حافلة الموت في بومرداس.. عندما يصبح النقل الجماعي انتحاراً قسرياً
بعد حادثة الحافلة التي ذهب ضحيتها 28 مواطناً بريئاً، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته، فتحت العدالة تحقيقاً في الموضوع، كما فتحت من قبل تحقيقاً في حادثة سقوط الحافلة في وادي الحراش. غير أن الملاحظة الأساسية أن التحقيق القضائي في قضية وادي الحراش انتهى، في نظر الرأي العام، عند حدود المسؤولية المباشرة لمالك الحافلة والسائق، ثم طُوي الملف، من دون أن تذهب السلطات إلى تحديد المسؤولية السياسية والأخلاقية كما هو معمول به في كثير من دول العالم عندما تقع كوارث تمس حياة المواطنين بهذا الحجم.
في قضية حافلة بومرداس، يبدو أن التحقيق لن يذهب أبعد، في ظاهره على الأقل، مما قيل إلى حد اليوم، وهو أن السائق، الذي توفي هو أيضاً في الحادث الأليم، كان تحت تأثير المخدرات والمؤثرات العقلية، وأن تعاطيه لهذه المواد أفقده جزءاً من الوعي والسيطرة، وكان أحد الأسباب المباشرة للكارثة التي خلفت عشرات الضحايا. وإذا كانت الحصيلة الرسمية تتحدث عن 28 وفاة، فإن السؤال المؤلم يصبح أكثر قسوة: هل نحن أمام حادث مرور فقط، أم أمام شكل من أشكال الانتحار الجماعي القسري، فرضه سائق تحت تأثير المخدرات على ركاب أبرياء لم يكن لهم أي ذنب سوى أنهم استعملوا النقل الجماعي؟
هنا يبقى السؤال مطروحاً، ما الفائدة من التحقيقات القضائية إذا كانت ستنتهي فقط عند تحديد المسؤولية الفردية المباشرة؟ نعم، يجب التحقيق. نعم، يجب تحديد المسؤوليات الجنائية. نعم، يجب معرفة كل التفاصيل التقنية والقانونية. لكن القضية، في عمقها، تبدو واضحة وضوح الشمس، سائق حافلة، تحت تأثير مواد مخدرة ومؤثرات عقلية، يقود مركبة مكتظة بالمسافرين، في منحدر، بسرعة قاتلة، فتكون النتيجة فاجعة وطنية. هذه ليست مجرد مخالفة، بل انهيار كامل لمنظومة رقابة وسلامة.
لقد كتبنا أكثر من مرة عن النقل الجماعي في الجزائر، وقلنا إن هذا القطاع، بكل تنوعاته، أصبح بحاجة إلى مراجعة جذرية، بل إلى نقله تدريجياً إلى القطاع العمومي أو إلى شركات كبرى منظمة تخضع لدفاتر شروط صارمة، لأن الدولة وحدها تملك القدرة الفعلية على فرض قواعد أمنية موحدة، ومراقبة صارمة، وتكوين دائم، وفحوصات منتظمة، وضمان استعمال آمن لهذا النوع من التنقل الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين يومياً.
الحافلات هي وسيلة النقل الأسهل والأكثر استعمالاً بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، خاصة بين الولايات والبلديات والقرى والمدن. لكنها تحولت، بسبب عدم احترام القوانين في مجال السلامة، سواء من طرف بعض السائقين أو بعض ملاك الحافلات، إلى نقطة سوداء في المجتمع الجزائري. عندما يصبح الركوب في حافلة مغامرة، وعندما لا يعرف المواطن إن كان السائق سليماً أو مخدراً أو مرهقاً أو متهوراً، فإننا لم نعد أمام خدمة نقل، بل أمام خطر يومي مفتوح.
يجب قولها بوضوح، لا يمكن أن تبقى أرواح المواطنين رهينة لشخص اشترى حافلة، أو ورث خطاً، أو استفاد من ريع النقل، ثم يشغل سائقاً بلا رقابة كافية، ويدفعه إلى السرعة، ويغض الطرف عن عدد الركاب، ويتعامل مع الحافلة كوسيلة ربح لا كمسؤولية عامة. النقل الجماعي ليس تجارة عادية. إنه قطاع يمس حياة الناس، ومن يمس حياة الناس يجب أن يخضع لأقسى درجات التنظيم والرقابة والمحاسبة.
من بين الحلول الجذرية التي يجب طرحها بجرأة، منع امتلاك وسائل النقل العمومية من طرف الخواص الأفراد، أو على الأقل إخضاع هذا الامتلاك لشروط قاسية جداً، تجعل النقل الجماعي في يد شركات محترفة لا في يد أفراد معزولين. فانتشار اللامسؤولية في هذا القطاع لا ينفصل عن خطاب مهيمن في المجتمع يبرر الفوضى، ويغلفها أحياناً باسم الحرية الاقتصادية أو الرزق أو المبادرة الفردية، بينما النتيجة في النهاية تكون موتاً جماعياً على الطرقات.
السلطات مطالبة بأن تهتم بما يجري في المجتمع كما تهتم أي حكومة في أي بلد يحترم نفسه بما يحدث داخل مجتمعه من تطورات وأفكار وسلوكيات خطيرة. لا يمكن الاستمرار في هذا النوع من عدم الاكتراث بما يتراكم داخل المجتمع، ولا يمكن السكوت عن تطورات مدمرة تحت غطاءات مختلفة. انتشار الحبوب، تدهور أخلاقيات السياقة، فوضى النقل، غياب الرقابة، والربح السريع على حساب الأرواح، كلها مؤشرات لا يمكن التعامل معها كأحداث منفصلة.
لقد حان الوقت لوضع قوانين صارمة تطبق فعلاً على أرض الواقع، لا تبقى حبراً على ورق. كما يجب الاستفادة مما يجري في بلدان أخرى حول العالم في كيفية اختيار السائقين، وتدريبهم، ومراقبتهم، وإخضاعهم لفحوصات نفسية وطبية ودورية، خاصة في قطاع النقل الجماعي. فالسائق الذي يقود حافلة ليس مثل شخص يقود سيارته الخاصة. هو يحمل أرواحاً. والفرق بين خطئه وخطأ غيره أن خطأه قد يتحول في لحظة واحدة إلى مقبرة جماعية.
ومن هنا يصبح التفكير في تأسيس شركات عمومية قوية في قطاع النقل العمومي ضرورة وطنية، من الطائرة إلى الباخرة إلى الحافلة. الدولة التي تحترم مواطنيها لا تفرط في نقلهم لأي شخص يملك المال لشراء حافلة. النقل العمومي يجب أن يكون منظومة، لا مبادرة فردية مبعثرة. يجب أن تكون هناك شركات منظمة، سائقون مكونون، رقابة مركزية، تتبع للسرعة، فحوصات مخدرات، مراقبة لعدد الركاب، صيانة دورية، ومسؤولية إدارية وسياسية واضحة.
حتى الدول الرأسمالية والليبرالية، عندما تستعين بشركات خاصة في النقل، فهي لا تترك حياة المواطنين في يد أفراد عشوائيين. تستعين بشركات ومجموعات نقل تخضع لدفاتر شروط صارمة، ورقابة تقنية، والتزامات قانونية، وتأمينات، وتكوين، ومحاسبة، لأن سلامة المواطن هي أساس اهتمام الدولة. أما عندنا، فإننا ننتقل من كارثة إلى أخرى، ومن جريمة إلى أخرى، وكأن حياة المواطن آخر ما تفكر فيه المنظومة.
ولا يمكن أيضاً استبعاد فرضية وجود أعمال تخريب أو صابوطاج تستهدف الإساءة إلى الجزائر وسمعتها، خاصة في سياق إقليمي ودولي معقد. لكن حتى إذا وُجدت مثل هذه النوايا، فإن النظام الحالي المطبق في النقل العمومي يجعل تنفيذ أي خطة تخريبية أسهل. عندما تكون الرقابة ضعيفة، والسائق غير مفحوص، والحافلة فوق طاقتها، والسرعة غير مضبوطة، والقطاع مشتتاً بين أفراد ومالكين، فإن أي خلل أو نية سيئة يمكن أن تتحول إلى كارثة.
لذلك، فإن الرد على احتمال الصابوطاج لا يكون بالشعارات، بل ببناء منظومة نقل لا تسمح أصلاً بالعبث. المنظومة القوية تحمي نفسها. الشركة المنظمة تكشف الخلل مبكراً. الفحوصات المفاجئة تمنع السائق المخدر من الصعود إلى المقود. تتبع السرعة يمنع الحافلة من النزول في منحدر بسرعة جنونية. مراقبة عدد الركاب تمنع الحافلة من التحول إلى صندوق بشري مكتظ. أما الفوضى، فهي البيئة المثالية لكل كارثة، سواء كانت نتيجة إهمال أو نتيجة تخريب.
المسؤولية السياسية يجب أن تكون إحدى ركائز العمل في جميع القطاعات، وفي مقدمتها قطاع النقل. ليس معنى المسؤولية السياسية أن ننتظر دائماً استقالة وزير أو مسؤول بعد كل حادث، ولكن معناها أن تتحمل السلطة مسؤوليتها الأخلاقية والمؤسساتية عما يحدث في المجتمع، وأن تقدم إجابات واضحة، وإجراءات ملموسة، ومراجعات عميقة، لا أن تترك كل كارثة تنتهي عند اسم سائق أو مالك حافلة.
وفاة 28 شخصاً ليست أمراً هيناً يمكن أن يمر ببيان، وتحقيق، ودفن، ثم نسيان. هذه فاجعة وطنية يجب أن تترتب عنها مسؤولية سياسية وأخلاقية، لأن غياب هذا الجانب من المحاسبة يزيد من حالة الفوضى في المجتمع، ويرفع منسوب الاحتقان الاجتماعي، ويجعل المواطن يشعر أن حياته لا تعني شيئاً إلا لحظة التعزية.
العدالة ستقوم بعملها، وهذا ضروري. لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح قطاع كامل. القضاء يحاسب بعد وقوع الجريمة أو الكارثة، أما السياسة العمومية الجيدة فهي التي تمنع وقوعها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد فاجعة بومرداس ليس فقط، من أخطأ؟ بل، كيف وصلنا إلى أن يقود سائق تحت تأثير المخدرات حافلة مسافرين؟ كيف خرجت حافلة بهذا العدد من الركاب؟ كيف وصلت إلى سرعة قاتلة؟ وأين كانت الرقابة قبل أن تتحول الرحلة إلى مأساة؟
إن اعتبار هذه الفاجعة مجرد حادث مرور سيكون خطأ كبيراً. هي مرآة لخلل أعمق في النقل، وفي الرقابة، وفي انتشار المؤثرات العقلية، وفي غياب المسؤولية السياسية. السائق، حسب المعطيات الأولية، كان تحت تأثير المخدرات، وهذا وحده كافٍ ليفتح نقاشاً وطنياً حول فحوصات السائقين، وحول من يحق له قيادة حافلة، وحول ما إذا كان ممكناً أن يستمر قطاع النقل الجماعي بهذه الطريقة.
المطلوب اليوم ليس فقط معاقبة المتسببين المباشرين. المطلوب إعادة بناء منظومة النقل الجماعي في الجزائر. المطلوب أن تكون حياة المواطن أعلى من ريع النقل. المطلوب أن تكون الحافلة وسيلة آمنة لا مغامرة. المطلوب أن لا يركب المواطن وهو يسأل نفسه هل السائق واعٍ أم مخدر، هل الحافلة مؤمنة أم مهترئة، هل العدد قانوني أم مضاعف، هل سيصل إلى وجهته أم سيصبح رقماً جديداً في حصيلة سوداء.
حافلة بومرداس لم تسقط في منحدر فقط. لقد أسقطت معها وهماً كاملاً بأن الأمور يمكن أن تستمر كما هي. لا يمكن أن يستمر النقل الجماعي بهذه الفوضى. لا يمكن أن يستمر التعامل مع الحبوب كخطر بعيد عن القطاعات الحساسة. لا يمكن أن تستمر المسؤولية في حدود السائق والمالك فقط. ولا يمكن أن يبقى المواطن آخر حلقة في منظومة يدفع ثمن أخطائها من دمه.
رحم الله الضحايا وشفى الجرحى، لكن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بالتعازي وحدها. الوفاء الحقيقي يكون بقرارات قاسية، وبإصلاح جذري، وبمسؤولية سياسية واضحة، وبنقل قطاع النقل الجماعي من منطق الريع والفوضى إلى منطق الدولة والسلامة. أما غير ذلك، فسيعني أننا سننتظر فاجعة أخرى، وحافلة أخرى، وسائقاً آخر، وحصيلة جديدة، ثم نكرر الكلام نفسه.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التطرف يرفع رأسه من جديد… فهل تتدخل السلطة قبل الكارثة؟
بدأت مؤشرات تحريك التيار الديني المتطرف، الذي تسبب في سنوات الإرهاب بقتل الآلاف من الجزائر…






