‫الرئيسية‬ الأولى الإمارات بعد القطيعة… هل تبدأ الجزائر تفكيك شبكات النفوذ؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

الإمارات بعد القطيعة… هل تبدأ الجزائر تفكيك شبكات النفوذ؟

الإمارات بعد القطيعة… هل تبدأ الجزائر تفكيك شبكات النفوذ؟
قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين. وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد أشار قبل ذلك إلى وجود خلافات عميقة مع أبوظبي، موضحاً أنه كان يتجنب الوصول إلى القطيعة حتى لا تتوسع الانقسامات العربية. ومع القرار الأخير انتقلت الأزمة من مرحلة التوتر السياسي إلى القطيعة الرسمية.

القطيعة مع الإمارات جاءت بعد سنوات من قطع العلاقات مع المغرب، وبين الملفين تقاطعات سياسية واضحة. أبوظبي والرباط ترتبطان بعلاقات استراتيجية وثيقة، كما أقام البلدان علاقات رسمية مع “إسرائيل”، في حين ترفض الجزائر التطبيع وتتمسك بدعم القضية الفلسطينية وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. كما دعمت الإمارات الموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية وافتتحت قنصلية في مدينة العيون، وهو ما زاد من حجم الخلاف بينها وبين الجزائر.

العلاقات الجزائرية الإماراتية لم تكن دائماً على هذا المستوى من التوتر. ففي العقود الأولى بعد تأسيس دولة الإمارات، قدمت الجزائر خبرات في عدة قطاعات، خصوصاً في مجال الطاقة، وشارك إطارات جزائريون في تطوير القطاع النفطي الإماراتي خلال سنواته الأولى. كما كانت العلاقات بين هواري بومدين والشيخ زايد بن سلطان قائمة على التعاون السياسي والاقتصادي.

لكن العلاقات تغيرت خلال عهد عبد العزيز بوتفليقة. توسع الحضور الإماراتي في الاقتصاد الجزائري، ودخلت شركات ومستثمرون إماراتيون في مشاريع كبيرة في العقار والخدمات والاستثمار. ومع مرور الوقت، ظهرت انتقادات تتعلق بطبيعة بعض الامتيازات والعلاقات التي ربطت مستثمرين أجانب بدوائر القرار في تلك المرحلة.

هذه النقطة تطرح اليوم سؤالاً مهماً: هل تكفي القطيعة الدبلوماسية لإنهاء النفوذ الذي تشكل خلال سنوات طويلة؟ العلاقات الاقتصادية والعقود والاستثمارات والشبكات الشخصية لا تختفي بمجرد إغلاق السفارات. لذلك فإن مراجعة العلاقات السابقة تحتاج إلى عمل اقتصادي وقانوني وإداري، وليس إلى موقف دبلوماسي فقط.

مرحلة بوتفليقة تميزت بتركيز القرار السياسي والاقتصادي داخل دوائر ضيقة، وهو ما سمح بظهور علاقات متشابكة بين رجال أعمال ومسؤولين ومستثمرين أجانب. وقد أدى ذلك إلى صعوبة الفصل أحياناً بين الاستثمار الاقتصادي والعلاقة السياسية. ولذلك فإن تقييم الحضور الإماراتي في الجزائر يحتاج إلى مراجعة العقود والمشاريع ومسارات الاستثمار التي تمت خلال تلك الفترة.

حتى العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين كانت في السابق مفتوحة. ففي سنة 2019 أجرى الفريق أحمد قايد صالح لقاءات رسمية في أبوظبي على هامش معرض “آيدكس” للدفاع. وتوضح هذه العلاقات مستوى التقارب الذي كان قائماً قبل أن تبدأ مرحلة التباعد الحالية.

المشكلة الأساسية لا تتعلق بالاستثمار الإماراتي في حد ذاته، بل بقدرة رأس المال الأجنبي على التحول إلى نفوذ سياسي أو اقتصادي داخل الدولة. الدولة التي تمتلك صناديق سيادية ضخمة يمكنها أن توسع حضورها من خلال العقارات والموانئ والاتصالات والتكنولوجيا والإعلام والشركات الكبرى. وإذا غابت الرقابة، يمكن أن يتحول الاستثمار من علاقة اقتصادية إلى وسيلة تأثير.

الإمارات خلال العقدين الأخيرين وسعت حضورها خارج حدودها بشكل واضح. لم يعد نشاطها مقتصراً على الاستثمار والتجارة، بل أصبح يشمل ملفات سياسية وعسكرية وأمنية في اليمن والسودان وليبيا والقرن الإفريقي والساحل. واستفادت أبوظبي من مواردها المالية وعلاقاتها الدولية لبناء حضور يتجاوز حجمها الجغرافي والسكاني.

السودان يمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا النوع من التدخلات الإقليمية. فقد تحولت الحرب فيه إلى أزمة إنسانية واسعة، وظهرت اتهامات عديدة بشأن الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، من بينها اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. لكن المؤكد أن السودان أصبح ساحة تنافس بين قوى خارجية، وأن التدخلات الإقليمية ساهمت في تعقيد الأزمة.

وفي اليمن دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية أخرى، في الوقت الذي دعمت فيه السعودية أطرافاً مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وأظهرت هذه التجربة أن دول الخليج ليست كتلة سياسية واحدة، وأن لكل دولة مصالحها الخاصة المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي.

الأمر نفسه ينطبق على قطر وتركيا. قطر استخدمت الإعلام والاستثمار والعلاقات مع تيارات الإسلام السياسي لبناء نفوذ سياسي في عدد من الدول، بينما جمعت تركيا بين الاقتصاد والحضور العسكري والعلاقات الحزبية، خصوصاً في ليبيا وسوريا. وبالتالي فإن المنطقة العربية أصبحت مجالاً لتنافس عدة قوى إقليمية تستخدم أدوات مختلفة لتحقيق مصالحها.

بالنسبة للجزائر، يجب أن تتركز المتابعة على أثر هذه التحركات في أمنها ومحيطها المباشر. الجزائر تقع بجوار ليبيا ومالي والنيجر والمغرب والصحراء الغربية، وهي مناطق تعرف تنافساً دولياً وإقليمياً متزايداً. لذلك فإن أي حضور أجنبي اقتصادي أو أمني واسع في هذه المناطق يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الجزائري.

العلاقة بين الإمارات والمغرب و”إسرائيل” تزيد من هذه الحساسية. فمنذ اتفاقات التطبيع سنة 2020، تطورت العلاقات الأمنية والتكنولوجية بين الرباط و”إسرائيل”، بينما حافظت الجزائر على موقفها الرافض للتطبيع. كما ترتبط الإمارات بعلاقات متقدمة مع الطرفين، وهو ما يجعل الجزائر تنظر بحذر إلى أي تمدد إماراتي قريب من مجالها الجغرافي.

النفوذ الحديث لا يعتمد فقط على القواعد العسكرية. يمكن أن يتم عبر شركات الاتصالات، والموانئ، والمنصات الرقمية، والبنى التحتية، ومراكز البيانات، والمؤسسات المالية. ولذلك أصبح الأمن الاقتصادي والرقمي جزءاً أساسياً من الأمن القومي، ولم يعد كافياً التركيز على الحدود العسكرية فقط.

تجربة الجزائر خلال عهد بوتفليقة أظهرت أن ضعف الرقابة والشفافية يسمحان بتوسع نفوذ رجال الأعمال والعلاقات الخارجية داخل دوائر القرار. وبعد سقوط النظام السابق، بقيت بعض الشبكات الاقتصادية والعلاقات التي تكونت خلال تلك المرحلة قائمة. وهذا يجعل مراجعة تلك العلاقات مسألة ضرورية إذا كانت الدولة تريد تقليل الاعتماد على أي مركز نفوذ خارجي.

المطلوب ليس منع الاستثمار الإماراتي أو الخليجي، بل تنظيمه. الجزائر تحتاج إلى الاستثمار الخارجي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد تمنع تحول المستثمر إلى طرف مؤثر في القرار السياسي. يجب أن تبقى العقود واضحة، والملكية معلنة، والقطاعات الاستراتيجية تحت رقابة الدولة، والعلاقات بين المسؤولين والمستثمرين خاضعة للقانون.

كما ينبغي مراجعة العقود الكبرى التي أبرمت خلال سنوات الفساد، ليس فقط مع الإمارات، بل مع جميع الدول والشركات الأجنبية. المطلوب معرفة حجم الامتيازات، ومدتها، والقطاعات التي تشملها، وتأثيرها على الاقتصاد الوطني، ومدى ارتباط بعضها بمراكز القرار السابقة.

في الساحل أيضاً يتوسع الحضور الإماراتي إلى جانب قوى أخرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا. المنطقة تحتوي على موارد مهمة من الذهب واليورانيوم والنفط، إضافة إلى طرق تجارية وأمنية حساسة. وبالنسبة للجزائر، يمثل الساحل عمقاً أمنياً مباشراً، ولذلك فإن أي تغير في موازين النفوذ داخله يحتاج إلى متابعة مستمرة.

هناك كذلك جانب يتعلق بتمويل الجماعات السياسية والدينية. تجارب السنوات الماضية أظهرت أن بعض الدول الإقليمية استخدمت المال والإعلام والعلاقات الحزبية لدعم أطراف داخل دول أخرى. هذا النوع من النفوذ لا يحتاج إلى تدخل عسكري، ويمكن أن يتم عبر جمعيات أو وسائل إعلام أو رجال أعمال أو شخصيات سياسية.

الجزائر ليست خارج هذا الاحتمال. وجود رجال أعمال ومسؤولين سابقين وشبكات مصالح وتيارات سياسية ودينية يجعل مراقبة مصادر التمويل والعلاقات الخارجية مسألة أساسية. الاختراق السياسي لا يبدأ بالضرورة من مؤسسات الدولة العليا، بل يمكن أن يبدأ من الاقتصاد أو الإعلام أو العمل الجمعوي.

لذلك فإن القطيعة مع الإمارات لا ينبغي أن تبقى في المستوى الدبلوماسي فقط. المطلوب مراجعة العقود، ومراقبة الاستثمارات، وتعزيز الشفافية، وتتبع مصادر التمويل، وحماية القطاعات الاستراتيجية، وتطوير قدرات مكافحة التجسس الاقتصادي والرقمي.

ولا ينبغي أن تتحول هذه الأزمة إلى عداء مع الشعب الإماراتي أو مع شعوب الخليج. الخلاف يتعلق بسياسات الدول ومصالحها وتحالفاتها، وليس بالشعوب. كما أن حماية السيادة الجزائرية لا تعني الانغلاق أو رفض الشراكات الاقتصادية.

المشكلة الأساسية هي قدرة المؤسسات على إدارة الاستثمار الأجنبي دون أن يتحول إلى نفوذ سياسي. وإذا لم يتم إصلاح هذه النقطة، فإن استبدال مستثمر إماراتي بمستثمر من دولة أخرى لن يغير شيئاً. الخطر مرتبط بضعف الرقابة أكثر مما هو مرتبط بجنسية المستثمر.

الجزائر تحتاج لذلك إلى مفهوم أوسع للسيادة يشمل الاقتصاد والبيانات والاتصالات والموانئ والمطارات والإعلام والتمويل، إلى جانب الحدود والقوات المسلحة. هذه القطاعات أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ في العلاقات الدولية الحديثة.

قطع العلاقات مع الإمارات يمثل نهاية مرحلة سياسية، لكنه يفتح في الوقت نفسه ملفاً أوسع يتعلق بكيفية تنظيم العلاقات مع رؤوس الأموال الخليجية والأجنبية عموماً. الاستثمار يبقى ضرورياً، لكن يجب أن يعمل داخل قواعد واضحة تمنع التداخل بين المال والقرار السياسي.

المعيار الأساسي يجب أن يكون بسيطاً: الاستثمار الذي يضيف إلى الاقتصاد ويخلق الوظائف وينقل التكنولوجيا مرحب به، أما الاستثمار الذي يتحول إلى شبكة نفوذ داخل السياسة أو الإدارة أو الإعلام فيجب أن يخضع للمراقبة والتدقيق.

بهذا المعنى، لا يتعلق الملف بالإمارات وحدها. القضية أوسع وتتعلق بقدرة الجزائر على حماية قرارها الاقتصادي والسياسي في بيئة إقليمية شديدة التنافس، وعلى الاستفادة من الاستثمار الخارجي من دون السماح بتحوله إلى أداة تأثير داخل الدولة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

نيامي تحت مظلة الجزائر… والساحل يدخل مرحلة ردع جديدة

أرسلت الجزائر طائرات قتالية من نوع سوخوي سو-30 إلى النيجر، في خطوة عسكرية جاءت بطلب من الق…