‫الرئيسية‬ الأولى عصابات السيوف والمخدرات… حرب مفتوحة على أمن الجزائريين
الأولى - أحوال الناس - الحدث - الوطني - مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

عصابات السيوف والمخدرات… حرب مفتوحة على أمن الجزائريين

عصابات السيوف والمخدرات… حرب مفتوحة على أمن الجزائريين
صارت الصور والفيديوهات القادمة من بعض الأحياء الجزائرية تثير قلقاً حقيقياً، لا لأنها مجرد مشاهد عنف عابرة، بل لأنها تكشف عن تحوّل خطير في طبيعة الجريمة داخل المجتمع. مجموعات من الشباب تحمل السيوف والخناجر والقضبان الحديدية، تتحرك أحياناً في الشوارع وكأنها تملك حق ترهيب المارة وسكان الأحياء، وتفرض منطق القوة والخوف على مواطنين لا يريدون أكثر من العيش بأمان والتنقل بحرية. وقد سُجلت، خلال عدد من هذه الاعتداءات، إصابات في صفوف مواطنين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام مجموعات إجرامية صغيرة الحجم حالياً، لكنها تحمل في داخلها بذور مافيا محلية قابلة للتمدد إذا لم تواجهها الدولة بصرامة وبخطة طويلة النفس.

هذه المشاهد تسيء إلى الجزائر إساءة كبيرة، داخلياً وخارجياً. فهي تقدم صورة بلد غير آمن، وتضرب ثقة المواطن في الفضاء العام، وتمنح خصوم الجزائر مادة جاهزة للطعن في أمنها واستقرارها. وخطورة هذه الظاهرة أنها لا تختلف، من حيث الأثر النفسي والاجتماعي، عن بدايات مراحل سوداء عاشتها البلاد سابقاً، حين كان الخوف ينتقل من حي إلى حي، ومن شارع إلى شارع، إلى أن يصبح الإحساس بانعدام الأمن جزءاً من الحياة اليومية. لذلك لا يمكن التعامل مع عصابات الأحياء باعتبارها مجرد “مشاكل شباب” أو “معارك أحياء”، بل يجب النظر إليها كخطر يمس هيبة الدولة وحق المواطن في الأمن.

لم يعد أمام السلطة خيار واسع للمناورة. المواجهة أصبحت ضرورة. وقد بدأنا نشاهد عمليات تدخل واقتحام من طرف الشرطة والدرك الوطني لأوكار هذه المجموعات، خاصة تلك المرتبطة بتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية، وهي عمليات لقيت ترحيباً واسعاً من المواطنين الذين يعانون يومياً من انتشار هذه الظاهرة. كثير من العائلات في الأحياء الشعبية لم تعد تخاف فقط من اللصوص، بل من مجموعات كاملة تتحرك بعقلية العصابة، وتزرع الرعب، وتستعمل المخدرات والعنف والسلاح الأبيض لفرض وجودها على السكان.

غير أن القبض على هؤلاء الشباب، مهما كان ضرورياً ومهماً، لا يكفي وحده لحسم المعركة. فحجم انتشار هذه المجموعات وكثافتها يطرحان سؤالاً أكبر يتعلق بشبكات المخدرات نفسها. فالذين يظهرون في الصور بعد توقيفهم هم في الغالب الحلقة الأخيرة في السلسلة، تجار أحياء، موزعون صغار، مستهلكون تحولوا إلى أدوات للعنف، أو شباب تم استعمالهم في خدمة شبكات أكبر. والتخلص من هذه الحلقة قد يحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنه لا يضرب رأس الحربة. فإذا لم تسقط الشبكات الكبرى، وإذا لم يُكشف من يمول ويحمي ويتواطأ ويسهل ويمد هذه الأحياء بالسموم، فإن عصابات جديدة ستولد من جديد، لأن السوق الحقيقي سيبقى قائماً.

كل الدول التي واجهت ظاهرة المخدرات والجريمة المنظمة أدركت في النهاية أن محاربة الشارع وحده لا تكفي. لا بد من الوصول إلى الرؤوس، إلى الشبكات، إلى طرق التموين، إلى الأموال، إلى الحماية، إلى العلاقات التي تسمح باستمرار التجارة. فالخطر في الجزائر اليوم لا يتعلق فقط بشاب يحمل سيفاً في حي شعبي، بل بمن أوصل إليه المخدر، ومن ضمن له الحماية، ومن تركه يتحول إلى أداة لترهيب سكان الحي، ومن يستفيد في النهاية من هذا الخراب الاجتماعي.

ما تتعرض له الجزائر اليوم يشبه، في جوانب منه، حرباً حقيقية بالمخدرات. والتاريخ يعرف جيداً كيف استُعملت المخدرات لتدمير شعوب وإضعاف دول. يكفي أن نعود إلى حرب الأفيون التي تعرضت لها الصين، حين استعملت قوى استعمارية تجارة المخدرات لإغراق مجتمع كامل، وضرب اقتصاده، وكسر مقاومته. الصين لم تنس تلك المرحلة إلى اليوم، لأنها فهمت أن المخدرات لم تكن مجرد تجارة، بل كانت سلاحاً استعمارياً لتفكيك المجتمع من الداخل. وما يحدث اليوم في الجزائر يجب أن يُقرأ بهذا الوعي نفسه، إغراق الشباب بالمخدرات ليس جريمة عادية، بل تهديد استراتيجي للأمن الوطني.

عندما تحدث رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، في أكثر من مناسبة عن خطر إغراق الجزائر بالمخدرات، بدأت تتشكل رؤية وطنية أوضح حول حجم الظاهرة. فحين يعتبر قائد أركان الجيش أن الجزائر تواجه حرباً حقيقية في هذا المجال، فهذا يعني أن المسألة تجاوزت حدود الأمن اليومي، وأصبحت مرتبطة بأمن الدولة والمجتمع والأجيال القادمة. فالمخدرات لا تقتل الفرد فقط، بل تقتل العائلة، وتدمر المدرسة، وتضعف الاقتصاد، وتخلق عصابات، وتفتح الباب أمام الابتزاز والجريمة والإرهاب.

تدمير شعب باستعمال المخدرات طريقة معروفة في التاريخ، ولا تختلف في نتائجها عن الإرهاب الذي دفعت الجزائر مقابله ثمناً رهيباً. الإرهاب يزرع الخوف بالسلاح، والمخدرات تزرع التفكك من الداخل. الإرهاب يقتل المواطن مباشرة، والمخدرات تقتله ببطء، ثم تحوله أحياناً إلى أداة عنف ضد مجتمعه. لذلك فإن الحرب على المخدرات ليست ملفاً أمنياً فقط، بل ملف تربوي، واجتماعي، وصحي، وقضائي، وسيادي.

اليوم، ما يحدث في الجزائر مرعب فعلاً وخطير جداً على مستقبل أجيال كاملة. فالشاب المدمن لا يخسر صحته فقط، بل يخسر إرادته، وقدرته على التعلم والعمل، وعلاقته بأسرته، وثقته بنفسه، وربما يتحول إلى عنصر قابل للاستعمال من طرف تجار المخدرات أو العصابات أو حتى الجماعات الإرهابية. وهنا يجب أن تنتبه مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، إلى خطورة التحاق شباب مدمنين أو متورطين في المخدرات بالخدمة الوطنية، لأن الأمر قد يتحول إلى ثغرة خطيرة إذا لم يتم التعامل معه بصرامة وذكاء وفحص ومتابعة. فالخدمة الوطنية شرف وواجب، لكنها أيضاً مؤسسة حساسة لا يمكن أن تتسرب إليها الهشاشة التي صنعتها المخدرات في الأحياء.

الرئيس عبد المجيد تبون، من جهته، أشار في خطاباته الأخيرة إلى خطورة الظاهرة، وذهب في اتجاه التشديد الكبير في التعامل مع شبكات المخدرات، إلى حد الحديث عن العقوبات القصوى في هذا الملف. وهذا في حد ذاته اعتراف سياسي واضح بأن الأمر لم يعد مجرد جنح معزولة، بل صار خطراً وطنياً يهدد المجتمع من الداخل. فالبلد الذي يرى أبناءه يغرقون في السموم لا يمكنه أن يتعامل مع تجار المخدرات بعقلية التساهل أو الإجراءات الروتينية.

والأخطر أن الإرهاب الذي يحاول العودة إلى الساحة يمكن أن يستفيد من هذه البيئة. فتجار المخدرات، والشباب المدمنون، والعصابات الصغيرة، يمكن أن يتحولوا بسهولة إلى أدوات في يد مشاريع أكبر تريد زرع الرعب وضرب أمن واستقرار البلد. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن المخدرات كانت جزءاً من نشاط الجماعات الإرهابية، سواء في التمويل، أو في السيطرة على الأتباع، أو في دفع بعض المنفذين إلى ارتكاب جرائم وهم تحت تأثير مواد تزيل الخوف وتضعف الوعي. لذلك فإن ترك المخدرات تنتشر يعني، عملياً، ترك أرض خصبة لكل مشروع عنف قادم.

المخدرات الجديدة ليست كلها من النوع التقليدي المعروف. بعضها كيميائي، يصنع في مخابر، وينتشر بسرعة، ويخلق حالة إدمان شديدة من أولى التجارب. وهذه المواد أخطر بكثير لأنها تدمر العقل والجسد في وقت قصير، وتجعل العلاج أكثر تعقيداً، وتحوّل المدمن إلى شخص فاقد للتوازن، قابل للعنف، وقابل للاستغلال. ولذلك فإن دراسة العودة إلى أقصى العقوبات في حق الشبكات الكبرى لم تعد، بالنسبة لكثيرين، مجرد نقاش قانوني، بل قضية إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الجزائر.

لكن المواجهة الأمنية والقضائية، مهما كانت قوية، تحتاج إلى مواجهة فكرية ودينية واجتماعية أيضاً. فمن الغريب أن بعض الخطاب الديني ظل لعقود يركز على تحريم الخمر، وهي محرمة ومعروفة الحكم في المرجعية الإسلامية، لكنه لم يخض بالقوة نفسها في خطر المخدرات والمؤثرات العقلية، رغم أنها أكثر تدميراً للشباب والمجتمع. هناك من جعلوا معاركهم كلها حول مظاهر اللباس، والمرأة، والاختلاط، وبعض التفاصيل الاجتماعية، بينما لم نسمع منهم صرخة حقيقية ضد تجار السموم الذين يحطمون أبناء الجزائر. هذا صمت خطير، لأنه ترك لدى بعض الشباب وهماً بأن المخدرات ليست في مستوى الخطر الأخلاقي والديني والاجتماعي نفسه، رغم أنها من أكبر أبواب الهلاك.

الجزائر تحتاج اليوم إلى خطاب ديني وطني واضح يقول للشباب إن المخدرات ليست مجرد “معصية” أو “انحراف”، بل جريمة في حق النفس والأسرة والوطن. تحتاج إلى أئمة يتكلمون عن تجار السموم كما يتكلمون عن كل خطر يهدد المجتمع. تحتاج إلى مدرسة تشرح، وإعلام يكشف، وأحياء تتحرك، وأسر تراقب، وأجهزة أمنية تضرب الشبكات، وعدالة لا تتساهل مع من يحول أبناء الناس إلى مدمنين ومجرمين.

كما تحتاج الجزائر إلى أن تتعلم من تجاربها، وأن تعتمد سياسة استباقية لا ترقيعية. فقد دفعت البلاد ثمناً غالياً في سنوات الإرهاب لأنها لم تتعامل مبكراً مع خطاب التطرف كما يجب. واليوم لا يجوز أن يتكرر الخطأ نفسه مع المخدرات والجريمة المنظمة. فالانتظار حتى تكبر الظاهرة يعني أن تكلفة القضاء عليها ستكون أكبر بكثير. الدولة التي تتحرك بعد الكارثة تدفع دائماً ثمناً أعلى من الدولة التي تتحرك قبلها.

من المؤسف أن الجزائر لا تستفيد دائماً بالقدر الكافي من تاريخها القريب. لقد عاشت الإرهاب، وعرفت كيف يبدأ الخطاب صغيراً ثم يصبح ناراً. واليوم نرى المخدرات والجريمة تتوسعان في بعض الأحياء بالطريقة نفسها، في البداية شباب منحرفون، ثم مجموعات صغيرة، ثم تجارة منظمة، ثم سلاح أبيض، ثم رعب في الشوارع، ثم ارتباطات أكبر. وإذا لم تُكسر هذه السلسلة مبكراً، فسنجد أنفسنا أمام جريمة منظمة أكثر قوة، وأكثر مالاً، وأكثر قدرة على اختراق المجتمع.

الحرب الوطنية ضد عصابات الجريمة يجب أن تكون شاملة. تبدأ من الحي، لكنها لا تتوقف عنده. تضرب المروج الصغير، لكنها تبحث عمن يموّله. تحاسب الشاب الذي يرهب الناس، لكنها تكشف من يحوّله إلى أداة. تنظف الشارع، لكنها تذهب إلى الشبكات الكبرى. تحمي المواطن، لكنها تحمي أيضاً صورة الجزائر وحقها في الاستقرار. فلا يكفي أن نرى صور توقيف عشرات الشباب ثم نطمئن. الطمأنينة الحقيقية تبدأ عندما تسقط الرؤوس، وتجف منابع المخدرات، ويعود الأمن إلى الأحياء.

هذه المعركة ليست معركة الشرطة وحدها، ولا الدرك وحده، ولا القضاء وحده. إنها معركة الدولة والمجتمع معاً. المواطن يجب أن يتعاون، والإعلام يجب أن يفضح، والمدرسة يجب أن تربي، والمسجد يجب أن يحذر، والأسرة يجب أن تراقب، والعدالة يجب أن تضرب بقوة، والأجهزة الأمنية يجب أن تواصل العمل إلى آخر حلقة في الشبكة. فالعصابات لا تخاف من الخطابات، بل تخاف من دولة تعرف ماذا تريد، وتملك خطة، وتطبق القانون دون تردد.

صورة شاب يحمل سيفاً في حي جزائري ليست مجرد صورة مزعجة. إنها إنذار. إنذار بأن هناك من يريد تحويل الحي إلى منطقة خوف، والمواطن إلى رهينة، والشباب إلى وقود للمخدرات والجريمة. وإذا لم تُواجه هذه الظاهرة بحرب وطنية حقيقية، فستصبح كلفتها على الجزائر أكبر بكثير مما نتصور.

الجزائر انتصرت على الإرهاب عندما فهمت أن بقاء الدولة ليس موضوع نقاش. واليوم يجب أن تخوض الحرب نفسها، بالوعي نفسه، ضد المخدرات وعصابات الجريمة. لأن أمن المواطن ليس ترفاً، وحرية التنقل ليست منّة، وهيبة الدولة لا تُقاس بالخطابات، بل بقدرتها على أن تجعل كل حي وشارع ومدينة مكاناً آمناً للجزائريين.

هذه حرب وطنية، ومن لا يفهم ذلك اليوم قد يندم غداً.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“غشت” في الجريدة الرسمية… اختراق لغوي أم عبث بوثائق الجمهورية؟

تحدثنا منذ سنة تقريباً عن قضية خطيرة تتعلق بتبنّي الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية تسمي…