‫الرئيسية‬ الأولى الخلاف الأمريكي الإسرائيلي ينفجر… تحالف يتصدع أم لعبة مصالح؟
الأولى - الحدث - الدولي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

الخلاف الأمريكي الإسرائيلي ينفجر… تحالف يتصدع أم لعبة مصالح؟

الخلاف الأمريكي الإسرائيلي ينفجر… تحالف يتصدع أم لعبة مصالح؟
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، خرجت الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى العلن بهذه الحدة، عقب توقيع مذكرة تفاهم مبدئية بين واشنطن وطهران، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحرب والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والوضع الإقليمي. ولم تعد التباينات محصورة داخل الغرف المغلقة أو في التسريبات الدبلوماسية المعتادة، بعدما صدرت تصريحات أمريكية مباشرة تنتقد مواقف مسؤولين إسرائيليين وتحذرهم من عرقلة المسار التفاوضي الذي تراهن عليه إدارة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء المواجهة مع إيران.

وتكشف التطورات الأخيرة عن اختلاف واضح بين أولويات الطرفين؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى الخروج من حرب مكلفة، وإعادة فتح المضائق والممرات التجارية، وفرض ترتيبات تضمن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، تصر الحكومة الإسرائيلية على توسيع شروط الاتفاق لتشمل القدرات الصاروخية الإيرانية ونفوذ طهران الإقليمي، مع الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري في لبنان وفي بقية الجبهات. ويعني ذلك أن واشنطن وتل أبيب لا تختلفان بالضرورة حول الهدف الاستراتيجي العام، بل حول توقيت إنهاء الحرب وحدود التسوية والثمن الذي يمكن قبوله مقابل وقف المواجهة.

وكانت الحرب على إيران قد أثارت نقاشاً واسعاً داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في أوساط الرافضين لدخول البلاد في مواجهة عسكرية جديدة بالشرق الأوسط. ويرى جزء من الرأي العام الأمريكي أن إيران، رغم ما تمثله من تحدٍّ إقليمي، لا تشكل تهديداً مباشراً يبرر تحمّل دافعي الضرائب الأمريكيين تكاليف حرب طويلة، بينما اتهم منتقدون الإدارة بالانجرار خلف الحسابات الإسرائيلية وخدمة أهداف حكومة بنيامين نتنياهو العسكرية والسياسية. غير أن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية قرار الحرب يبقى قراءة سياسية تحتاج إلى الحذر، لأن القرار اتخذته الإدارة الأمريكية في النهاية وفق تقديراتها ومصالحها وحساباتها الداخلية والدولية.

وبلغ التوتر ذروته مع التصريحات غير المسبوقة لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي انتقد علناً ردود فعل أعضاء في الحكومة الإسرائيلية على الاتفاق مع إيران، وذكّر بأن جزءاً كبيراً من الأسلحة الدفاعية التي استخدمتها إسرائيل صُنع بأيدٍ أمريكية ومُوّل بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين. كما حذر المسؤولين الإسرائيليين من مهاجمة الرئيس ترامب، معتبراً أنه الحليف الدولي الأقوى المتبقي لإسرائيل، وطالبهم باحترام المسار السياسي الذي تقوده واشنطن.

ولا تعني تصريحات فانس أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن إسرائيل أو وضع حد لتحالفهما الاستراتيجي، لكنها تعكس تحولاً مهماً في طريقة التعبير عن الخلافات. فواشنطن، التي اعتادت توفير الحماية العسكرية والسياسية والدبلوماسية لإسرائيل، بدأت تتحدث بلغة أكثر صرامة عندما شعرت بأن العمليات الإسرائيلية قد تعرقل اتفاقاً تعتبره الإدارة الأمريكية ضرورياً لحماية مصالحها وإنهاء الحرب. وهنا يظهر للمرة الأولى تقريباً خطاب أمريكي رسمي يقول بوضوح إن مصالح الطرفين ليست متطابقة دائماً، وإن الدعم الأمريكي لا يمنح الحكومة الإسرائيلية حقاً مطلقاً في فرض خياراتها على واشنطن.

وانتقل الصراع السياسي بين الحليفين إلى الساحة اللبنانية، بعدما أصبحت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان إحدى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الأمريكية الإيرانية. فقد ربطت طهران نجاح التسوية بوقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية، بينما أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بمواقع أو منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، بحجة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية. وكادت الضربات الإسرائيلية، التي تزامنت مع التحضير للاتفاق، أن تقوض جهود الوساطة التي قادتها قطر وباكستان وتدفع الجانب الإيراني إلى الانسحاب من المحادثات.

وأبدى الرئيس ترامب نفسه انزعاجاً من بعض العمليات الإسرائيلية في لبنان، معتبراً أن تدمير مبانٍ كاملة من أجل استهداف عنصر واحد يمثل نهجاً عسكرياً غير متناسب وقد يؤدي إلى إفشال المسار الدبلوماسي. وقد مارست واشنطن ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لخفض التصعيد ومنح المفاوضات فرصة، ما ساعد على تحقيق تقدم أولي في المحادثات المتعلقة بلبنان، وإن ظل الاتفاق النهائي بعيداً في ظل استمرار الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي وضمانات الأمن ومستقبل سلاح حزب الله.

لكن المبالغة في تصوير الخلاف الحالي باعتباره قطيعة تاريخية أو بداية نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي قد تكون قراءة متسرعة. فالعلاقة بين البلدين تقوم على تعاون عسكري واستخباراتي واقتصادي عميق، إضافة إلى التزام أمريكي طويل الأمد بأمن إسرائيل. ولذلك يمكن أن تكون المواجهة الحالية خلافاً حقيقياً حول إدارة الحرب وشروط التسوية، من دون أن تتحول بالضرورة إلى انقلاب شامل على طبيعة التحالف بين الطرفين.

وفي المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية ما جرى، لأن صدور انتقادات علنية بهذه اللهجة عن نائب الرئيس الأمريكي يكشف أن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن جميع مطالبها ستُقبل تلقائياً داخل البيت الأبيض. كما يعكس ذلك صعود تيار داخل الحزب الجمهوري يرفض الحروب الخارجية المفتوحة، ويطالب بوضع المصالح الأمريكية المباشرة وأموال دافعي الضرائب في مقدمة الأولويات، حتى عندما يتعلق الأمر بأقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.

ويجد جي دي فانس نفسه، نتيجة هذه المواقف، في مواجهة سياسية مع أطراف نافذة داخل إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما الدوائر المؤيدة للحكومة الإسرائيلية. وقد تؤثر هذه المواجهة في مستقبله السياسي وطموحه المحتمل للوصول إلى الرئاسة، لكنها قد تمنحه في الوقت نفسه دعماً إضافياً داخل التيار الجمهوري الرافض للتدخلات العسكرية المكلفة. ومن السابق لأوانه الحديث عن قدرة فانس على تحرير القرار الأمريكي نهائياً من نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، لأن السياسة الأمريكية أكثر تعقيداً من اختزالها في تأثير لوبي واحد، وتتحكم فيها مؤسسات ومصالح عسكرية واقتصادية وانتخابية متعددة.

وتطرح التطورات أيضاً سؤالاً حول مدى ارتباط اللهجة الأمريكية الجديدة بالحسابات الداخلية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر 2026. فقد يسعى الجمهوريون إلى طمأنة الناخبين المتعبين من الحروب وارتفاع الإنفاق العسكري، وإظهار إدارة ترامب باعتبارها قادرة على فرض السلام والدفاع عن المصالح الأمريكية قبل مصالح الحلفاء. ومن هذا المنظور، قد تكون بعض التصريحات جزءاً من حملة سياسية تهدف إلى الحد من الخسائر الانتخابية والمحافظة على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس.

لهذا السبب، ينقسم المراقبون بين من يرى في الخلاف الحالي تحولاً استراتيجياً حقيقياً يضع العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أمام مرحلة جديدة، ومن يعتبره مجرد توزيع للأدوار وضغط مؤقت على حكومة نتنياهو للقبول بتسوية تحتاجها واشنطن. وقد تكون الحقيقة بين القراءتين: خلاف فعلي حول المصالح والتوقيت والأولويات، داخل تحالف لا تزال أسسه العسكرية والسياسية قائمة وقوية.

ويبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما ستفعله الإدارة الأمريكية، لا بما تقوله فقط. فإذا تمكنت واشنطن من إلزام إسرائيل بوقف العمليات في لبنان واحترام الاتفاق مع إيران، فسيكون ذلك مؤشراً على تغير حقيقي في ميزان العلاقة بين الطرفين. أما إذا عادت الإدارة إلى تغطية العمليات الإسرائيلية وتقديم الدعم العسكري والدبلوماسي من دون شروط، فستبدو التصريحات الأخيرة مجرد موجة عابرة فرضتها ضرورات التفاوض والحسابات الانتخابية. وبين الخلاف الحقيقي والمناورة السياسية، تبقى القضية مفتوحة على جميع الاحتمالات وتستحق المتابعة الدقيقة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

من يحمي بيتكوفيتش من المحاسبة؟

أعقبت خسارة المنتخب الجزائري أمام نظيره الأرجنتيني بثلاثة أهداف دون مقابل، سجلها جميعًا لي…