أين الحصن الديني للدولة؟
أصبح زحف التيارات الدينية المتطرفة والمناهضة للمرجعية الدينية الجزائرية يشكل خطراً حقيقياً على التوازن الفكري والديني للمجتمع، خاصة في ظل الفراغ المؤسساتي الذي تعيشه الساحة الدينية منذ سنوات. فالمرجعية الدينية الجزائرية، التي تشكلت عبر أكثر من ثلاثة عشر قرناً من التاريخ، تجد نفسها اليوم أمام هجوم متواصل من تيارات وافدة تحاول إعادة تشكيل التدين الجزائري وفق نماذج مذهبية وفكرية مستوردة لا تنتمي إلى تاريخ البلاد ولا إلى خصوصيات مجتمعها.
ومن بين أهم أسباب هذا الوضع غياب هيئة دينية وطنية جامعة تضم مختلف مكونات المرجعية الدينية الجزائرية، وتتكفل بالدفاع عنها فكرياً ومؤسساتياً وقانونياً. فالجزائر ليست بلداً أحادياً من الناحية المذهبية، بل تشكلت هويتها الدينية عبر قرون طويلة من التعايش بين المالكية والتصوف والإباضية، مع وجود محدود لبعض الامتدادات الإسماعيلية التاريخية المرتبطة بفترات قديمة من تاريخ المنطقة المغاربية.
فالمدرسة المالكية، التي شكلت العمود الفقهي للجزائر عبر القرون، عُرفت تاريخياً باعتدالها ورفضها للتكفير، حتى تجاه المسلم المقصر في عباداته، كما أنها ترفض تشبيه الخالق بالمخلوق، استناداً إلى الآية القرآنية: “ليس كمثله شيء”. وهذا الفهم الوسطي للإسلام هو الذي حافظ على التوازن الديني داخل المجتمع الجزائري لقرون طويلة، ومنع ظهور الانقسامات المذهبية الحادة التي عرفتها مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
كما أن المرجعية الإباضية تُعد جزءاً أصيلاً من التاريخ الديني الجزائري، وقد ساهم أبناؤها في بناء الدولة الوطنية والحركة الوطنية والثقافة الجزائرية الحديثة. ويكفي أن صاحب النشيد الوطني الجزائري مفدي زكريا كان إباضياً، وهو أحد أبرز رموز الهوية الوطنية الجزائرية. كما أن المدرسة الإباضية الجزائرية لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن الفكري والثقافي داخل المجتمع، بعيداً عن التطرف والغلو.
أما التصوف، فقد كان أحد الأعمدة الأساسية للتدين الجزائري، ولعب دوراً مركزياً في مقاومة الاستعمار الفرنسي والحفاظ على الهوية الوطنية واللغة والدين. فالزوايا الصوفية لم تكن مجرد فضاءات للذكر والعبادة، بل كانت مدارس للتعليم ومراكز للحفاظ على الشخصية الجزائرية خلال فترة الاحتلال. ولذلك فإن استهداف الصوفية اليوم من قبل بعض التيارات المتشددة لا يمثل مجرد خلاف فقهي، بل مساساً بجزء عميق من الذاكرة الوطنية الجزائرية.
وفي المقابل، تحاول بعض التيارات السلفية والوهابية والمدخلية تقديم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد لـ”التوحيد”، إلى درجة أن أتباعها يطلقون على أنفسهم لقب “الموحدين”، في إيحاء خطير بأن بقية المسلمين ناقصو عقيدة أو خارجون عن التوحيد الصحيح. والحقيقة أن مفهوم التوحيد أوسع وأقدم بكثير من هذه التيارات الحديثة، وهو مفهوم مشترك بين مختلف الديانات التوحيدية، وليس حكراً على تيار ديني ظهر في الجزيرة العربية قبل قرنين فقط.
فالقرآن الكريم نفسه يربط التوحيد بتاريخ الإنسانية قبل الإسلام بقرون طويلة، ويقدم عدداً من الشخصيات السابقة للإسلام باعتبارها مؤمنة بالله الواحد. وبالتالي فإن احتكار صفة “الموحدين” من قبل تيار ديني معين وتحويل بقية المسلمين إلى “مشركين” أو “أهل بدع” يمثل انحرافاً خطيراً في الخطاب الديني، ويهدد وحدة المجتمع والدين معاً.
هذا الخطاب الإقصائي هو نفسه الذي غذّى التطرف والعنف خلال سنوات الإرهاب في الجزائر، حين تم تكفير المجتمع ومؤسسات الدولة، واستهداف الأئمة المالكيين والصوفيين والإباضيين باعتبارهم “منحرفين عن العقيدة الصحيحة”. ولا يجب أن ننسى أن كثيراً من أئمة المالكية والزوايا دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم الرافضة للتكفير والعنف، فمنهم من اغتيل، ومنهم من مُنع من الخطابة، ومنهم من تعرض للتهديد والطرد من المساجد خلال سنوات الدم.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تأسيس مجلس وطني رسمي للدفاع عن المرجعية الدينية الوطنية، يضم ممثلين عن مختلف المكونات الدينية الجزائرية التاريخية، ويتولى مهمة حماية الهوية الدينية للبلاد من الاختراقات الفكرية والتيارات المتشددة. كما يمكن لهذا المجلس أن يقترح قوانين وآليات واضحة لمواجهة خطابات التكفير والكراهية والتحريض التي تستهدف المرجعية الدينية الوطنية ووحدة المجتمع.
إن الجزائر بحاجة اليوم إلى مؤسسة دينية قوية وذات مصداقية، تكون قادرة على مواجهة حملات تزييف التاريخ الديني الجزائري، والرد على الخطابات التي تصور التدين الجزائري وكأنه “انحراف” يحتاج إلى إعادة تصحيح على الطريقة الوهابية أو السلفية. فالجزائريون ليسوا في حاجة إلى إعادة أسلمة بعد ثلاثة عشر قرناً من الإسلام، بل في حاجة إلى حماية تدينهم الوطني من الاختراقات الفكرية المستوردة.
كما أن هذا المجلس يمكن أن يلعب دوراً محورياً في حماية الشباب من الوقوع في فخ الخطابات المتشددة المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تقدم نفسها على أنها “الإسلام الصحيح”، بينما تقوم عملياً على نشر ثقافة التكفير والكراهية وشيطنة المرأة والفنون والتنوع الثقافي والديني.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع التطور الكبير للفضاء الرقمي، حيث أصبحت المنصات الإلكترونية وسيلة أساسية لنشر الأفكار المتطرفة واستهداف الشباب. وقد ظهرت خلال السنوات الماضية تقارير وتحقيقات إعلامية تحدثت عن استغلال بعض المنصات والمواقع الدينية لأغراض استخباراتية أو لتوجيه الأفراد نحو مسارات التطرف والتجنيد الفكري، وهو ما يفرض على الجزائر حماية فضائها الديني والإعلامي من أي اختراقات أيديولوجية أو مذهبية.
كما أن بعض التيارات المتشددة لم تعد تكتفي بالدعوة الدينية، بل أصبحت تعمل على إعادة تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية للجزائريين، من خلال مهاجمة الفنون والموسيقى والمرأة والتقاليد المحلية والتنوع المذهبي، وكأن المطلوب هو اقتلاع المجتمع من جذوره التاريخية وإعادة تركيبه وفق نموذج مستورد لا علاقة له بالبيئة الجزائرية.
الجزائر بحاجة إلى أئمتها وعلمائها ومثقفيها للدفاع عن تاريخها الديني وعن الإسلام الجزائري الذي انصهر داخل المجتمع منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. فالتدين الجزائري لم يكن يوماً قائماً على التكفير أو الإقصاء، بل على الاعتدال والتعايش واحترام التنوع المذهبي والديني داخل المجتمع.
كما أن حماية المرجعية الدينية الوطنية اليوم لم تعد مجرد قضية فقهية أو مذهبية، بل أصبحت جزءاً من حماية الأمن الفكري والوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي للدولة الجزائرية. فالحروب الحديثة لم تعد فقط عسكرية أو اقتصادية، بل أصبحت أيضاً حروباً تستهدف الهوية والثقافة والوعي الجماعي للشعوب.
ولهذا، فإن تأسيس مجلس وطني للدفاع عن المرجعية الدينية الوطنية لم يعد ترفاً فكرياً أو مطلباً نخبوياً، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع من الاختراقات المتشددة، وحماية الأجيال الجديدة من الوقوع في نفس المسارات التي قادت الجزائر سابقاً إلى سنوات الإرهاب والدمار.
لقد حان الوقت لتأسيس هيئة دينية وطنية قوية وغير مترددة في الدفاع عن المرجعية الدينية الجزائرية، وعن الهوية الروحية والثقافية التي حافظ عليها الجزائريون عبر قرون طويلة، لأن التراخي في هذا الملف قد يفتح الباب مستقبلاً أمام إعادة إنتاج نفس الخطابات التي دفعت الجزائر ثمناً باهظاً لمواجهتها خلال العشرية السوداء.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل كان الخلفاء يعصون الله؟!.. سؤال يربك الخطاب السلفي
يقدّم السلفي نفسه باعتباره من أتباع “السلف الصالح”، أي المسلمين الذين عاشوا خلال القرون ال…






