‫الرئيسية‬ الأولى ماذا تخفي مناشدات المواطنين المستمرة للرئيس؟
الأولى - الافتتاحية - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

ماذا تخفي مناشدات المواطنين المستمرة للرئيس؟

ماذا تخفي مناشدات المواطنين المستمرة للرئيس؟
تدخل الرئيس عبد المجيد تبون لتغيير رزنامة الدخول المدرسي التي وضعتها وزارة التربية، بعدما اعتبرها كثيرون غير ملائمة، خاصة بالنسبة لسكان الجنوب. وما إن صدر القرار الأول حتى تهاطلت الرسائل والمناشدات، مطالبة الرئيس بالتدخل لإعادة النظر في رزنامة وزارة التربية، قبل أن يأتي التدخل الرئاسي لتصحيح الوضع.

لكن هذه الحادثة لا تبدو معزولة عن مشهد أوسع. فقد أصبحنا نشاهد مناشدات موجهة إلى رئيس الجمهورية في كل المجالات تقريباً، ضد العنف في الأحياء، ضد السرقات في وضح النهار، ضد حوادث المرور، ضد رداءة العجلات المطاطية أو ندرتها، ضد مشاكل الرياضة، والتجارة، والصناعة، والتعليم، والفلاحة. تقريباً لا يوجد قطاع في الجزائر لا يتجه فيه المواطن إلى مناشدة الرئيس، وكأن كل شيء في البلاد يعاني من التهاون وسوء التسيير، ولا يعمل كما ينبغي.

تصوروا لو كان وزير التجارة الخارجية وزيراً في دولة أوروبية، وتسببت سياساته الخاطئة في أزمة تمس سلامة المواطنين، أو في وفاة سائق بسبب عدم توفر عجلات مطابقة أو مضمونة، فهل كان سينجو من المحاسبة؟ في دول تحترم نفسها، قد يواجه المسؤول تحقيقات، وضغطاً إعلامياً، وربما استقالة أو متابعة، لأن حياة المواطن ليست تفصيلاً إدارياً ولا رقماً في ملف.

سيارات تسير في الطرقات دون عجلات مضمونة، أو دون توفر المقاسات المناسبة، تتحول في طرقات الجزائر إلى مراكب موت حقيقي، لا تهدد سائقها فقط، بل تهدد أيضاً السيارات والمركبات الأخرى التي قد تصطدم بها. فهل وصل مستوى انعدام الضمير إلى هذه الدرجة؟ وهل أصبحت سلامة المواطن آخر ما يُفكر فيه داخل بعض القطاعات؟

مناشدات الرئيس تبون تبدو، من جانب عاطفي، أمراً جميلاً، لأنها تعكس علاقة مباشرة بين المواطن ورئيسه، وقد تساهم في تمتين الثقة بين الرئيس والشعب بصفة عامة. لكنها، عند أي مراقب للشأن السياسي الجزائري، تكشف في العمق عطلاً كبيراً في دواليب الدولة، وتدل على وصول مجموعات من المسؤولين إلى مناصب لا يستحقونها، أو ليسوا أهلاً لها أصلاً.

هذا الواقع يتطلب مراجعة عميقة في طرق اختيار المسؤولين، التي وصلت في بعض الحالات إلى مستويات مقلقة. فحين يصبح تحديد رزنامة الدخول المدرسي، وهو أمر يفترض أن الدولة الجزائرية تملك فيه تقاليد وخبرة تمتد منذ أكثر من ستة عقود، محل خطأ يستدعي تدخلاً رئاسياً، فهذا يعني أن الخلل ليس بسيطاً. وإذا اقتضى الأمر، فربما يكون من الأفضل الاستعانة ببعض الإطارات المتقاعدة التي عرفت كيف تُسيّر قطاعات حساسة بصرامة وانضباط، لإعادة تنظيم ما تراجع وتفكك داخل الإدارة.

الفريق الوطني النسوي صنع الحدث وتأهل لأول مرة في تاريخ الجزائر إلى المونديال الذي سينظم في البرازيل، بقيادة مدرب جزائري كاد، حسب ما تم تداوله، أن يُدفع نحو المغادرة بعد خصم جزء معتبر من دخله الشهري عند تغيير قيادة الفاف. ويبدو أن طريقة تسيير شؤون الكرة في الجزائر تحمل حساسية واضحة تجاه المدرب الجزائري، مهما كان الصنف الذي يشرف عليه، وكأن كل ما هو وطني يجب دفعه إلى الاستقالة أو الإقالة أو التهميش.

وهذا أيضاً أمر خطير يتطلب تدخل الرئيس والسلطات العليا للنظر في كيفية إدارة شؤون الرياضة في البلد. فالرياضة ليست مجرد نتائج ومباريات، بل هي صورة الدولة، ومجال لتقييم احترام الكفاءة الوطنية، وحسن التسيير، والقدرة على حماية من ينجحون بدل التضييق عليهم.

لقد أصبحت مناشدة الرئيس قاعدة للتسيير في الجزائر. من يملك الحظ يجد من يوصل طلبه إلى الرئيس، ومن لا يملكه يبقى يناشد دون أمل في أن يصل صوته، حتى ينصفه الرئيس أو يرفض طلبه. فالآلة التي تدير محيط الرئيس تبدو أحياناً وكأنها تعمل بطريقة غريبة، توصل بعض المناشدات، وتُبعد أخرى، وقد توصل فقط الانتقادات بسرعة البرق لغرض في نفس يعقوب.

وهنا تكمن الخطورة. فالدولة لا يمكن أن تُدار بالمناشدات. لا يمكن أن ينتظر المواطن تدخلاً رئاسياً في كل ملف، ولا يمكن أن يصبح الرئيس هو الجهة الوحيدة القادرة على تصحيح أخطاء الوزراء، والولاة، والمديرين، والمسؤولين المحليين. فالمناشدات، بكل صراحة، تعني فشل الحكومة والوزراء والإدارات في أداء مهامهم كما ينبغي.

نرى ذلك بوضوح في قطاع النقل، وفي أمن الأحياء، وفي التجارة الخارجية، وفي الرياضة، وآخرها إخفاق وزارة التربية في تحديد رزنامة دخول مدرسي ملائمة، قبل أن يتدخل الرئيس لتغييرها. وفي كل مرة يتدخل فيها الرئيس، يفرح المواطن لأن مشكلته حُلّت، لكنه ينسى أن السؤال الحقيقي أكبر من ذلك، لماذا لم تُحل المشكلة داخل القطاع المعني قبل أن تصل إلى الرئاسة؟

إن كثرة المناشدات ليست علامة صحة، بل علامة عطب. هي تقول إن المواطن لم يعد يثق في الوزير، ولا في المدير، ولا في الوالي، ولا في الإدارة، ولم يعد يرى أمامه إلا الرئيس. وهذا وضع خطير، لأنه يحمّل مؤسسة الرئاسة عبئاً يومياً لا يجب أن تتحمله وحدها، ويكشف في الوقت نفسه أن مؤسسات أخرى لا تقوم بدورها كما ينبغي.

الدولة القوية ليست تلك التي ينتظر فيها المواطن الرئيس ليحل كل شيء. الدولة القوية هي التي تعمل فيها الوزارات، والولايات، والبلديات، والإدارات، والمحاكم، والهيئات الرقابية، قبل أن يضطر المواطن إلى الصراخ نحو أعلى هرم السلطة. أما عندما يصبح كل ملف، صغيراً كان أو كبيراً، بحاجة إلى نداء رئاسي، فهذا يعني أن منظومة التسيير تحتاج إلى مراجعة جذرية.

لا شيء على ما يرام، سيدي الرئيس عبد المجيد تبون.

فالمواطن لا يناشدك لأنه يحب تجاوز المؤسسات، بل لأنه فقد ثقته فيها. يناشدك لأنه لم يعد يجد من يسمعه في الوزارة، ولا في الولاية، ولا في البلدية، ولا في الإدارة. يناشدك لأن كثيرين ممن يفترض أنهم يمثلون الدولة لا يتحركون إلا عندما يصل الملف إليك. وهذه، في حد ذاتها، أخطر رسالة تخفيها المناشدات المتكررة: هناك دولة تنتظر الرئيس حتى تشتغل.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

هل أُغلق باب المنتخب في وجه المدرب الجزائري؟

المعلومات المتداولة بخصوص دراسة السير الذاتية من طرف اللجنة التقنية التابعة للفاف، تحت إشر…