فيسبوك .. منبر للتكفير في الجزائر
يعود التطرف الديني من جديد إلى الواجهة في الجزائر، لكن هذه المرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال فيديوهات يندى لها الجبين، وشتائم، وتحريض، وتهديدات تمس أمن المواطنين وسلامتهم، وخطاب تكفيري تافه لا علاقة له بروح الدين الإسلامي الذي عرفه الجزائريون عبر تاريخهم.
يبدو أن الاستثمار في طريقة فهم بعض الجزائريين للدين أصبح اليوم واقعاً يراه العام والخاص. والمصيبة أن السلطات، بصمتها وترددها، ساهمت في فتح المجال أمام هذا التيار الخطير، وتركته ينمو ويتطور إلى درجة بدأ يتحول تدريجياً إلى تهديد حقيقي لأمن الجزائر وسلامة مواطنيها.
يمكن أن نؤرخ لصعود هذه التيارات إلى الواجهة بقوة بعد زيارة البابا للجزائر، وهي الزيارة التي استثمر فيها التكفيريون بشكل واسع، من خلال الترويج لخطورة المسيحية، وتكفير البابا، ثم توسيع دائرة الهجوم لتشمل حتى بعض من حضروا في المسجد الأعظم. وبدل أن تُقرأ الزيارة في إطارها الدبلوماسي والديني، جرى تحويلها إلى مادة للتحريض، والتخويف، وفتح باب جديد للطعن في التصوف والزوايا والمرجعية الدينية الوطنية.
لقد بدأت يومها حملة شرسة ضد الصوفية، ووصل الأمر ببعض الأصوات المتشددة إلى القول إنهم كفار، وإن الصلاة في مساجدهم لا تجوز. وهذا الكلام ليس مجرد رأي ديني عابر، بل طعن مباشر في جزء أساسي من تاريخ الجزائر الديني والاجتماعي والمقاوم، لأن الزوايا والطرق الصوفية كانت، في مراحل كثيرة، حصناً للغة والدين والهوية ومقاومة الاستعمار.
الفيديو الخطير المتداول مؤخراً يعتمد على تهديد صحفي وسيدة صرحت بأنها ضد التعدد، وأنها لا تقبل أن تتزوج برجل له زوجات أخريات. وهذا حق طبيعي لأي امرأة، لأن الزواج في الدين الإسلامي لا يصح إلا بالقبول والرضا، سواء كان ذلك بكلمة صريحة أو بما يثبت موافقتها على الزواج من الشخص الذي تقدم إليها.
أما الملتحي المتطرف في الجزائر، فهو يفهم الدين على مقاس تفكيره الضيق، لا على مقاصد الإسلام ولا على قواعده. فقد ذهب صاحب الفيديو إلى تهديد القناة، وتهديد الصحفي الذي طرح السؤال، وراح يصرخ بطريقة هستيرية، معتبراً أن موقف السيدة والصحفي مناهض للقرآن الكريم، فقط لأن القرآن أباح تعدد الزوجات.
وهذا منطق بدائي في فهم الأمور الدينية. فالسيدة لم تطعن في مبدأ التعدد، ولم تناقش حكماً دينياً عاماً، بل عبّرت عن موقفها الشخصي ورفضها أن تكون زوجة لرجل متعدد الزيجات. وهذا حق دستوري، وحق إنساني، وحق ديني أيضاً، لأن الإسلام نفسه لا يجعل الزواج صحيحاً دون رضا المرأة وقبولها.
في حقيقة الأمر، الشخص الملتحي الذي ظهر في الفيديو لا يدافع عن الدين، بل يهدد أمن المواطنين بحجة الدفاع عن الله، وكأن الله بحاجة إلى دفاع من مخلوق يزرع الفتنة داخل المجتمع الجزائري ويؤجج الصراع الديني والاجتماعي. إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه يقدم العنف اللفظي والتهديد والتكفير كأنها غيرة على الدين، بينما هي في الحقيقة اعتداء على الدين والمجتمع والقانون.
الحقيقة المرة أن هذا التيار بدأ يتحرك ضد المجتمع والدولة الجزائرية منذ فترة، مستفيداً من الفراغ، ومن ضعف الرد المؤسساتي، ومن صمت بعض المسؤولين، ومن خوف كثيرين من مناقشة الخطاب الديني. كما أن مصالح دوائر خارجية معادية للجزائر قد تلتقي مع هذا النوع من الخطاب، لأنها تعرف جيداً أن التطرف الديني كان من أخطر الوسائل التي كادت تدمر الجزائر خلال سنوات الإرهاب.
لقد درست هذه الدوائر، كما درس غيرها، تجربة الإرهاب في الجزائر، وتعرف أن إشعال الجبهة الدينية والاجتماعية يمكن أن يضرب استقرار البلاد من الداخل. لذلك يبقى التطرف الديني أحد أخطر الوسائل لتدمير الجزائر، إن لم يكن أخطرها، لأن البلد إذا دخل مرة أخرى في موجة عنف ديني فلن يكون الخروج منها سهلاً، خاصة أن الوضع الإقليمي والدولي تغير جذرياً، وأصبح قادراً على تغذية أي شرارة تشتعل في الداخل.
يبدو لي أن السلطات تستصغر هذا الخطر الداهم، ولا تواجهه بالجدية اللازمة قبل أن يتحول إلى عنف. فالتطرف لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل يبدأ بالكلمة. يبدأ بفيديو على فيسبوك، وصرخة تكفير، وتهديد لصحفي، وإهانة لامرأة، وطعن في الصوفية، وتشكيك في المالكية، ورفض لقوانين الجمهورية، ثم يتحول تدريجياً إلى ضغط اجتماعي، وبعدها إلى عنف رمزي، وقد ينتهي بما هو أخطر إذا تُرك دون مواجهة.
هذه التيارات تتناقض مع الإسلام الذي عرفته الجزائر وطبقته منذ قرابة أربعة عشر قرناً. هي تيارات تكفيرية ومتطرفة ضد الإسلام الجزائري، ضد المرجعية الدينية الوطنية، وضد تاريخ البلد. فهي لا تريد إصلاح المجتمع، بل تريد إعادة تشكيله على مقاس قراءة مستوردة ومغلقة، لا ترى في المرأة إلا فتنة، ولا في الاختلاف إلا كفراً، ولا في القانون إلا عائقاً أمام مشروعها.
الجزائر لا تحتاج إلى دين جديد يأتيها من فيسبوك، ولا إلى خطباء رقميين يوزعون صكوك الإيمان والكفر على الناس. الجزائر عرفت الإسلام قبل هؤلاء، وحافظت عليه عبر العلماء والزوايا والمساجد والأسر والقرى والمدن، وصمدت به أمام الاستعمار، ولم تنتظر من يصرخ اليوم في هاتفه ليعلمها معنى الدين.
المطلوب اليوم واضح: يجب على الدولة أن تتحرك قبل فوات الأوان. على وزارة الشؤون الدينية أن تخرج من صمتها، وعلى العدالة أن تحمي المواطنين من التهديد والتحريض، وعلى الإعلام الوطني أن يفضح هذا الخطاب بدل الخوف منه، وعلى المدرسة أن تحصن الأجيال ضد التكفير والكراهية.
لا يمكن ترك فيسبوك يتحول إلى منبر جديد للتطرف، ولا يمكن السماح لخطاب التكفير أن يعود من الباب الرقمي بعدما دفع الجزائريون ثمناً باهظاً في الماضي. فالذين يهددون الصحفيين، ويهينون النساء، ويكفرون الصوفية، ويطعنون في المرجعية الوطنية، لا يدافعون عن الإسلام، بل يفتحون باباً خطيراً على أمن الجزائر ووحدة مجتمعها.
إن الإرهاب لا يعود دائماً من الجبل. أحياناً يعود من الشاشة، من فيديو قصير، من منشور مكفر، من لايف هستيري، ومن صمت رسمي يترك النار تكبر حتى تصبح حريقاً. والجزائر التي عرفت الجحيم في التسعينيات لا يحق لها أن تتسامح مع الشرارات الأولى.
احذروا صراخ التكفيريين على وسائل التواصل. فهو ليس ضجيجاً عابراً، بل مؤشر خطر. وإذا لم يُواجه اليوم بالفكر والقانون والمؤسسات، فقد يصبح غداً تهديداً حقيقياً لأمن الجزائر وسلامة مواطنيها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل أُغلق باب المنتخب في وجه المدرب الجزائري؟
المعلومات المتداولة بخصوص دراسة السير الذاتية من طرف اللجنة التقنية التابعة للفاف، تحت إشر…






