المخزن يبتز إسبانيا بأجساد الفقراء !
أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية عن دخول حوالي 49 ألف مواطن مغربي إلى مدينة سبتة بطرق غير شرعية، في تطور خطير دفع سلطات المدينة إلى المطالبة بتدخل الجيش الإسباني لمواجهة هذا التدفق الكبير من المواطنين المغاربة على المدينة، متهمة السلطات المخزنية بتنظيم هذا الهجوم والوقوف خلفه.
الخلفية الحقيقية لهذه “المسيرة الخضراء” غير المعلنة من طرف المغرب، والتي سبق أن لوّح بها وهدد بها في أكثر من مناسبة، تكمن في انزعاج المخزن من التقارب الجزائري الإسباني، ومحاولته في الوقت نفسه فرض وجوده في الجانب المشاطئ لمضيق جبل طارق، الذي تتحكم فيه بريطانيا من جهة الإسبان، وإسبانيا من جهة المغرب.
هذا التحرك لا يبدو بعيداً عما يحدث في مضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق مالاكا، وغيرها من الممرات البحرية الاستراتيجية. فالعملية، وفق هذه القراءة، تبدو استباقية في حال تحولت هذه المضائق مستقبلاً إلى أدوات بيد الدول المشاطئة لها لفرض رسوم على المرور عبرها أو التحكم في حركتها. ومضيق جبل طارق يبقى بعيداً عن سيطرة المغرب، لأن الدول المشاطئة والمؤثرة فيه هي بريطانيا وإسبانيا، ولذلك تأتي محاولة المخزن إرسال آلاف المواطنين نحو سبتة كوسيلة لإعادة المدينة إلى دائرة مطالبه السيادية، أو على الأقل إخراجها عن السيطرة، كما فعل مع الصحراء الغربية في بداية احتلالها.
والتركيز على مدينة سبتة دون مليلية واضح للعيان، لأن سبتة تقع في موقع مشاطئ مباشرة لمضيق جبل طارق، الذي تمر عبره حركة ضخمة للبضائع والسلع والآليات العسكرية، من بواخر وغواصات وغيرها من وسائل النقل البحري الاستراتيجي. وهنا يبقى التساؤل الحقيقي، من يدعم المغرب في هذه العملية التي تبدو انتحارية؟ القراءة السياسية تشير إلى “إسرائيل” بالدرجة الأولى، وربما الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الثانية، في إطار البحث عن زرع الفوضى في مناطق حساسة من العالم، وهو ما قد يساهم، إذا توسع منطق العبث بالمضائق والممرات، في إشعال أزمات دولية خطيرة قد تدفع العالم نحو مواجهة كبرى تدمر مستقبل البشرية.
إن إرسال أكثر من 49 ألف مواطن مغربي إلى داخل مدينة سبتة، التي بدأ مواطنوها الإسبان في تشكيل لجان للدفاع عن أحيائهم بكل الوسائل، يعتبر عملية خطيرة تستهدف ضرب استقرار مدينة خاضعة للسيادة الإسبانية. كما أن هذا الوضع سيخلق صعوبات كبيرة للسلطات الإسبانية في السيطرة على الأمن الداخلي، خاصة إذا استمر تدفق المواطنين المغاربة بهذه الكثافة وبهذا الشكل المنظم.
نوايا المخزن، في هذه القراءة، لا علاقة لها بمسائل السيادة أو غيرها من الشعارات التي يرفعها، بل تتعلق بعملية استباقية لمحاولة التموضع كدولة تستفيد مستقبلاً من عائدات المرور عبر مضيق جبل طارق، في حال تعممت سياسة فرض الرسوم من طرف دول عديدة على المضائق التي تتحكم فيها، مثل هرمز، وباب المندب، ومالاكا، وغيرها. فالمسألة هنا ليست عاطفية ولا حدودية فقط، بل مرتبطة بعائدات ضخمة وبمراقبة عسكرية وسياسية لممرات بحرية حيوية.
المخزن كان قد حضر لهذه العملية عندما أطلق كذبة التعاون الإسباني الجزائري لتأسيس قاعدة عسكرية جزائرية في مدينة سبتة، وذلك بهدف تحضير الرأي العام المحلي المغلوب على أمره، وكذلك الرأي العام الدولي، لما كان يُنتظر أن ينتهي بمحاولة السيطرة على المدينة عبر الدفع بآلاف الشباب إلى احتلالها، كما نراه اليوم أمامنا. وما سرّع العملية هو زيارة رئيس وزراء إسبانيا إلى الجزائر، والتي أعلنت عن تقارب جزائري إسباني بعد جفاء دام سنوات.
المغرب لا يتحرك، في أغلب الملفات، إلا بناءً على ما تقوم به الجزائر، كما رأيناه مؤخراً في أكذوبة أنبوب الغاز العابر للقارة الإفريقية، والذي ترفض عدة جهات الانخراط فيه مالياً، باستثناء أبناء الشيخ زايد، الذين أداروا ظهرهم لكل ما قدمته لهم الجزائر، من تأسيس لشركة النفط، إلى توحيد وتدريب وتأسيس الجيش الإماراتي نفسه.
ورغم الفوضى التي أحدثتها عملية التهجير القسري للشباب المغربي باتجاه سبتة، فمن غير المنطقي أن تحقق هذه العملية شيئاً إيجابياً للمغرب. بل على العكس تماماً، ستظهره أمام الرأي العام الدولي كبلد غير مستقر، لا يحترم القانون الدولي، ويلجأ إلى البلطجة كأداة سياسية كلما شعر بأن موازين العلاقات الإقليمية لا تسير لصالحه.
على الجزائر أن تحذر جيداً من هذه السياسة، وألا تقوم بإعادة فتح الحدود المشتركة مع المغرب، بل عليها تحصينها بشكل لا يسمح بأي عبور غير مراقب. فالمحاولات السابقة لم تنجح، لكن التحضير لإرسال مواطنين مغاربة نحو الجزائر يبقى، حسب هذه القراءة، جزءاً من أجندة مخزنية يُحضَّر لها منذ سنوات.
وحتى عملية سبتة نفسها، حسب ما يُتداول في هذا السياق، تم التحضير لجانب منها انطلاقاً من وهران، حيث استطاعت الأجهزة الأمنية الجزائرية إيقاف عدة مغاربة كانوا يحضرون لعملية تهجير مواطنين جزائريين إلى إسبانيا، بالتوازي مع عملية الدخول إلى سبتة، بهدف توريط الجزائر والتغطية على المخزن الجبان.
إن ما يحدث في سبتة ليس مجرد أزمة هجرة، بل هو استعمال واضح للبشر كورقة ضغط سياسية. فحين يدفع نظام آلاف المواطنين نحو مدينة حدودية حساسة، ثم يتركهم في مواجهة البحر، والأمن، والخوف، والمجهول، فإنه لا يدافع عن السيادة، بل يمارس الابتزاز. وحين يتحول الشباب المغربي إلى أداة في لعبة جيوسياسية، فإن المسؤولية لا تقع على الضحايا الذين يبحثون عن النجاة، بل على النظام الذي دفعهم إلى هذا الطريق.
المخزن يعتقد أنه قادر على إعادة إنتاج منطق “المسيرة الخضراء” في سبتة، لكنه ينسى أن العالم تغير، وأن الرأي العام الدولي لم يعد ينظر إلى موجات الهجرة الجماعية كأداة سياسية مشروعة، بل كجريمة أخلاقية في حق البشر قبل أن تكون تهديداً أمنياً للدول. فاستعمال الفقراء واليائسين والمهمشين كوقود في معركة سياسية هو أكبر دليل على إفلاس هذا النظام وانهيار منطقه.
إن سبتة تكشف مرة أخرى طبيعة المخزن، نظام يرفع شعارات السيادة حين يريد التغطية على الفشل، ويستعمل الهجرة حين يريد ابتزاز أوروبا، ويختلق الأكاذيب حين يريد تبرير مغامراته، ويراقب كل خطوة جزائرية ليبني عليها رد فعل مرتبكاً ومتهوراً. لكن هذه المرة، قد تكون المغامرة أكبر من قدرته على التحكم فيها، لأن العبث بالمضائق والمدن الحدودية وحركة البشر ليس لعبة داخلية، بل ملف دولي خطير قد يرتد على صاحبه.
لذلك، فإن ما يجري في سبتة يجب أن يُقرأ كإنذار سياسي وأمني للجزائر وإسبانيا والمنطقة كلها. فالمخزن، حين يعجز عن إنتاج الاستقرار في الداخل، يحاول تصدير الفوضى إلى الخارج. وحين يفشل في منافسة الجزائر سياسياً ودبلوماسياً، يلجأ إلى الأوراق القذرة، من الهجرة إلى التضليل، ومن الابتزاز إلى صناعة الأزمات. وهذه البلطجة، مهما حاول تزيينها بالشعارات، لن تخفي حقيقتها: إنها عملية ضغط منظمة على مدينة إسبانية، واستعمال مأساوي للمواطن المغربي كوقود في معركة لا تخدمه ولا تحمي كرامته.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
سابقة تاريخية وانتصار لمكانة المرأة الجزائرية.. خليدة بوفدش على رأس المجلس الشعبي الوطني
دخلت الجزائر، يوم 28 جويلية 2026، محطة جديدة في تاريخها السياسي والمؤسساتي، بعد انتخاب الط…






