‫الرئيسية‬ الأولى انتصار يعيد الأمل ويفتح أبواب الشك… هل يملك «الخضر» ما يكفي لعبور النمسا؟
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

انتصار يعيد الأمل ويفتح أبواب الشك… هل يملك «الخضر» ما يكفي لعبور النمسا؟

انتصار يعيد الأمل ويفتح أبواب الشك… هل يملك «الخضر» ما يكفي لعبور النمسا؟
حقق المنتخب الوطني الجزائري أول انتصار له في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما قلب تأخره أمام المنتخب الأردني إلى فوز ثمين بنتيجة هدفين مقابل هدف، في مباراة صعبة أبقت آماله قائمة في التأهل إلى الدور المقبل. وكان المنتخب الأردني السباق إلى التسجيل في الشوط الأول عن طريق نزار الرشدان، قبل أن يعود «الخضر» في الشوط الثاني بفضل البديل نذير بن بوعلي، الذي ارتقى فوق دفاع المنافس وحوّل ركنية دقيقة نفذها القائد رياض محرز إلى هدف التعادل في الدقيقة 69، ثم أضاف أمين غويري هدف الفوز في الدقيقة 82 مستغلاً ارتباكاً جديداً داخل منطقة الجزاء عقب ركلة ركنية أخرى.

وكان الانتصار ضرورياً بعد الهزيمة الثقيلة بثلاثية نظيفة أمام الأرجنتين في المباراة الافتتاحية، كما سمح للمنتخب الوطني باستعادة جزء من ثقته قبل مواجهة النمسا في الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات. غير أن النتيجة الإيجابية، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب الأسئلة الفنية والتنظيمية التي طرحتها المباراة، ولا أن تمنع مناقشة العيوب التي ظهرت مجدداً في أداء المنتخب.

فقد عانى الفريق الوطني خلال الشوط الأول من صعوبات واضحة في بناء اللعب، وفقد الكرة بسهولة في مناطق كان يفترض أن يتحكم فيها اللاعبون بهدوء أكبر. كما بدت المسافات بين الخطوط واسعة في بعض الفترات، وغاب التنسيق الضروري بين وسط الميدان والهجوم، ما سمح للمنتخب الأردني بالتقدم واستغلال الأخطاء الجزائرية، رغم الفوارق الفردية الموجودة بين المنتخبين.

ولا يزال المنتخب الجزائري يحمل كثيراً من العيوب التنظيمية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، بينما لم تقدم المباراتان الأوليان في كأس العالم دليلاً كافياً على حدوث تحول تكتيكي عميق في عهد المدرب فلاديمير بيتكوفيتش. وقد نجح المدرب أمام الأردن في تغيير مجرى المباراة بإقحام نذير بن بوعلي، صاحب هدف التعادل، لكن ذلك لا يلغي أن الفريق انتظر طويلاً قبل فرض سيطرته وتحويل استحواذه إلى فرص حقيقية.

وتعددت الوجوه الفردية في طريقة اللعب الجزائرية، من انطلاقات ريان آيت نوري التي أصبحت متوقعة بالنسبة إلى المنافسين، إلى المراوغات التي يعتمد عليها أنيس حاج موسى عندما يشارك، مروراً بمحاولات الاختراق الفردي التي تنجح أحياناً وتفشل كثيراً أمام الدفاعات المنظمة. ولا يمكن للمنتخب أن يبني مشروعه الهجومي على مهارة لاعب أو مراوغة جناح فقط، خصوصاً عندما تدرس المنتخبات المنافسة تحركات كل لاعب وتغلق أمامه المساحات.

كما يبقى فقدان الكرة في التمريرات البسيطة واحداً من أبرز عيوب المنتخب الوطني. فقد قدم اللاعبون في أكثر من مناسبة كرات مجانية إلى المنافس بسبب ضعف التركيز أو سوء الاختيار أو البطء في اتخاذ القرار. وهذه الأخطاء، التي قد تمر من دون عقاب أمام فريق محدود الإمكانات، يمكن أن تتحول إلى أهداف مباشرة عند مواجهة منتخبات أكثر قوة وسرعة وتنظيماً.

ويمتلك المنتخب الجزائري لاعبين يتمتعون بجودة فنية عالية، لكن الجودة الفردية وحدها لا تكفي لمواجهة المنتخبات العالمية. فالفريق يحتاج إلى تنظيم جماعي واضح، وإلى تحركات منسقة من دون كرة، وإلى القدرة على الخروج من الضغط، والتحكم في إيقاع المباراة، والمحافظة على الاستحواذ عندما تكون النتيجة في صالحه. وهي من أبجديات كرة القدم الحديثة التي تظهر بوضوح في أداء المنتخبات الكبرى.

وتكمن إحدى مشكلات المنتخب الوطني أيضاً في الميل إلى التقليل من قيمة بعض الخصوم، وكأن الفوارق في الأسماء والخبرة كافية لحسم المباريات. غير أن كرة القدم المعاصرة لم تعد تعترف كثيراً بهذه الفوارق، لأن كل منتخب يدرس منافسه ويحلل طريقة لعبه وتحركات لاعبيه ونقاط ضعفه. وقد ظهر أن المنتخب الأردني دخل المباراة بخطة واضحة، بينما احتاج المنتخب الجزائري إلى الشوط الثاني والكرات الثابتة من أجل قلب النتيجة.

ويبدو أحياناً أن الفريق الجزائري يلعب بالطريقة نفسها مهما اختلف المنافس، مع تكرار التحركات ذاتها والاعتماد على الحلول الفردية نفسها. وفي المقابل، لا يظهر دائماً أثر واضح لدراسة الخصم أو تغيير الخطة حسب متطلبات كل مباراة. فالمدرب مطالب بتقديم إجابات عملية عن كيفية مواجهة الضغط، وكيفية اختراق الدفاعات المتكتلة، وكيفية حماية الكرة، لا بالاكتفاء بانتظار لحظة فردية أو ركلة ثابتة.

كما ينبغي على اللاعبين التوقف عن الاتكال المفرط على قرارات الحكم وانتظار احتساب المخالفات عند كل احتكاك. فقد يستمر اللعب بعد سقوط اللاعب إذا لم ير الحكم وجود خطأ، وعندها تصبح الكرة في حوزة المنافس بينما يكون اللاعب منشغلاً بالاعتراض. ويتطلب المستوى العالمي سرعة النهوض ومواصلة اللعب وعدم ترك الفريق في وضعية نقص عددي بسبب انتظار صافرة قد لا تأتي.

ومع ذلك، أظهر الشوط الثاني بعض النقاط الإيجابية التي يمكن البناء عليها، أهمها قدرة المنتخب على العودة بعد التأخر، وارتفاع نسق الضغط، وتحسن الحضور داخل منطقة الجزاء، إضافة إلى الدور الحاسم لرياض محرز في تنفيذ الركلات الركنية. كما أثبت دخول نذير بن بوعلي أن دكة البدلاء يمكن أن تقدم حلولاً مهمة إذا أحسن الطاقم الفني اختيار التوقيت والأسماء.

ولم يكن رياض محرز غائباً عن المباراة كما قد يوحي بعض الخطاب النقدي المتسرع، فقد أسهم مباشرة في هدف التعادل عبر الركنية التي حولها بن بوعلي برأسه إلى الشباك، كما كان حاضراً في عدد من المحاولات الهجومية. ويستمر قائد المنتخب منذ سنوات في التعرض لانتقادات تتجاوز أحياناً التقييم الفني الموضوعي إلى التقليل من قيمته ومسيرته، رغم أنه لا يزال أحد أهم مصادر الخطورة وصناعة الفرص داخل الفريق.

ويواجه المنتخب الوطني يوم 27 جوان النمسا في مباراته الأخيرة ضمن المجموعة العاشرة، في مواجهة حاسمة سيكون الفوز فيها الطريق الأوضح لضمان التأهل، بينما قد تدخل حسابات أخرى مرتبطة بالترتيب العام لأفضل المنتخبات المحتلة للمركز الثالث. وكان المنتخب الجزائري قد حافظ على آماله بعد فوزه على الأردن، في حين ضمنت الأرجنتين موقعاً قوياً في صدارة المجموعة عقب انتصارها على النمسا.

وتحمل مواجهة النمسا بعداً تاريخياً خاصاً بالنسبة إلى الجزائريين، بسبب ما حدث في كأس العالم 1982 بإسبانيا، عندما انتهت مباراة ألمانيا الغربية والنمسا بفوز ألماني بهدف دون مقابل، وهي النتيجة التي سمحت للمنتخبين بالتأهل وأقصت الجزائر. وبعد تسجيل الهدف الألماني المبكر، انخفض نسق المباراة بشكل أثار غضب الجماهير والمتابعين، وأصبحت المواجهة تُعرف تاريخياً باسم «فضيحة خيخون» أو «مباراة العار».

وكان المنتخب الجزائري في مونديال 1982 قد حقق فوزاً تاريخياً على ألمانيا الغربية بهدفين مقابل هدف، بفضل جيل ضم لخضر بلومي ورابح ماجر وصالح عصاد وعلي فرقاني ومحمود قندوز ومصطفى دحلب وجمال زيدان وغيرهم. كما فاز على تشيلي بثلاثة أهداف مقابل هدفين، لكنه غادر المنافسة بفارق الأهداف بعد المباراة المثيرة للجدل بين ألمانيا الغربية والنمسا. وقد دفعت تلك الفضيحة الاتحاد الدولي لاحقاً إلى اعتماد إقامة مباراتي الجولة الأخيرة من كل مجموعة في التوقيت نفسه، للحد من التلاعب بالحسابات والنتائج.

غير أن مباراة 2026 لا ينبغي اختزالها في فكرة الانتقام التاريخي وحدها. فاللاعبون الحاليون لم يكونوا طرفاً فيما حدث قبل 44 عاماً، والمنتخب النمساوي الحالي لا يتحمل قانونياً مسؤولية سلوك جيل سابق. لكن الذاكرة الرياضية تبقى حاضرة، ويمكن تحويلها إلى دافع معنوي إضافي، شرط ألا تتحول إلى ضغط نفسي يربك اللاعبين أو يدفعهم إلى التسرع.

ويحتاج المنتخب الوطني أمام النمسا إلى أداء أكثر انضباطاً من ذلك الذي قدمه أمام الأردن. فالمنافس الأوروبي يمتلك تنظيماً جماعياً أفضل، وقدرة أكبر على الضغط والتحول السريع واستغلال الأخطاء. ولن تكون الركنيات وحدها كافية لحسم المواجهة، بل يحتاج «الخضر» إلى التحكم في وسط الميدان، واللعب بسرعة ودقة، وتقليص عدد الكرات الضائعة، وتجنب ترك مساحات خلف الظهيرين.

كما سيكون على بيتكوفيتش أن يثبت أثر عمله في أهم مباراة منذ توليه تدريب المنتخب، عبر اختيار التشكيلة المناسبة، وتحديد أدوار واضحة للاعبين، والتدخل المبكر إذا لم تنجح الخطة. فمباريات كأس العالم لا تسمح بكثير من الانتظار، وقد تكفي لحظة واحدة أو خطأ بسيط لإنهاء مشوار منتخب كامل.

لقد حققت الجزائر الأهم أمام الأردن، وهو الانتصار واستعادة الأمل، لكنها لم تقدم بعد الأداء الذي يسمح بالاطمئنان الكامل. فالروح كانت حاضرة، والعودة كانت مستحقة، غير أن الاختبار الحقيقي سيكون أمام النمسا، حيث ستتحدد قدرة هذا المنتخب على تجاوز عيوبه وتحويل مهارات لاعبيه إلى قوة جماعية.

فهل ينجح زملاء القائد رياض محرز في عبور النمسا والمرور إلى الدور المقبل؟ وهل تتحول ذاكرة خيخون من جرح تاريخي إلى حافز لتحقيق انتصار جديد؟ أم أن الأخطاء التنظيمية وفقدان الكرة والاعتماد على الحلول الفردية ستضع حداً للمغامرة الجزائرية؟ الجواب سيكون فوق أرضية الميدان، حيث لا تكفي الشعارات ولا الذكريات، بل يحسم التنظيم والتركيز والفعالية مصير المنتخبات.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

«ناسدا» تراهن على السياحة لصناعة مؤسسات الغد…

أطلقت الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية، ممثلة في وكالة الجزائر وسط، دورة تكوينية لف…