‫الرئيسية‬ الأولى اتقوا الله في الجزائر
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫30 دقيقة مضت‬

اتقوا الله في الجزائر

اتقوا الله في الجزائر
كما هو متعارف عليه، في كل صيف تتعرض الجزائر، ومعها مجموع دول حوض المتوسط، إلى حرائق تمس غاباتها، ولم تجد تلك الدول، ومن بينها الجزائر، حلاً نهائياً لمنع نشوبها أو انتشارها. وبقيت إلى اليوم تعالج هذه الظاهرة بوسائل إطفاء الحرائق المتعارف عليها دولياً. وقد قامت الجزائر بشراء عدة طائرات، وصل بعضها من روسيا، وهي مخصصة لمواجهة الحرائق، وأدت دوراً رائعاً منذ سنوات في إخماد النيران. وربما، عند اكتمال العدد الذي طلبته الجزائر، ستكون التغطية شاملة لمجموع التراب الوطني.

ومع ارتفاع درجات الحرارة واشتعال النيران، تشتعل معها الحروب الإعلامية ضد الجزائر من مصادر مختلفة، مستعملة وسائل التواصل الاجتماعي لتفادي رصدها عبر وسائل الإعلام التقليدية التي قد تكشف الجهات والدول الواقفة وراء تلك الحملات. فالحملات ضد الجزائر ليست جديدة، وتتحدث عنها السلطات ليل نهار، تارة في شكل تعرض البلاد لحروب من الجيلين الرابع والخامس، وتارة أخرى في شكل مؤامرات تستهدف ضرب استقرارها. لكن المؤسف والمخيب للآمال، بل والمحبط لنفسية الجزائري، أن كل هذا الكلام لا تتبعه مخططات عملية واضحة لمواجهته، وكأن المسؤولين لا يهمهم الأمر إلا في جانب الخطب أمام الكاميرات، لتحديد المعضلة ووصفها، ثم الانصراف إلى المكاتب المكيفة، ويبقى الحال على حاله، بل يزداد سوءاً من سنة إلى أخرى.

ويبدو أن السلطة لا تعلم حجم الضرر الذي تحدثه في نفسية المواطن عندما تقوم بتوصيف المرض، ثم تنصرف وتترك الساحة للأعداء وكل المتآمرين. يصل الأمر إلى درجة أنها تُدخل الشك في نيتها وقدرتها على حماية البلد والشعب الجزائري، لتبدو وكأنها لا تبالي بحجم الكارثة، إلى درجة أن المواطن قد يعتقد، من شدة الفراغ والصمت، أنها متواطئة مع الحملات المغرضة ضد الجزائر، أو على الأقل غير مدركة لحجم الخطر الذي يهدد الوعي العام.

المواطن الجزائري لم يعد يعرف ماذا تريد السلطة التي تتفرج على ما يحدث دون أن تحرك ساكناً، إلا بالخطب التي تزيد من الاحتقان وتؤجج الخوف من المستقبل. لا أحد يعرف لماذا توجد أصلاً وزارة للإعلام إذا لم تكن لتسيير الحملات الإعلامية لصالح حماية البلد، وهي حماية تبدأ أولاً من حماية المواطن وطمأنته. لماذا لا يتحرك كل مسؤول لمواجهة ما يحدث من موقع مسؤوليته؟ لماذا يتفرج الجميع على الهجمات ضد الجزائر، بداية من تكفير صناع مجدها، وصولاً إلى التشكيك في مصدر إشعال النيران؟

لماذا يُجبر المواطن على انتظار تدخلات الرئيس عبد المجيد تبون من خلال إطلالاته في لقائه مع الصحافة الوطنية؟ ما الفائدة من وجود مسؤولين وحكومة تُصرف عليها المليارات من الخزينة العمومية، إذا كانت لا تصلح إلا لتوزيع الأجور نهاية كل شهر على مستخدميها؟ نعم، أنا قاسٍ جداً في حكمي، لأن الأعمال الإيجابية التي أُنجزت وتُنجز موجودة وحقيقية على أرض الواقع، لكن دون حمايتها عبر حماية البلد والشعب، فإنها ستزول وتندثر، أو تتحول إلى إنجازات بلا أثر سياسي ولا اجتماعي ولا إعلامي.

كأس العالم انتهت منذ أسابيع، وعرف العالم من فاز بها، لكن المواطن الجزائري، المتابع الشرس للرياضة، وأغلب هؤلاء من الشباب، لا يعرف شيئاً عن مصير فريقه الوطني إلا عبر التسريبات التي يمكن تكذيبها في أي لحظة. لا يوجد أي خطاب رسمي لإعلام المواطن عن مصير منتخب بلاده. لا أحد يعرف ما الذي يحصل، ولا كيف تُحل الأزمة الحالية، ولا ما هي رؤية الفاف التي تعود إليها مسؤولية حماية الفريق الوطني، على الأقل نظرياً، كما تعود للمسؤولين مسؤولية حماية الجزائر وشعبها.

كيف يمكن أن نواجه الحملات المعادية بهذا التصرف غير المسؤول في مختلف القطاعات؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن هناك من يدير المعركة الإعلامية والسياسية، بينما الفراغ يتمدد، والصمت يصبح هو القاعدة، والتسريبات تتحول إلى المصدر الوحيد للمعلومة؟ الاستثناء الوحيد يبدو في تلك القطاعات التي يتحكم فيها تيار الإخوان المسلمين، الذي لا يترك مجالاً إلا واستغله لتمرير فكره “الرهج” للجزائريين، ومحاولة صناعة مستقبل له داخل هذا الفراغ الخطير.

هل الجزائر هي مسؤولية الرئيس تبون وحده، ننتظر ماذا سيقول من حين إلى آخر؟ أم هي مسؤولية كل مواطن وكل مسؤول، مهما كان موقعه، على مدار أربع وعشرين ساعة، وليلاً ونهاراً، للدفاع عنها، بداية من قطاعه مهما كان حجمه؟ إن الوطن لا يُحمى بالخطب وحدها، ولا بالانتظار، ولا بتعليق كل شيء على تدخل الرئيس، بل يُحمى بمؤسسات تتحرك، ومسؤولين يتحملون مسؤولياتهم، وإعلام يواجه، وإدارة تفهم أن الصمت في زمن الهجمات المنظمة قد يتحول إلى مشاركة في الهزيمة.

وهنا يأتي دور السلطة التي مارست، منذ الاستقلال، سياسة مكافأة من يسكت وينزوي ويبقى في منزله لسنوات، ثم تناديه لتكرمه بمنصب. ومع الوقت، انتشرت هذه العقلية حتى أصبحت القاعدة والممارسة السياسية “الصحيحة” في الجزائر، لأن من لا يتكلم ولا يصرح، طبعاً لا يخطئ، ولا يغضب منه المسؤول، ويبقى ينتظر ليلة القدر التي تأتيه بمنصب. غير أن الاستمرار على هذا النهج سيكون قاتلاً للجزائر، خصوصاً أن السلطة السياسية والعسكرية نفسها تعترف في خطابها بأن الجزائر تتعرض لهجمات إعلامية، وحتى عملياتية، تستهدف ضرب استقرارها.

والمصيبة الكبرى أن نكتفي بتشخيص تلك الهجمات، ثم ننتظر الغيث من السماء لمواجهتها. هذه هي المصيبة العظمى، أن نعرف الخطر ولا نخطط، أن نصف المرض ولا نعالج، أن نرى النار ولا نتحرك إلا بعد أن تلتهم ما تلتهمه. الجزائر لا يمكن أن تُحمى بمنطق رد الفعل، ولا بعقلية الانتظار، ولا بسياسة ترك الفراغ لمن يملؤه بالأفكار المسمومة والدعايات المعادية.

الجزائر بحاجة إلى حكومة مناضلة، لا حكومة صامتة. بحاجة إلى مسؤولين يدافعون عن مصالحها ومصالح شعبها، ويواجهون ما تتعرض له من هجمات ومصائب لن تتوقف غداً ولا بعد غد. فهذا صراع بقاء ووجود في عالم لن يرحمنا إذا تخاذلنا في مهامنا تجاه الوطن. ومن لا يفهم أن الدفاع عن الجزائر يبدأ من موقع مسؤوليته، مهما كان صغيراً أو كبيراً، لا يستحق أن يكون في ذلك الموقع.

اتقوا الله في الجزائر. فهي ليست ملكاً لأحد، وليست مسؤولية شخص واحد، وليست موضوع خطب موسمية أمام الكاميرات. الجزائر وطن دفع من أجله الشهداء أرواحهم، ولا يجوز أن تُترك نهباً للفراغ، ولا للحملات، ولا للرداءة، ولا لمن ينتظرون المناصب في صمت بينما البلد يتعرض لهجمات مفتوحة.

للجزائر رب يحميها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

الرئيس تبون يختار حماية اللاعبين لا حماية كواليس الفاف

رداً على سؤال يتعلق بأداء المنتخب الوطني لكرة القدم في كأس العالم، أجاب الرئيس عبد المجيد …