‫الرئيسية‬ الأولى هل انتهى عصر بيتكوفيتش؟
الأولى - الافتتاحية - رأي - رياضة - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

هل انتهى عصر بيتكوفيتش؟

هل انتهى عصر بيتكوفيتش؟
تتداول الأوساط الرياضية والإعلامية معلومات تفيد بأن الاتحادية الجزائرية لكرة القدم توصلت إلى اتفاق مع المدرب فلاديمير بيتكوفيتش لإنهاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين، في انتظار صدور بيان رسمي يؤكد أو ينفي هذه المعطيات، ويكشف التفاصيل الدقيقة لطريقة فسخ العقد والتكلفة المالية المترتبة عن نهاية هذه التجربة.

وإلى غاية صدور موقف رسمي، يبقى المؤكد أن طريقة تواصل الفاف مع الجمهور الرياضي الجزائري أصبحت تطرح أكثر من سؤال. فهذه المؤسسة العريقة، التي يفترض أن تتعامل مع الرأي العام الرياضي باحترام ووضوح، باتت في كثير من الملفات تترك الجمهور تحت رحمة الإشاعة والتسريبات، بدل أن تعتمد على الاتصال الرسمي المباشر والشفاف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل مستقبل العارضة الفنية للمنتخب الوطني.

وحسب المعلومات المتداولة، فإن المفاوضات بين الفاف والمدرب السويسري أفضت إلى صيغة اتفاق تسمح بفسخ العقد، في انتظار معرفة التفاصيل الرسمية المتعلقة بطبيعة هذا الفسخ، وهل تم بالتراضي الكامل، وما إذا كانت هناك تبعات مالية على خزينة الاتحادية، خاصة أن عقد بيتكوفيتش كان قد أثار جدلاً واسعاً منذ تمديده، قبل أن تأتي النتائج والأداء في كأس العالم لتفتح باب الانتقادات بقوة.

وتفيد المعطيات المتداولة أيضاً بأن اللجنة التقنية ستدرس لاحقاً السير الذاتية للمدربين الراغبين في تدريب المنتخب الوطني خلال المرحلة المقبلة. وهي خطوة تبدو طبيعية بعد نهاية تجربة لم تقنع الجمهور الجزائري، لكنها ستكون بلا قيمة حقيقية إذا لم تتم وفق رؤية واضحة، ومعايير فنية دقيقة، بعيداً عن الارتجال، وضغط الأسماء، والتسريبات، والحسابات الضيقة.

ما حصل بين الفاف وبيتكوفيتش كان منتظراً، خاصة بعد تصريح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أبدى حرصاً واضحاً على حماية شباب المنتخب الوطني، وعدم إدخالهم في صراعات ومتاهات قد تؤثر سلباً على انسجام المجموعة وأدائها ومعنوياتها. فالمنتخب يضم جيلاً شاباً ومتحمساً لحمل القميص الوطني، ولا يجوز أن يتحول إلى ضحية لصراعات إدارية أو حسابات شخصية أو قرارات فنية غير مقنعة.

لقد جاءت نكسة كأس العالم والأداء غير المقنع لتضع تجربة المدرب السويسري أمام نهايتها المنطقية. بيتكوفيتش لم ينجح في صناعة إجماع حوله، ولم يقدم ما يقنع الجمهور الرياضي الجزائري بأنه الرجل القادر على قيادة مرحلة جديدة. بل إن ما حدث في المونديال كشف حدود اختياراته، وضعف بصمته الفنية، وغياب القدرة على استثمار الإمكانات الكبيرة التي يملكها المنتخب الوطني.

وإذا صحت المعلومات المتداولة حول نهاية عهد بيتكوفيتش، فإن الفاف تكون قد تخلصت من مدرب لم يعد يحظى بأي دعم شعبي حقيقي، باستثناء بعض الأصوات المحسوبة على محيط رئيس الاتحادية، والتي واصلت الدفاع عنه والتطبيل له رغم أن أداءه لم يكن مقنعاً. غير أن كأس العالم أنهت كل محاولات التبرير، ووضعت التجربة أمام حقيقتها، تجربة باهتة لم ترتق إلى طموحات الجزائريين.

رحيل بيتكوفيتش، إن تأكد رسمياً، يفتح مرحلة جديدة أمام المنتخب الوطني. لكن هذه المرحلة لا يجب أن تكون مجرد تغيير اسم بآخر. المطلوب مدرب من طراز عالٍ، قادر على تولي العارضة الفنية لمنتخب يضم جيلاً واعداً من اللاعبين، يملك المهارة والطموح والرغبة في تحقيق الألقاب وإسعاد الجزائريين. المنتخب الوطني لا يحتاج إلى مدرب عادي، بل إلى مشروع فني واضح، وشخصية قوية، وقدرة على بناء مجموعة منسجمة قادرة على المنافسة.

غير أن تغيير المدرب وحده لن يكون كافياً. فإذا كان منطق التغيير الحالي قد جاء بعد التأكيد على ضرورة حماية شباب المنتخب الوطني، فإن تغييرات أخرى تبقى منتظرة داخل إدارة الفاف نفسها. فالأزمة لم تكن فنية فقط، بل كانت أيضاً أزمة تسيير، واتصال، واختيارات، ومسؤوليات. ومن غير المنطقي أن يتحمل المدرب وحده كل تبعات الإخفاق، بينما تبقى الإدارة التي اختارته ومددت له ووفرت له الغطاء بمنأى عن المحاسبة.

الفاف الحالية مطالبة اليوم بمراجعة عميقة لطريقة عملها. فالإخفاق لا يعالج بإقالة مدرب فقط، بل بتحديد المسؤوليات كاملة، ومعرفة من اختار، ومن قرر، ومن مدد، ومن دافع، ومن سوّق للرأي العام أن المشروع يسير في الاتجاه الصحيح. الجمهور الجزائري لم يعد يقبل أن تُدار ملفات المنتخب الوطني بالضبابية، ولا أن يعرف أخبار فريقه من التسريبات قبل البيانات الرسمية.

أما بخصوص رئيس الفاف، الذي يشغل حالياً منصب وزير الرياضة، فإن وضعيته تطرح بدورها أسئلة سياسية ورياضية مهمة. فالحديث المتداول عن تعرضه لضغوط إعلامية، وما قيل علناً حول علاقته ببعض المؤثرين واليوتوبرز، يفرض توضيحاً وشفافية، لأن مؤسسات الدولة لا يجوز أن تظهر في موقع الخاضع لأي ضغط أو ابتزاز، مهما كان مصدره أو طبيعته.

لا يصح أن تكون الحكومة الجزائرية، أو وزارة الرياضة، أو الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، تحت أي تأثير غير مؤسساتي. ولا يصح أن تدار صورة المنتخب الوطني، وهو جزء من القوة الناعمة للجزائر، عبر تسريبات، أو ضغط منصات، أو صراعات كواليس. المنتخب أكبر من الأشخاص، وأكبر من المدربين، وأكبر من أي رئيس اتحادية.

اليوم، إذا انتهى عصر بيتكوفيتش فعلاً، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق باسمه وحده، بل بما بعده. هل ستتعلم الفاف من أخطائها؟ هل سيتم اختيار مدرب بمقاييس عالمية؟ هل ستتم حماية اللاعبين من الفوضى؟ هل ستتغير طريقة الاتصال مع الجمهور؟ وهل ستتحمل الإدارة الحالية مسؤوليتها كما يتحمل المدرب مسؤوليته؟

الجزائريون لا يريدون فقط رحيل مدرب فشل في الإقناع. يريدون منتخباً محترماً، إدارة قوية، شفافية في القرارات، ومشروعاً فنياً يليق باسم الجزائر. فإذا كان بيتكوفيتش قد وصل إلى نهاية الطريق، فإن الفاف مطالبة بأن تثبت أن ما سيأتي بعده ليس ترقيعاً جديداً، بل بداية تصحيح حقيقي.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

التطرف يرفع رأسه من جديد… فهل تتدخل السلطة قبل الكارثة؟

بدأت مؤشرات تحريك التيار الديني المتطرف، الذي تسبب في سنوات الإرهاب بقتل الآلاف من الجزائر…