‫الرئيسية‬ الأولى التطرف يرفع رأسه من جديد… فهل تتدخل السلطة قبل الكارثة؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫6 دقائق مضت‬

التطرف يرفع رأسه من جديد… فهل تتدخل السلطة قبل الكارثة؟

التطرف يرفع رأسه من جديد… فهل تتدخل السلطة قبل الكارثة؟
بدأت مؤشرات تحريك التيار الديني المتطرف، الذي تسبب في سنوات الإرهاب بقتل الآلاف من الجزائريين وتهجير الملايين، تظهر إلى العلن لأي مراقب حذر للساحة الوطنية منذ حوالي سنتين. وقد بلغت هذه المؤشرات ذروتها خلال هذا الصيف، مع بروز مجموعة من الأئمة والخطباء المتشددين، وبعضهم يفتقر إلى أدوات العلم الرصين، على وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن حملات تكفير وتجريم لفظي مست حتى شخصيات دولية، في مشهد يعكس خطورة الانزلاق الذي تعرفه الساحة الدينية والإعلامية.

والغريب أن وزارة الشؤون الدينية لم تعالج الموضوع من جذوره، ولم تقدم رداً مؤسسياً واضحاً يوقف هذا الخطاب عند حدوده، فاستمر بعض دعاة التكفير في صراخهم المعهود، بينما بدأ صوت العقل يتراجع شيئاً فشيئاً أمام ردود الأفعال المتشنجة والخطابات الدينية الحادة، التي لا تشكل خطراً على الأفراد فقط، بل على تماسك المجتمع وأمنه واستقراره.

وكما جرت العادة في المجتمعات التي يزحف عليها التطرف، تبقى المرأة الحلقة الأضعف والأسرع استهدافاً. فقد بدأت تدريجياً حملات شيطنتها، متبوعة بشتائم وتجريم لكل امرأة لا ترتدي ما يعتبره هذا التيار “اللباس الشرعي”، وفق فهم ضيق وغريب عن المرجعية الدينية الوطنية. وقد وصل الأمر ببعض المتشددين إلى تحويل لباس المرأة إلى معيار للإيمان والفضيلة والانتماء، وكأن المجتمع الجزائري لم يعرف الإسلام منذ أربعة عشر قرناً إلا بعد ظهور هذه الموجات الجديدة من التشدد.

إن بعض المجموعات المحسوبة على التيار الفركوسي، أو المتأثرة بخطابه، باتت تتحرك في الفضاء العام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تمارس ضغطاً اجتماعياً على حرائر الجزائر، وتضيق عليهن الحياة اليومية التي كانت، رغم كل النقائص، شبه عادية قبل تمدد هذا الخطاب الديني المستورد. لقد جرى تقديم قراءة دينية جديدة على الجزائريين، وكأن البلاد لم تعرف الإسلام ولا الفقه ولا الزوايا ولا العلماء ولا المرجعية المالكية الأشعرية الصوفية، قبل أن يظهر من يريد إعادة تشكيل المجتمع على مقاس خطاب لا يشبه الجزائر.

والأخطر أن هذا الخطاب، في جوهره، يتنافى مع المرجعية الدينية الوطنية، بل يطعن فيها عملياً، لأنه ينظر بريبة إلى التصوف، وإلى الزوايا، وإلى الذاكرة الدينية الجزائرية التي صنعت جزءاً مهماً من المقاومة الوطنية ضد الاستعمار. ورغم ذلك، فإن الخوف، أو الحسابات، أو التواطؤ، أو ضعف القرار لدى بعض المسؤولين، تركت مجالاً واسعاً لهذا التيار ليعيث في الجزائر خطابياً واجتماعياً، في وقت منعت دول أخرى تمدده أو ضيقت عليه أو راقبت خطابه بصرامة أكبر.

في سلطنة عمان، على سبيل المثال، يُمنع على أي مواطن أن يوجه مجرد سؤال لمواطن عماني آخر عن مذهبه، حتى وإن بدا السؤال بريئاً، لأن الدولة هناك تدرك أن فتح باب التصنيف المذهبي هو بداية الفتنة. أما في الجزائر، فكأننا أحياناً أمام بلد بلا دولة ولا مؤسسات في هذا المجال، رغم أن الدولة تصرف المليارات على قطاع ديني واسع، وعلى أئمة يفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن المرجعية الوطنية، لا مجرد أصوات صامتة أمام غزو مذاهب دخيلة تطعن، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مكونات أساسية من تاريخ الجزائر الديني والاجتماعي.

لقد وصلنا تدريجياً إلى حالة صدام كان يمكن توقعها منذ سنوات. وهي حالة، في تقديري، تستفيد منها دوائر خارجية، “إسرائيلية” وغربية استعمارية، لأنها درست جيداً هشاشة بعض المجتمعات أمام الخطاب الديني عندما يقدم نفسه بلباس القداسة. فالجزائري، بحكم تكوينه الاجتماعي والتاريخي، يبدي في كثير من الأحيان حساسية كبيرة أمام الدين وأمام من يظهر بمظهر العالم الديني، حتى وإن حمل خطاباً مليئاً بالسموم الاجتماعية والسياسية ملفوفة في عباءة بيضاء.

كما أن بعض البقايا الاجتماعية والثقافية الريفية داخل المجتمع، ومنها ما تسلل إلى مواقع عليا في السلطة، لا تخفي انزعاجها العميق من حياة المدينة وما تمثله من تحرر نسبي للمرأة، ومن حضورها في التعليم والعمل والفضاء العام. وقد ساهم هذا المزاج المحافظ المتشنج في انتشار خطاب متطرف وعنصري تجاه المرأة، يستند إلى روايات انتقائية وقراءات تاريخية مجتزأة، ويتجاهل كل موقف أو فتوى أو تجربة تاريخية تعاكس هذه المقاربة المغلقة.

وقد ذهبت بعض التيارات بعيداً لأنها وجدت المجال واسعاً لتمددها، إلى حد بدء الطعن في معتقدات ومكونات المرجعية الدينية الوطنية أمام صمت رهيب من الجهات المكلفة بمواجهة هذا الاتجاه التخريبي. وقد أضيفت إلى هذا المشهد تيارات وهابية تبحث عن موطئ قدم جديد في الجزائر بعد تراجعها والتضييق عليها في السعودية، بلد المنشأ، خاصة بعد حل مؤسسة الشرطة الدينية المعروفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي المؤسسة التي يحلم بعض المتشددين بإعادة إنتاجها اجتماعياً في الجزائر بوسائل مختلفة.

أما حركة الإخوان المسلمين، التي تبقى في تقديري أحد أخطر السموم السياسية والدينية على الجزائر، فقد حضرت الجو سابقاً عبر خطابها ومناوراتها وقدرتها على التسلل إلى النقاش القانوني والسياسي، ومنها المادة 144 مكرر، المستوحاة من مناخات تشريعية مصرية ارتبطت تاريخياً بعلاقة السلطة هناك مع تيارات الإسلام السياسي بعد مرحلة السادات. وقد جرى استعمال مثل هذه الأدوات، في أكثر من سياق، لتوسيع دائرة التجريم الرمزي والفكري تحت غطاء حماية المقدسات.

السلطة تتحمل المسؤولية الكاملة في تردي الوضع الديني في الجزائر، لأنها لم تستفد بما فيه الكفاية من جرائم الحركة الدينية المتطرفة خلال سنوات الإرهاب، عندما كادت الجزائر أن تدخل غياهب التاريخ. لقد حمى الله الجزائر بعد أن فقدت الآلاف من أبنائها، وجرى تهجير الملايين من إطاراتها وكفاءاتها. وإذا أتيحت الفرصة لهذه التيارات مرة أخرى، فإن حجم الهجرة والخوف والتمزق قد يكون أكبر بكثير، لأن المجتمع اليوم أكثر هشاشة، ووسائل التعبئة أسرع، ومنصات التحريض أكثر انتشاراً.

ولا أتصور أن أباً جزائرياً سيتحمل طويلاً خطاباً يشتم ابنته أو يجرم لباسها أو يضيق عليها حياتها اليومية، ثم يبقى مكتوف الأيدي من دون أن يبحث عن مأوى آمن لها قبل الانفجار المخطط له أو المتوقع. قد لا يعجب كلامي البعض، كما لم يعجب الراحل قاصدي مرباح، عندما طرحت عليه في مكتبه ثم في ستوديو التلفزيون قضية الاعتداءات في الحي الجامعي للبنات وسألته عما هو فاعل. يومها سكت، ليظهر فيما بعد، حسب قراءات وشهادات عديدة لتلك المرحلة، أنه كان قريباً من حسابات سياسية خطيرة في زمن صعود الفيس والصراع مع الرئيس الشاذلي بن جديد، رحمهما الله جميعاً.

دور الصحفي ليس وصف الأحداث فقط بعد وقوعها، بل قراءة المؤشرات التي تسبق تلك الأحداث. وهذا ما أحاول فعله منذ ثلاث سنوات، معتمداً على التجربة التي عشتها في فترة الإرهاب، وعلى الحيثيات التي سبقت انفجاره. الإرهاب في الجزائر، لمن لا يعرف أو لمن يريد النسيان، لم ينضم إليه فقط شباب مغرر بهم، بل وجدت في محيطه أسماء ومسؤولون سابقون، ومنهم من تحوّل لاحقاً إلى رموز في مسارات العنف، كما تذكر بعض الشهادات المرتبطة بتلك المرحلة، ومن بينها اسم والي بجاية السابق داكسي، الذي يظل اسمه مرتبطاً في الذاكرة السياسية والأمنية بذلك الزمن المعقد.

خطورة التيارات الدينية المتطرفة، كما نراها اليوم، لا تكمن في خطابها وحده، بل في التواطؤ بالصمت معها. هناك مسؤولون يديرون ظهورهم لأنهم منشغلون فقط بتحقيق مصالحهم الشخصية والثراء على حساب المال العام، وهؤلاء يشكلون، للأسف، جيشاً حقيقياً داخل الإدارة والمجتمع. وهناك آخرون متواطئون عن قناعة، أو عن ضعف، أو عن حسابات إيديولوجية، وكأنهم مستعدون لتقديم الجزائر هدية للتيار الديني المتطرف، الذي تعرف دوائر أجنبية كيف تستثمر في خطابه، وكيف تربطه بمشاريع أوسع لضرب الدولة الوطنية من الداخل.

تحرك التيار الإسلامي المتطرف ليس صدفة. وحتى إعادة طرح المسائل اللغوية في الجزائر يخدمه بشكل غير مباشر، لأنه يتلاعب ببعض مبادئ الاستقلال الوطني ويجرها لخدمة أهدافه الدعائية. تبدو الخطة واضحة لمن يريد أن يرى، إعادة إنتاج استقطاب ثقافي وديني ولغوي، ثم تحويله إلى صدام اجتماعي، ثم فتح الباب أمام انفجار جديد يضعف الدولة ويضرب المجتمع ويعيد الجزائر إلى مربع الفوضى.

وفي ذكرى العيد الوطني الخامس للجيش الوطني الشعبي، أحيي، مثل باقي الشعب الجزائري، هذه المؤسسة التي حملت تاريخياً عبء الدفاع عن استقلال الجزائر وسيادتها ووحدتها. غير أن الجيش، إلى جانب مهمته الدستورية في حماية البلاد من التهديدات الخارجية، قد يجد نفسه مرة أخرى في مواجهة تيارات تريد التحكم في البلد باسم مذاهب دينية مناهضة لكل ما عرفته الجزائر منذ أربعة عشر قرناً، بل تكفر ضمنياً أو صراحة جزءاً كبيراً من ذاكرة الجزائريين الدينية والاجتماعية.

سيجد الجيش نفسه، إذا لم تتحرك السلطة السياسية قبل فوات الأوان، أمام مهمة جديدة قديمة، معالجة كوارث فشل السياسيين، كما حدث أكثر من مرة منذ استقلال الجزائر. لكن هذه المرة، يأتي الخطر في ظرف تاريخي شديد الحساسية، داخلياً وإقليمياً ودولياً. ولذلك فإن المسؤولية الأولى يجب أن تكون على عاتق السلطة السياسية، الحكومة، وزارة الشؤون الدينية، المدرسة، الإعلام، القضاء، والأحزاب، قبل أن تُدفع البلاد مرة أخرى إلى لحظة لا يبقى فيها سوى الجيش لإطفاء حريق كان يمكن منعه في بدايته.

المطلوب اليوم ليس قمع الدين، ولا محاربة التدين، ولا المساس بعقيدة الجزائريين. المطلوب هو حماية المرجعية الدينية الوطنية من الاختطاف، وحماية المرأة الجزائرية من حملات الشيطنة، وحماية المجتمع من التكفير، وحماية الدولة من التيارات التي تريد استعمال الدين كوسيلة للسيطرة السياسية والاجتماعية. المطلوب أن يعود المسجد إلى دوره في التوجيه والتربية والطمأنينة، لا أن يتحول إلى منصة تخويف وفرز وتكفير.

إن الجزائر التي دفعت ثمناً دموياً خلال سنوات الإرهاب لا تملك ترف التجريب مرة أخرى. ولا يحق لأي مسؤول أن يقول غداً إنه لم يكن يعلم. المؤشرات موجودة. الخطاب موجود. التحريض موجود. استهداف المرأة موجود. الطعن في المرجعية الوطنية موجود. التمدد داخل الفضاء الرقمي موجود. وإذا لم تتحرك السلطة السياسية الآن، فإنها ستكون مسؤولة سياسياً وأخلاقياً عن كل ما قد يحدث لاحقاً.

في عيد الجيش الوطني الشعبي، لا تكفي التهاني ولا الشعارات. أفضل هدية لهذه المؤسسة وللجزائر هي أن تقوم السلطة السياسية بدورها كاملاً، وأن لا تترك الجيش مرة أخرى وحيداً في مواجهة نتائج التردد، والتواطؤ، وسوء التقدير. فالبلد يعيش ظرفاً خطيراً، وخطيراً جداً، وكل تأخر في مواجهة التطرف هو دفع جديد نحو هاوية لا يريد الجزائريون العودة إليها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إعلام العار يصفّق لفضيحة بيتكوفيتش المدفوعة من أموال الجزائر

مباشرة بعد تسريب معلومة التوصل إلى اتفاق مع بيتكوفيتش، انطلقت آلة التبرير الإعلامي من كل ا…