لتحسين أداء النظام السياسي الجزائري.. هل حان وقت مراجعة علاقة الجزائريين بصندوق الاقتراع؟
أنهت الجزائر الانتخابات التشريعية التي نُظمت يوم 2 جويلية 2026، والتي سجلت نسبة مشاركة أولية بلغت 20.79 بالمائة داخل الوطن، و10.67 بالمائة في الخارج، حسب الأرقام التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عقب اختتام عملية التصويت.
وبذلك تكون البلاد قد اجتازت موعداً سياسياً هاماً في مسار تجديد برلمانها الوطني، باعتباره أحد ركائز المؤسسات السياسية الوطنية ومصدر التشريع الأساسي في الجزائر، في انتظار ما ستسفر عنه النتائج النهائية من معطيات سياسية تسمح بمعرفة الخريطة السياسية الجديدة داخل المجلس الشعبي الوطني، وما يمكن أن يترتب عنها على مستوى الحكومة والأغلبية التشريعية، بما يتيح استكمال المسيرة الوطنية التي بدأها الرئيس عبد المجيد تبون منذ انتخابه سنة 2019.
وقد جُندت كل الوسائل المادية والتنظيمية والأمنية لضمان إجراء الانتخابات في ظروف عادية، وتمكين المواطن من الإدلاء بصوته بكل حرية واحترام. ورغم ذلك، لا تزال نسب المشاركة، خاصة في المواعيد التشريعية، تراوح مستويات ضعيفة أو متوسطة، وهو ما يجعلني أطرح سؤالاً مهماً حول مسألة إجبارية التصويت.
شخصياً، كنت أعتقد أن إلزام المواطن بأداء الواجب الانتخابي أمر غير ديمقراطي، أو على الأقل يتعارض مع حرية الفرد في المشاركة أو المقاطعة. غير أنني صُدمت، أو بالأحرى فوجئت، عند وصولي إلى بلجيكا، بأن الحضور الانتخابي فيها إجباري في عدد من الاستحقاقات، وأن المواطن الذي لا يذهب إلى مكتب التصويت يمكن أن يتعرض لعقوبة مالية.
ومما زادني قناعة بأن الحل البلجيكي قد يكون مناسباً للنقاش في الجزائر، ذلك الحوار الذي جمعني بعدد من المثقفين في هذا البلد، حين سألتهم عن جدوى إلزام المواطن بالتصويت، فكان ردهم واضحاً، الديمقراطية لا تمنح المواطن الحقوق فقط، بل تطلب منه أيضاً، مرة كل بضع سنوات، أن يتحمل مسؤوليته السياسية وأن يدلي بصوته. وقالوا إن الدولة لا يمكن أن تتهاون مع من يرفض الذهاب إلى صندوق الاقتراع، لأن المشاركة الانتخابية ليست مجرد اختيار فردي، بل هي جزء من انتظام الحياة الديمقراطية.
وإلى اليوم، ورغم وجود معارضين لفكرة إلزامية التصويت في بلجيكا، لا يزال هذا المبدأ قائماً في عدد من الانتخابات، وإن كانت تفاصيل تطبيقه تختلف بحسب طبيعة الاستحقاق والجهة المختصة. ومن هنا، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في بعض الأفكار الجاهزة التي ورثناها عن معنى الديمقراطية، وأن نفهم أن التجارب السياسية تختلف من بلد إلى آخر، وأن ما يبدو غريباً في بلد ما قد يكون قاعدة مستقرة في بلد آخر.
طبعاً، بلجيكا بلد أوروبي له تقاليد ديمقراطية عريقة، وحتى لو تغير قانون إلزامية التصويت فيها مستقبلاً، فقد تبقى نسبة المشاركة قوية بحكم الثقافة السياسية المتجذرة لدى المواطن. لكن المسار في الجزائر يبدو، في تقديري، بحاجة إلى نقاش جدي حول هذه المسألة، لأن تكريس الديمقراطية يمر عبر الانتخابات، ولأن توعية المواطن بدوره السياسي تمر أيضاً عبر المشاركة، عندما يصبح لصوته معنى سياسي وتأثير فعلي في مستقبل بلده.
في الحقيقة، النظام الديمقراطي متنوع جداً، ويختلف من بلد إلى آخر في العالم. ولذلك نحن بحاجة إلى دراسة مختلف التجارب السياسية، لا من أجل نسخها كما هي، ولكن من أجل الاستفادة منها وتبني ما يمكن أن يفيد بلدنا ويناسب خصوصيته. وكما تعلمنا مع الوقت أن النظام المطبق في فرنسا ليس هو الأصل الوحيد للديمقراطية في العالم، فعلينا أن نستفيد من هذا الدرس، وأن ننفتح على نماذج أخرى قد تقدم حلولاً عملية لإشكالياتنا الوطنية.
إن ضعف المشاركة الانتخابية لا ينبغي أن يقرأ فقط كرقم عابر في نشرات الأخبار، بل يجب أن يكون موضوع تفكير عميق. فالديمقراطية لا تقوم فقط على فتح مكاتب التصويت وتنظيم الحملات الانتخابية، بل تحتاج إلى مواطن يشعر بأن صوته قادر على إحداث فرق، وأن البرلمان الذي ينتخبه يملك فعلاً سلطة التشريع والرقابة والمساءلة، وأن الأحزاب السياسية تقدم مشاريع واضحة، وليست مجرد قوائم ظرفية تظهر في كل موعد انتخابي ثم تختفي.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول إلزامية التصويت في الجزائر يجب ألا يُطرح بطريقة سطحية أو عقابية فقط، بل ضمن رؤية إصلاحية أشمل، تجعل من المشاركة السياسية واجباً وطنياً، وفي الوقت نفسه تمنح المواطن ضمانات حقيقية بأن صوته محترم، وأن العملية الانتخابية تؤدي إلى نتائج سياسية ملموسة، وأن المنتخبين يتحملون مسؤولياتهم أمام الشعب.
أما التشريعيات في الخارج، فقد دخلت في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، وأصبحت تستقطب مزيداً من المترشحين المهتمين بتقديم خدماتهم للجالية الوطنية بالخارج. غير أن هذه العملية تتم في ظروف أداء صعبة جداً ومعقدة، سواء من حيث اتساع الدوائر الجغرافية، أو صعوبة التواصل مع الناخبين، أو ضعف الإمكانات، أو غياب تقاليد انتخابية منظمة داخل الجالية.
وهذا الواقع يحتاج إلى دراسة معمقة من أجل إعادة إصلاح كيفيات إجراء الانتخابات الخاصة بالجالية مستقبلاً، خصوصاً بعدما أصبح مبدأ حضور الجالية في البرلمان مكرساً دستورياً وقانونياً، وثابتاً في حياة الجمهورية الجزائرية. فتمثيل الجزائريين في الخارج لم يعد مسألة رمزية فقط، بل صار جزءاً من البنية السياسية الوطنية، ويجب أن يترجم إلى تمثيل فعلي وفعال يدافع عن انشغالات هذه الفئة الواسعة من المواطنين.
إن الجالية الجزائرية في الخارج تحتاج إلى نواب يعرفون مشاكلها الحقيقية، من الوثائق الإدارية إلى قضايا الاستثمار، ومن التعليم والهوية إلى الحماية الاجتماعية، ومن تسهيل العودة إلى الوطن إلى ربط الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج بمشاريع التنمية في الجزائر. ولذلك، فإن إصلاح انتخابات الجالية لا يقل أهمية عن إصلاح العملية الانتخابية داخل الوطن.
أمام البرلمان القادم مهمات تشريعية ضخمة. فهو مطالب، إذا توفرت الإرادة السياسية، بالتفكير في إصلاحات جذرية لتحسين أداء النظام السياسي الجزائري، بعد استخلاص النتائج والعبر من تاريخ الممارسة السياسية منذ استقلال الجزائر. فالبلاد في أمس الحاجة إلى نقاش وطني عميق حول طبيعة المؤسسات، ودور البرلمان، ووظيفة الأحزاب، وعلاقة المواطن بالسياسة، ومستقبل المشاركة الشعبية.
كما أن الجزائر بحاجة إلى تكريس التوجه الوطني داخل إطار النظام الجمهوري، وإبعاد خطر الهيمنة الإسلاموية المتطرفة التي زادت من شراستها ضد الجزائر رغم سنوات الإرهاب التي اجتزناها بشق الأنفس، ورغم التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الجزائري من أجل الحفاظ على الجمهورية ووحدة البلاد.
لقد أثبت التاريخ الجزائري أن بناء الدولة الوطنية لم يكن أمراً سهلاً، وأن حماية المسار الجمهوري تحتاج إلى يقظة دائمة، وإلى مؤسسات قوية، وإلى شعب واعٍ بدوره السياسي. ومن هنا، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد موعد إداري أو إجراء دوري، بل يجب أن تتحول إلى لحظة وطنية كبرى، يشارك فيها المواطن بقناعة ومسؤولية، لأنه يدرك أن صوته ليس رقماً في نسبة المشاركة، بل جزء من مستقبل الجزائر.
إن نتائج تشريعيات 2 جويلية 2026، مهما كانت قراءتها السياسية، تفتح الباب أمام نقاش ضروري حول المشاركة، والتمثيل، وإصلاح النظام الانتخابي، ودور البرلمان في المرحلة المقبلة. فالمهم ليس فقط أن ننظم الانتخابات، بل أن نجعلها ذات معنى، وأن نربط المواطن بمؤسساته، وأن نمنح الحياة السياسية نفساً جديداً قادراً على حماية الدولة الوطنية وتطوير التجربة الديمقراطية الجزائرية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل الأحزاب مسؤولة وحدها عن ضعف المشاركة؟
سجلت الانتخابات التشريعية الأخيرة نسبة مشاركة منخفضة، أرجعها البعض إلى فشل الأحزاب السياسي…






