة أن الحديث عن الالتزام الوطني صار يثير أحياناً الاستهزاء أو الضحك لدى البعض، وهذا تحول خطير يجب البحث في أسبابه ومعالجته بجدية.
ولنكون منصفين، فإن النظام الديمقراطي أو الممارسة الديمقراطية عبر العالم تغيرت كثيراً، وهذا يؤثر بطبيعة الحال على الممارسة السياسية في الجزائر. فالديمقراطية لم تعد حتى في عقر دارها تمارس كما تم التنظير لها في بدايات تأسيسها، بل أصبحت مع الوقت، في كثير من الدول، أداة في يد شبكات متنوعة ومتشابكة، تحمل مشاريع متناقضة، بعضها ظاهر وبعضها خفي عن الإدراك.
هذه الشبكات، التي تمثل في كثير من الأحيان نقيض الدولة ونقيض الديمقراطية، التفت على الممارسة الديمقراطية وأفسدت أداءها، بل حرفتها لخدمة مصالح فئوية ضيقة. وقد أوصلت إلى الحكم في عدد من البلدان شخصيات خادمة لمصالح مجموعات مؤثرة، لا علاقة لها بروح الديمقراطية، بل استعملت آلياتها فقط لتحقيق مصالحها.
ولا يمكن أن تكون الممارسة السياسية في الجزائر، وهي تعاني بدورها من تخلف كبير على مستوى التنظيم والخطاب والأداء، خارج مجال هذا التطور العام الذي أصاب الممارسة الديمقراطية في العالم بخلل عميق. فالجزائر ليست معزولة عن التحولات التي يعرفها العالم، سواء على مستوى تراجع الثقة في الأحزاب، أو صعود الشعبوية، أو تأثير المال، أو هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على صناعة الرأي العام.
ونحن نحاول فهم مستوى تدني العمل السياسي، الذي أبعد الانخراط الشعبي وترجم نفسه في ضعف نسبة المشاركة، يجب ألا ننسى أن الديمقراطية الغربية نفسها حملت في تاريخها تناقضات خطيرة. فقد وصل هتلر إلى الحكم في ألمانيا عبر آليات انتخابية، ثم تسبب في حرب عالمية أودت بحياة عشرات الملايين من البشر من مختلف الجنسيات والأعراق، وصنعت واحدة من أكبر المآسي في التاريخ البشري المعاصر.
وخطر صعود تيارات فاشية أو متطرفة عبر مسارات ديمقراطية لا يزال قائماً إلى اليوم، بل يهدد مستقبل العديد من الدول في العالم، والجزائر ليست بعيدة عن هذه المخاطر. لذلك، فإن النقاش حول الديمقراطية لا يجب أن يكون سطحياً أو رومانسياً، بل يجب أن يكون واقعياً، يأخذ بعين الاعتبار أن صناديق الاقتراع قد تنتج أحياناً قوى تهدد الدولة نفسها إذا لم تكن هناك ثقافة سياسية ومؤسسات قوية ووعي وطني يحمي المسار العام.
الأحزاب السياسية في الجزائر ليست، في معظمها، مؤسسات وطنية تعمل وفق ما هو متعارف عليه في العالم من تنظيم وبحث ودراسات وبرامج واضحة، ولا هي جمعيات خيرية قادرة على تعويض ضعف العمل السياسي بخدمات اجتماعية مباشرة. والمصيبة أنك لا تستطيع بناء نظام ديمقراطي خارج وجود الأحزاب السياسية، لأنها تظل الوسيط الضروري بين المواطن والدولة، وبين المجتمع والمؤسسات.
ومن هنا، فإن الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة وإصلاحات حقيقية لواقع الممارسة السياسية في الجزائر. لا يمكن الاستمرار بأحزاب توجد قيادات سابقة لها في السجن بتهم فساد، وهي تواصل النشاط بنفس الاسم، بل وأحياناً بنفس الوجوه أو بشخصيات خرجت من صلب تلك القيادات الفاسدة. هذا الوضع لا يستطيع المواطن الناخب أن يستوعبه بسهولة، بل قد يراه استمراراً للفساد، أو عبثاً سياسياً لم يتم إصلاحه.
كما أن دخول وسائل التواصل الاجتماعي على الخط خلط جميع أوراق الممارسة السياسية، ليس في الجزائر فقط، بل في مختلف دول العالم. فقد أصبحت تغريدة واحدة، أو مقطع فيديو قصير، قادرة على قلب الموازين، وإسقاط خطاب سياسي كامل، وربما تدمير عمل أحزاب لها وزنها وتاريخها. وهذا العامل الجديد في الساحة السياسية أصبح مؤثراً إلى درجة لا يمكن تجاهلها.
لقد تغيرت قواعد اللعبة السياسية. لم يعد الحزب وحده قادراً على توجيه الناخب كما كان في السابق، ولم يعد الإعلام التقليدي يحتكر صناعة الرأي. المواطن اليوم يتلقى المعلومات من مصادر كثيرة، بعضها مجهول، وبعضها مضلل، وبعضها موجه، وبعضها عابر للحدود. وهذا يفرض على الأحزاب والدولة والمجتمع إعادة التفكير في معنى العمل السياسي في زمن السرعة الرقمية والفوضى الإعلامية.
لذلك، فإن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية ضعف المشاركة الانتخابية فيه قدر كبير من التبسيط. نعم، الأحزاب فشلت في التجنيد. نعم، خطابها لم يعد مقنعاً. نعم، كثير منها تحول إلى هياكل بلا روح. لكن الأزمة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تمس علاقة المواطن بالسياسة، وثقته في المؤسسات، وصورة البرلمان، وطبيعة النخبة، ومستوى الخطاب العام، وطريقة إدارة الفضاء السياسي برمته.
إننا أمام تغييرات يعرفها العالم بأسره، ووجب علينا دراستها بعمق ودقة، واستخلاص نتائجها، حتى نستطيع إصلاح الفضاء السياسي بما يخدم مصلحتنا الوطنية، ويضمن ديمومة الدولة الجزائرية. فبدون دولة قوية ومستقرة لا يمكن الحديث عن ديمقراطية، ولا عن أحزاب، ولا عن انتخابات، ولا حتى عن مشاركة أو عزوف عن التصويت.
المطلوب اليوم ليس البحث عن شماعة واحدة نعلق عليها ضعف المشاركة، بل فتح نقاش وطني جاد حول أسباب العزوف، وحول إصلاح الأحزاب، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي، وبناء خطاب وطني مقنع، يربط المواطن بمؤسساته، ويجعله يشعر أن صوته ليس مجرد رقم في نسبة المشاركة، بل أداة فعلية للمساهمة في مستقبل بلده.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
لتحسين أداء النظام السياسي الجزائري.. هل حان وقت مراجعة علاقة الجزائريين بصندوق الاقتراع؟
أنهت الجزائر الانتخابات التشريعية التي نُظمت يوم 2 جويلية 2026، والتي سجلت نسبة مشاركة أول…






